وقوله تعالى: ﴿لا يؤمنون﴾: هذا محط الفائدة في نفي التساوي. أي إنهم أنذرتهم أم لم تنذرهم. لا يؤمنون؛ وتعليل ذلك قوله تعالى: (ختم الله على قلوبهم)
و"الختم": الطبع؛ و"الطبع" هو أن الإنسان إذا أغلق شيئًا ختم عليه من أجل ألا يخرج منه شيء، ولا يدخل إليه شيء؛ وهكذا فهؤلاء. والعياذ بالله. قلوبهم مختوم عليها لا يصدر منها خير، ولا يصل إليها خير ..
. ﴿٧﴾ قوله تعالى: ﴿وعلى سمعهم﴾ أي وختم على سمعهم، فهي معطوفة على قوله تعالى: ﴿على قلوبهم﴾؛ والختم على الأذن: أن لا تسمع خيرًا تنتفع به ..
قوله تعالى: ﴿وعلى أبصارهم غشاوة﴾: الواو للاستئناف؛ فالجملة مستقلة عما قبلها؛ فهي مبتدأ، وخبر مقدم؛ ويحتمل أن تكون الواو عاطفة، لكن عطف جملة على جملة؛ و﴿غشاوة﴾ أي غطاء يحول بينها وبين النظر إلى الحق؛ ولو نظرت لم تنتفع ..
قوله تعالى: ﴿ولهم﴾ أي لهؤلاء الكفار الذين بقوا على كفرهم ﴿عذاب عظيم﴾: وهو عذاب النار؛ وعظمه الله تعالى؛ لأنه لا يوجد أشد من عذاب النار ..
انتهى الكلام على الصنف الثاني من أصناف الخلق، وهم الكفار الخُلَّص الصرحاء ..
الفوائد:
. ١ من فوائد الآيتين: تسلية الرسول ﷺ حين يردُّه الكفار، ولا يَقبلون دعوته ..
. ٢ ومنها: أن من حقت عليه كلمة العذاب فإنه لا يؤمن
[ ١ / ٣٧ ]
مهما كان المنذِر والداعي؛ لأنه لا يستفيد. قد ختم الله على قلبه.، كما قال تعالى: ﴿إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون * ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم﴾ [يونس: ٩٦، ٩٧]، وقال تعالى: ﴿أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار﴾ [الزمر: ١٩] يعني هؤلاء لهم النار؛ انتهى أمرهم، ولا يمكن أن تنقذهم ..
. ٣ ومنها: أن الإنسان إذا كان لا يشعر بالخوف عند الموعظة، ولا بالإقبال على الله تعالى فإن فيه شبهًا من الكفار الذين لا يتعظون بالمواعظ، ولا يؤمنون عند الدعوة إلى الله
٤ ومنها: أن محل الوعي القلوب؛ لقوله تعالى: ﴿ختم الله على قلوبهم﴾ يعني لا يصل إليها الخير ..
. ٥ ومنها: أن طرق الهدى إما بالسمع؛ وإما بالبصر: لأن الهدى قد يكون بالسمع، وقد يكون بالبصر؛ بالسمع فيما يقال؛ وبالبصر فيما يشاهد؛ وهكذا آيات الله ﷿ تكون مقروءة مسموعة؛ وتكون بيّنة مشهودة ..
. ٦ ومنها: وعيد هؤلاء الكفار بالعذاب العظيم ..
مسألة:.
إذا قال قائل: هل هذا الختم له سبب من عند أنفسهم، أو مجرد ابتلاء وامتحان من الله ﷿؟
فالجواب: أن له سببًا؛ كما قال تعالى: ﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم﴾ [الصف: ٥]، وقال تعالى: ﴿فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية (المائدة: ١٣)
[ ١ / ٣٨ ]