التفسير:.
قوله تعالى: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾: الجار والمجرور متعلق بمحذوف؛ وهذا المحذوف يقَدَّر فعلًا متأخرًا مناسبًا؛ فإذا قلت: "باسم الله" وأنت تريد أن تأكل؛ تقدر الفعل: "باسم الله آكل" ..
قلنا: إنه يجب أن يكون متعلقًا بمحذوف؛ لأن الجار والمجرور معمولان؛ ولا بد لكل معمول من عامل ..
وقدرناه متأخرًا لفائدتين:
الفائدة الأولى: التبرك بتقديم اسم الله ﷿.
والفائدة الثانية: الحصر؛ لأن تأخير العامل يفيد الحصر، كأنك تقول: لا آكل باسم أحد متبركًا به، ومستعينًا به، إلا باسم الله ﷿.
[ ١ / ٤ ]
وقدرناه فعلًا؛ لأن الأصل في العمل الأفعال. وهذه يعرفها أهل النحو؛ ولهذا لا تعمل الأسماء إلا بشروط
وقدرناه مناسبًا؛ لأنه أدلّ على المقصود؛ ولهذا قال الرسول ﷺ: "من لم يذبح فليذبح باسم الله" (^١). أو قال ﷺ "على اسم الله" (^٢): فخص الفعل ..
و﴿الله﴾: اسم الله رب العالمين لا يسمى به غيره؛ وهو أصل الأسماء؛ ولهذا تأتي الأسماء تابعة له ..
و﴿الرحمن﴾ أي ذو الرحمة الواسعة؛ ولهذا جاء على وزن "فَعْلان" الذي يدل على السعة ..
و﴿الرحيم﴾ أي الموصل للرحمة من يشاء من عباده؛ ولهذا جاءت على وزن "فعيل" الدال على وقوع الفعل
فهنا رحمة هي صفته. هذه دل عليها ﴿الرحمن﴾؛ ورحمة هي فعله. أي إيصال الرحمة إلى المرحوم. دلّ عليها ﴿الرحيم﴾ ..
و﴿الرحمن الرحيم﴾: اسمان من أسماء الله يدلان على الذات، وعلى صفة الرحمة، وعلى الأثر: أي الحكم الذي تقتضيه هذه الصفة ..
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ص ٧٧، كتاب العيدين، باب ٢٣: كلام الإمام والناس في خطبة العيد، حديث رقم ٩٨٥؛ وأخرجه مسلم في صحيحه ص ١٠٢٧، كتاب الأضاحي، باب ١: وقتها، حديث رقم ٥٠٦٤ [١] ١٩٦٠.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه ص ٤٧٤، كتاب الذبائح والصيد، باب ١٧: قول النبي ﷺ: "فليذبح على اسم الله"، حديث رقم ٥٥٠٠؛ وأخرجه مسلم في صحيحه ص ١٠٢٧، كتاب الأضاحي، باب ١: وقتها، حديث رقم ٥٠٦٤ [٢] ١٩٦٠.
[ ١ / ٥ ]
والرحمة التي أثبتها الله لنفسه رحمة حقيقية دلّ عليها السمع، والعقل؛ أما السمع فهو ما جاء في الكتاب، والسنّة من إثبات الرحمة لله. وهو كثير جدًا؛ وأما العقل: فكل ما حصل من نعمة، أو اندفع من نقمة فهو من آثار رحمة الله ..
هذا وقد أنكر قوم وصف الله تعالى بالرحمة الحقيقية، وحرّفوها إلى الإنعام، أو إرادة الإنعام، زعمًا منهم أن العقل يحيل وصف الله بذلك؛ قالوا: "لأن الرحمة انعطاف، ولين، وخضوع، ورقة؛ وهذا لا يليق بالله ﷿"؛ والرد عليهم من وجهين:.
الوجه الأول: منع أن يكون في الرحمة خضوع، وانكسار، ورقة؛ لأننا نجد من الملوك الأقوياء رحمة دون أن يكون منهم خضوع، ورقة، وانكسار ..
الوجه الثاني: أنه لو كان هذا من لوازم الرحمة، ومقتضياتها فإنما هي رحمة المخلوق؛ أما رحمة الخالق ﷾ فهي تليق بعظمته، وجلاله، وسلطانه؛ ولا تقتضي نقصًا بوجه من الوجوه ..
ثم نقول: إن العقل يدل على ثبوت الرحمة الحقيقية لله ﷿، فإن ما نشاهده في المخلوقات من الرحمة بَيْنها يدل على رحمة الله ﷿؛ ولأن الرحمة كمال؛ والله أحق بالكمال؛ ثم إن ما نشاهده من الرحمة التي يختص الله بها. كإنزال المطر، وإزالة الجدب، وما أشبه ذلك. يدل على رحمة الله ..
والعجب أن منكري وصف الله بالرحمة الحقيقية بحجة أن العقل لا يدل عليها، أو أنه يحيلها، قد أثبتوا لله إرادة حقيقية
[ ١ / ٦ ]
بحجة عقلية أخفى من الحجة العقلية على رحمة الله، حيث قالوا: إن تخصيص بعض المخلوقات بما تتميز به يدل عقلًا على الإرادة؛ ولا شك أن هذا صحيح؛ ولكنه بالنسبة لدلالة آثار الرحمة عليها أخفى بكثير؛ لأنه لا يتفطن له إلا أهل النباهة؛ وأما آثار الرحمة فيعرفه حتى العوام، فإنك لو سألت عاميًا صباح ليلة المطر: "بِمَ مطرنا؟ "، لقال: "بفضل الله، ورحمته" ..
مسألة:
هل البسملة آية من الفاتحة؛ أو لا؟
في هذا خلاف بين العلماء؛ فمنهم من يقول: إنها آية من الفاتحة، ويقرأ بها جهرًا في الصلاة الجهرية، ويرى أنها لا تصح إلا بقراءة البسملة؛ لأنها من الفاتحة؛ ومنهم من يقول: إنها ليست من الفاتحة؛ ولكنها آية مستقلة من كتاب الله؛ وهذا القول هو الحق؛ ودليل هذا: النص، وسياق السورة ..
أما النص: فقد جاء في حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين: إذا قال: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ قال الله تعالى: حمدني عبدي؛ وإذا قال: ﴿الرحمن الرحيم﴾ قال الله تعالى: أثنى عليَّ عبدي؛ وإذا قال: ﴿مالك يوم الدين﴾ قال الله تعالى: مجّدني عبدي؛ وإذا قال: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ قال الله تعالى: هذا بيني وبين عبدي نصفين؛ وإذا قال: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ إلخ، قال الله تعالى: هذا لعبدي؛ ولعبدي ما سأل" (^١)؛ وهذا
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه ص ٧٤٠، كتاب الصلاة، باب ١١: وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، حديث رقم ٨٧٨ [٣٨] ٣٩٥.
[ ١ / ٧ ]
كالنص على أن البسملة ليست من الفاتحة؛ وفي الصحيح عن أنس بن مالك ﵁ قال: "صلَّيت خلف النبي ﷺ، وأبي بكر، وعمر؛ فكانوا لا يذكرون ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ في أول قراءة، ولا في آخرها" (^١): والمراد لا يجهرون؛ والتمييز بينها وبين الفاتحة في الجهر وعدمه يدل على أنها ليست منها ..
أما من جهة السياق من حيث المعنى: فالفاتحة سبع آيات بالاتفاق؛ وإذا أردت أن توزع سبع الآيات على موضوع السورة وجدت أن نصفها هو قوله تعالى: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ وهي الآية التي قال الله فيها: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين"؛ لأن ﴿الحمد لله رب العالمين﴾: واحدة؛ ﴿الرحمن الرحيم﴾: الثانية؛ ﴿مالك يوم الدين﴾: الثالثة؛ وكلها حق لله ﷿ ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾: الرابعة. يعني الوسَط؛ وهي قسمان: قسم منها حق لله؛ وقسم حق للعبد؛ ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ للعبد؛ ﴿صراط الذين أنعمت عليهم﴾ للعبد؛ ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ للعبد ..
فتكون ثلاث آيات لله ﷿ وهي الثلاث الأولى؛ وثلاث آيات للعبد. وهي الثلاث الأخيرة؛ وواحدة بين العبد وربِّه. وهي الرابعة الوسطى ..
ثم من جهة السياق من حيث اللفظ، فإذا قلنا: إن البسملة آية من الفاتحة لزم أن تكون الآية السابعة طويلة على قدر آيتين؛ ومن المعلوم أن تقارب الآية في الطول والقصر هو الأصل ..
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه ص ٧٤١، كتاب الصلاة، باب ١٣، حجة من قال: لا يجهر بالبسملة، حديث رقم ٨٩٢ [٥٢] ٣٩٩.
(٢) أخرجه ابن ماجه في سننه ص ٢٧٠٣ كتاب الأدب باب ٥٥ فضل الحامدين حديث رقم ٢٨٠٣ وأخرجه الحاكم في المستدرك ١/ ٤٩٩ كتاب الدعاء وقال: هذا حديث صحيح الإسناد وأقره الذهبي وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه ٢/ ٣١٩ حديث رقم ٣٠٦٦.
[ ١ / ٨ ]
فالصواب الذي لا شك فيه أن البسملة ليست من الفاتحة. كما أن البسملة ليست من بقية السور ..
القرآن