معرفة أسباب النزول مهمة جدًّا، لأنها تؤدي إلى فوائد كثيرة منها:
١ - بيان أن القرآن نزل من الله تعالى؛ وذلك لأن النبي ﷺ يسأل عن الشيء، فيتوقف عن الجواب أحيانًا، حتى ينزل عليه الوحي، أو يخفى عليه الأمر الواقع، فينزل الوحي مبينًا له.
مثال الأول: قوله تعالى: (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) (الاسراء: ٨٥) ففي "صحيح
_________________
(١) ذكر هذه الحادثة ابن كثير في تفسيره (٢/ ٣٦٨)، والطبري أيضًا (١٠/ ١٧٢).
[ المقدمة / ١٤ ]
البخاري" (^١) عن عبد الله بن مسعود ﵁: أن رجلًا من اليهود قال: يا أبا القاسم ما الروح؟ فسكت، وفي لفظ: فأمسك النبي ﷺ، فلم يرد عليهم شيئًا، فعلمتُ أنه يوحى إليه، فقمت مقامي، فلما نزل الوحي قال: (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] الآية
ومثال الثاني: قوله تعالى: (يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَل) (المنافقون: الآية ٨)، ففي "صحيح البخاري" (^٢) أن زيد بن أرقم ﵁ سمع عبد الله بن أُبَي رأس المنافقين يقول ذلك، يريد أنه الأعزُّ ورسول الله وأصحابه الأذل، فأخبر زيد عمه بذلك، فأخبر به النبي ﷺ، فدعا النبي ﷺ زيدًا، فأخبره بما سمع، ثم أرسل إلى عبد الله بن أُبَي وأصحابه، فحلفوا ما قالوا، فصدقهم رسول الله ﷺ؛ فأنزل الله تصديق زيد في هذه الآية؛ فاستبان الأمر لرسول الله ﷺ
٢ - بيان عناية الله تعالى برسوله ﷺ في الدفاع عنه
مثال ذلك: قوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا) (الفرقان: ٣٢) وكذلك آيات الإِفك؛ فإنها دفاع عن فراش النبي ﷺ وتطهيرٌ له عمَّا دنَّسه به الأفَّاكون.
٣ - بيان عناية الله تعالى بعباده في تفريج كرباتهم وإزالة غمومهم.
مثال ذلك آية التيمم، ففي "صحيح البخاري" (^٣) أنه ضاعَ عقدٌ لعائشةَ ﵂، وهي مع النبي ﷺ في بعض أسفاره فأقام النبي ﷺ لطلبه، وأقام الناس على غير ماء، فشكوا ذلك إلى أبي بكر، فذكر الحديث وفيه: فأنزل الله آية التيمم فتيمموا،
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب العلم، باب قول الله تعالى: (وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا). حديث رقم (١٢٥)، ومسلم، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب سؤال اليهود النبي ﷺ عن الروح، وقوله: (يسألونك عن الروح ) الآية. حديث رقم (٢٧٩٤).
(٢) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، سورة المنافقون، باب قوله: (إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله) الآية. حديث رقم (٤٩٠٠)، ومسلم، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب صفات المنافقين وأحكامهم. حديث رقم (٢٧٧٢).
(٣) أخرجه البخاري، كتاب التيمم، قول الله تعالى: (فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدًا طيبًا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) حديث رقم (٣٣٤)، ومسلم، كتاب الحيض، باب التيمم. حديث رقم (٣٦٧).
[ المقدمة / ١٥ ]
فقال أسيد بن حضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر والحديث في البخاري مطولًا
٤ - فهم الآية على الوجه الصحيح.
مثال ذلك قولهُ تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) (البقرة: الآية ١٥٨) أي يسعى بينهما، فإنَّ ظاهر قوله: ﴿فلاجناح عليه﴾ [البقرة: ١٥٨] أن غاية أمر السعي بينهما، أن يكون من قسم المباح وفي "صحيح البخاري" (^١) عن عاصم بن سليمان قال: سألت أنس بن مالك ﵁ عن الصفا والمروة، قال: كنا نرى أنهما من أمر الجاهلية، فلما كان الإِسلام أمسكنا عنهما؛ فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] إلى قوله: ﴿أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] وبهذا عرف أن نفي الجناح ليس المراد به بيان أصل حكم السعي، وإنما المراد نفي تحرجهم بإمساكهم عنه، حيث كانوا يرون أنهما من أمر الجاهلية، أما أصل حكم السعي فقد تبين بقوله: ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]