* * *
* قالَ اللَّه ﷿: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٣].
* * *
بعد أنْ بَيَّن أمثلةً لكفَّارِ قريشٍ من الأممِ الَّذِينَ أهلكهم اللَّه ﵎ بسب تكذيبهم للرسل، وبَيَّنَ أن من هَذِهِ الأُمَم من كانوا أتوْا عليها، وهي قرية قوم لوطٍ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوء؛ انتقل اللَّه ﷾ بعد ذلك إلى ما هو أقبحُ وأشدُّ في التوبيخِ، وهو كونهم لا يَرجُون نشورًا، يعني لا يرجون بَعثًا، لا يؤمِّلونه ولا يخافونه، ثم انتقل اللَّه ﷾ بعد هَذَا إلى حالِ هَؤُلَاءِ مع الرسولِ ﵊ الَّذِي كان يَجِب علينا أن نُجِلَّه ونُعظِّمه ونوقِّره، وذكر أن هَؤُلَاءِ المكذِّبين اتَّخذوه هُزُوًا، وقوله: (اتَّخَذُوهُ هُزُوًا) أشدُّ وأبلغُ من قوله: هزِئوا به، يعني جعلوه كأنه صورة يُهْزَأُ بها، لكِن لو قال استهزءُوا به صار فعلًا، والفعل المطلَق يدلّ على المرَّة الوَاحِدة، بخلاف الأوَّل الَّذِي جعلوه كالصورة الَّتِي يُهْزَأُ بها.
ثم بَيَّن أنَّهُ مع اتخاذهم إياه هُزُوًا أَنَّهُمْ يَسخَرون به في القول، يَقُولُونَ: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان: ٤١]، احتقارًا له، ثم يَفتخِرون مع احتقارِهم له بأَنَّهُمْ صبروا على آلهتهم، وأن دعوة النَّبي ﵊ كان لها تأثير قوي، ولولا أَنَّهُمْ صبروا على آلهتهم لكانوا متأثِّرين بها: ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا
[ ١٧١ ]
أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾ [الفرقان: ٤٢]، ثم توعَّدهم اللَّه ﷿ بأَنَّهُمْ حين يرون العذابَ سيعلمون من هو أضلُّ، هم أم النَّبي -ﷺ-؟
ثم ذكر اللَّه ﷾ استفهامًا مشربًا بالتعجُّب فيمن اتَّخذ إلهه هواه، فقال: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾.
قوله: ﴿أَرَأَيْتَ﴾ الخطاب للرسولِ -ﷺ-؛ لِأَنَّ السياق يدل عليه، ولا أظنّه هنا يصحّ أن نجعلَه لكلّ مَن يتأتَّى خطابه؛ لِأَنَّ قوله: ﴿أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ إِنَّمَا يناسب الرَّسول ﵊؛ كَقَوْلِهِ: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢].
يقول المُفَسِّر ﵀: [﴿أَرَأَيْتَ﴾ بمعنى أَخْبِرني]، كيف تكون بمعنى أخبِرني، هل الرؤية هي الخبر؟ لا، لكِن أُريد لازِمُها، يعني هل رأيتَ فأخبرني، يعني هَذَا ليس هو المعنى الحقيقيّ له، لَكِنَّهُ معنًى لازِم للرؤية الَّتِي بمعنى العِلم، فإن المستفهِم لا يريد من المخاطَب إذا قال: (أرأيت) لا يريد أن يَستفهِم عن كونه رأى، إِنَّمَا يريد أن يستفهِمَ عن لازمِ هَذِهِ الرؤية، وهو الإخبار، ولهذا يَقُولُونَ: إنها بمعنى أخبِرني، من بابِ إطلاق الملزومِ من لازمِه.
أمَّا بالنسبة لإعرابها، فهذا التركيب ﴿أَرَأَيْتَ﴾ يأتي كثيرًا في القُرْآن، ويَكُون ناصبًا لمَفْعُولينِ؛ الأول منهما اسْم، والثَّاني منهما جملة استفهاميَّة أو قَسَميَّة، ولْيُنْتَبَهْ لإعرابها؛ لِأنَّهَا مشكِلة، المَفْعُول الأول قُلْنا: إِنَّهُ يَكُون اسْمًا؛ إمّا مذكورًا وإما محذوفًا، هَذَا وَاحِد، المَفْعُول الثَّاني جملةٌ إمَّا استفهاميَّة أو قَسميَّة. (التاء) في ﴿أَرَأَيْتَ﴾ فاعل، وتكون مفردةً دائمًا، أو مجموعةً، مثل قوله تَعَالَى: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٤٦]، أو مثناةً، مثل قولنا: أرأيتُما إن كان كذا وكذا، وقد يَلْحَقُها ضميرٌ، أي تلحقها الكاف لمجرَّد الدلالة على المخاطَب، ولا محلَّ له من الإعراب، يَكُون حرف خطابٍ لا محل
[ ١٧٢ ]
له من الإعراب، وتبقى (التاء) مفردةً، ولنضرِب لهذا أمثلة: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٢].
فقوله: ﴿هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ﴾ هَذَا المَفْعُول الأول، والمَفْعُول الثَّاني الجملة القسمية: ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾، والكاف في قوله: ﴿أَرَأَيْتَكَ﴾ حرف خطابٍ لا محلَّ لها من الإعرابِ، إذَن المَفْعُول الأول موجود، والمَفْعُول الثَّاني جملة قسمية موجودة.
ومن الأمثلة قوله تَعَالَى: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ [الأنعام: ٤٦]، المَفْعُول الأول محذوف؛ لِأَنَّ المَفْعُولَ الأوَّل لا يمكِن أن يَكُونَ جملةً، فَهُوَ إذَن محذوفٌ، تقديرُه: أرأيتُم حالَكم، يعني أَخْبِروني عن حالِكم إن أخذَ اللَّهُ سمعَكم وأبصارَكم إلى آخره، وجملة ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ هي المَفْعُول الثَّاني.
وأيضًا قوله ﷾: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٤٧]: ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾ الكاف للخطابِ، والتاء للمفرد، والمخاطَب جَماعَة، والدلالة على أنَّهُ جَماعَة الكاف والميم، ومَفْعُولها الأول محذوف، ومَفْعُولها الثَّاني ﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾.
ومن الأمثلة -أيضًا- قوله ﷾: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ [الكهف: ٦٣]، وقوله ﷾: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠]، والآيات كثيرة، لكِن أحيانًا -كما تقدَّم- يُذكَر المَفْعُول الثَّاني، وكثيرًا يحذف المَفْعُول الثَّاني لدلالة السياق عليه؛ فقوله ﷿: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ لا يمكن أن يَكُون الجواب ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ﴾،
[ ١٧٣ ]
لكِن المعنى: هل تغنيكم شيئًا، هل تنفعكم، هل تستحقّ أن تُعبَد؟ وما أشبهَ ذلكَ، وللبحث بقيَّة تأتي إن شاء اللَّهُ.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: على رأي النُّحَاةِ بأنَّ الَّتِي تَنصِب المَفْعُولينِ هي الرؤيةُ القلبيَّةُ، فهنا تصبح القضية ليست مجرد رؤية للإخبار، كأنها اعتقاد؟
نقول: نعم يقولُ: أَعَلِمْتَ هَذَا فأخبِرني به.
إذَن القُرْآن -سبحان اللَّه العظيم- ليسَ مثل بقيَّة الكَلامِ، تجد فيه استفهاماتٍ، أمرًا، تحدياتٍ في السياق، وهذا من إعجازِه في الحقيقةِ؛ لِأَنَّ كل هَذِهِ الاختلافات في الكَلام تُوجِب إثارةَ الإنْسَانِ وإقبالَه، ولكن -كما أسْلَفنا- لِمَن يَقْرَؤُه عن قلبٍ، أمَّا مَن يَقرؤه عن بَصَرٍ فقطْ بدونِ بَصير فهذا لا يَستفيدُ.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: في قوله: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ [الروم: ٤٩]، لماذا كُررت (من قبل) مرتين؟
الجواب: قوله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ﴾ التكرار هَذَا يَكُون لفائدةٍ وغرضٍ، ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ فيها خلاف هل هي الأُولى أوله ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ غير الأولى، وعلى هَذَا فيَكُون معنى قوله: ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ من قبل أن يُنزَّل عليهم، أي من قبل هَذَا التنزيل، فيَكُون من باب التكرار توكيدًا، وإن كان معنى قوله: ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ يعني من قبل هَذَا الأمر الَّذِي حدث لهم، ليس من قبل أن يُنزَّل، بل من قبل حالهم، فلا يَكُون فيها تكرار.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل الإنْسَانُ المؤمِنُ يُمكِن أنْ يَضِلَّ عند المَوْتِ؟
الجواب: لا يَضِلّ ويَفقِد الإيمان عند المَوْت إلا إنْسَان سَرِيرَتُه باطلةٌ، أَمَّا الإنْسَان
[ ١٧٤ ]
الَّذِي عَمَلُه صالحٌ ومبنيّ على عقيدةٍ صحيحةٍ، فلا يمكن، لَكِنَّهُ على خَطَرٍ؛ لِأَنَّهُ يَخشَى أن يَكُونَ عَمَلُه مبنيًّا على سَريرةٍ باطلةٍ، نحن نقول: لا يمكن أن يضلَّ؛ لِأَنَّ اللَّه ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إِبْراهِيم: ٢٧]، إِنَّمَا يَكُون الإضلال عند المَوْتِ، بناءً عَلَى أَنَّ الإنْسَان في عِبادته غير مستقيمٍ، كما جاء في الحديث الصحيح: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ، فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ، وَإِنَّهُ لمِنْ أَهْلِ النَّارِ" (^١).
فلا بدَّ أن تكون السَّريرة باطلةً؛ لأننا نعلمُ أن الإنْسَانَ لو بَنَى عملَه على عقيدةٍ سليمةٍ، سواء بإخلاصٍ، أو بغير إخلاصٍ، فلا يمكِن أن يَخْذُلَ اللَّه ﷿ المؤمنَ أبدًا، المؤمنَ حقيقةً، وهذا هو ما كنَّا ندعو إليه دائمًا؛ أن نحرِص على عملِ القلبِ، أمَّا الأعمال الظاهرة -عَمَل الجوارِح- فهي بمنزلةِ السُّور للبُستان تَحميه وتُحيطه، وَأَمَّا العملُ الأساسيُّ فَهُوَ عملُ القلبِ، فلا بدَّ أنْ نَحْرِصَ دائمًا على أن يَكُونَ الإنْسَانُ مطهِّرًا لقلبه، ومُصْلِحا لقلبِه، هَذَا أهمُّ شَيْءٍ، والأعمال الظاهرة هي في الحقيقةِ رسوم مصلحة، ومُنْمِية، مثل السَّقي للبستانِ، والرَّسول -ﷺ- شبَّه أعظمَ العباداتِ الظاهرةِ، وهي الصلاةُ، بالنهرِ الَّذِي يطهِّر الإنْسَان من أوساخِه (^٢)، فهَذِهِ صقالات للقلب، ومادة يَنتفع بها القلب، إِنَّمَا الأَصْل هو القلبُ، ولهذا يَجِب علينا دائمًا أن ننظرَ إلى قلوبنا، أحيانًا يَكُون في القلب سَريرة الحسد مثلًا، وسريرة الحسد
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، رقم (٤٢٠٧)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه، وأن من قتل نفسه بشَيْء عُذب به في النار، وأنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، رقم (١١٢).
(٢) أخرجه البخاري: كتاب مواقيت الصلاة، باب الصلوات الخمس كفارة، رقم (٥٢٨)، ومسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب المشي إلى الصلاة تمحى به الخطايا، وترفع به الدرجات، رقم (٦٦٧).
[ ١٧٥ ]
هَذِهِ ليستْ بهيِّنة؛ لِأَنَّهَا مَوْرُوثَة عن اليهودِ، فهل تَرْضَى أنْ تكونَ شَبيهًا باليهودِ؟ لا أحد يَرضَى، ومع ذلك تجدها في قلوب كثيرٍ من المؤمنينَ، والرياء في العِبَادَة أو في المظهَر موجودٌ أيضًا.
قوله: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [أي مَهْوِيَّه]، المُفَسِّر ﵀ فسَّر هَوى بمعنى مَهْوِيّ يعني فسر المصدر بمعنى اسْم المَفْعُولِ، يعني اتخذ إلهه هَذَا الحجر مثلًا، أو هَذِهِ الشجرة، يعني جعل الإلهَ الشجرةَ، والشجرة أو الحجر هي المَهْوِيّ، ولهذا فسَّر الهوى بـ (المهويّ)؛ لِأنَّهُ يريد أن يجعلَ الإلهَ هنا هو المعبودَ، ولكن الصواب أن الآيةَ على ظاهِرِهَا، وأن الإله هو الهوى، ومعنى ذلك أَنَّهُ جعل المتبوع الهوى، وكون الإنْسَان يَتْبَع غيرَه، سواء هوى نفسه أو كونه يتبع غيره، هَذَا من اتِّخاذِه إلهًا، ولهذا قال اللَّه تَعَالَى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]، فقال عَدِيُّ بنُ حَاتِمٍ: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّا لَسْنَا نَعْبُدُهُمْ. قالَ: "أَليْسَ يحرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونُهُ، ويُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَتَسْتَحِلُّونَهُ؟ ". قال: بَلَى، قَالَ: "فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ" (^١).
فإذَن نقولُ: الآية على ظاهِرِها، يعني أنَّ الإلهَ هو الهَوَى نفسه، والهوى يَقُودُهُ إلى عِبَادةِ الشجَرِ والحَجَر، ويقوده إلى استحلالِ الزِّنا، وإلى استحلالِ الرِّبا، وإلى غير ذلك، فعليه الأَوْلَى جَعْل الآيةِ على ظَاهِرِهَا، وألَّا تُصْرَفَ إلى المعبودِ، خِلافًا للمؤلِّف ﵀.
وقوله ﵀: [قدَّم المَفْعُولَ الثَّانيَ لِأنَّهُ أهمُّ]، أين المَفْعُول الثَّاني؟
_________________
(١) أخرجه الترمذي: أبواب تفسير القرآن، باب ومن سورة التوبة، رقم (٣٠٩٥)، واللفظ للطبراني في الكبير (١٧/ ٩٢، رقم ٢١٨).
[ ١٧٦ ]
أصلُه (من اتَّخذ هواه إلهًا) فالمُتَّخَذُ إلهًا هو هوى، لا الإله متّخذًا هوى، الإلهُ ما اتّخذ هوًى، ولكن الهوى متَّخذ إلهًا، فلِهَذَا قالَ المُفَسِّر ﵀: [قدَّم المَفْعُول الثَّانيَ لِأنَّهُ أهمّ] يعني لِأنَّهُ هو محلّ التعجُّب، فمحلّ التعجّب أن يَكُون هَذَا الشَيْءُ إلهًا، لا محلّ التعجُّب مجرَّد الهوى، فمجرد الهوى ليس محلَّ تعجُّب، إِنَّمَا مَحَطُّ التعجُّب أن يُتَّخذ إلهًا، فعلى هَذَا نقولُ: المَفْعُول الأول (إلهًا) والثَّاني (هواه).
قَالَ المفَسِّر ﵀: [وجملة (مَنِ اتَّخذ) مَفْعُولٌ أوَّل لـ (رأيت)]، قوله ﵀: [جملة ﴿مَنِ اتَّخَذَ﴾] ننظُرُ هل كَلامه ﵀ صحيحٌ أو غيرُ صحيحٍ؟ يعني قوله: ﴿مَنِ اتَّخَذَ﴾ هو على كلِّ حالٍ مفردٌ، إلَّا على طَريقةِ ابنِ جِنِّي، لكنْ هل يُعَبَّر عن الموصول وصلته بالجملةِ؟ إذا قلت مثلًا: (قدِم الَّذِي سافر)، هل تقول: (الَّذِي سافر) جملة؟ لا؛ لِأَنَّ الاسْمَ الموصولَ مُفْرَدٌ، لكِن صِلَته جملةٌ، ويَدُلُّ على ذلك أنَّ الاسْمَ الموصول يَقَعُ فاعلًا، والفاعل لا يَكُونُ جملةً، تقول: (جاء الَّذِي سافر) (الذي) فاعل، ولا يمكن أن يَكُون جملةً، وعلى هَذَا فيَكُون قوله ﵀: [وجملة مَنِ اتَّخذ] فيه تسامُحٌ، والصواب أن يقال: و(مَنْ) في قوله: ﴿مَنِ اتَّخَذَ﴾ مَفْعُول أوَّل لـ (رأيت).
والثَّاني: ﴿أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ الاستفهام هنا للنفي، يعني: فلنْ تكونَ عليه وَكِيلًا، قال المُفَسِّر ﵀: [أيْ حافظًا تَحْفَظُه مِنِ اتِّباعِ هَوَاهُ؟ لا]، يعني لستَ وكيلًا عليه، وإذا لم تكنْ وكيلًا عليه فلستَ مسئولًا عنه، وإذا كان هَذَا الكَلام للنبي -ﷺ- فمَن دُونَهُ أَولَى، فنحنُ لَسْنَا وُكَلَاءَ على مَن عَصَوُا اللَّه، ولا على مَن فَسَقُوا عن أَمْرِه، إِنَّمَا علينا البلاع والدعوة، وعلى اللَّه ﷾ الحِساب، قال ﷾: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾، وبهذا نعرِف أنَّهُ لا يَنبغي للإنْسَانِ
[ ١٧٧ ]
أن يَحْزَنَ على ضلالِ مَن ضلَّ إذا كان قد قامَ بما أوجبَ اللَّهُ عليه من البلاغِ والدعوةِ، قال اللَّه ﵎: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٢٧]، وقال ﷿: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]، يعني مهلكًا نفسَك ألا يَكُونوا مؤمنينَ، وآيات كثيرة بهذا المعنى، وأن الإنْسَانَ لا يَحزَن؛ لِأَنَّ ضلال مَن ضَلَّ بفعل اللَّه ﷾، وفِعله تَعَالَى لحِكْمَةٍ، ولهذا قال أهل العلمِ: إننا ننظُر إلى أهلِ المعاصي نظرينِ؛ نظرًا شرعيًّا، ونظرًا كونيًّا، فالنظر الشرعيُّ نحاول إلزامَهم بما أوجبَ اللَّه ونعاقبهم على ذلك، ونُعَزِّرهم بما يليق بهم، ونُقيم الحدود عليهم، ولا نرحمهم في ذلك؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢]، هَذَا النظر الشرعيُّ، نظر قوَّة وحَزْم، أمَّا النظر الثَّاني فَهُوَ النظر القَدَرِيّ الكونِّي، فإنَّنا نَرِقّ لهم ونرحمهم أن اللَّه ﷾ ابتلاهم بهذا الأمرِ، ومنَ النَّاس مَن يتحمَّل هَذَا وهذا، ومِنَ النَّاس من لا يتحمَّل إلَّا وَاحِدًا منهما، وأيُّهما أكمل؟ الَّذِي يتحمَّل هَذَا وهذا أكمل، لكِن من النَّاس مَن لا يتحمَّل الأمر القدريَّ، وتجده يغضَب ويصير عنده غَيرة، ينفعِل فيها انفعالًا بالغًا، ويندفِع اندفاعًا كثيرًا، ومن النَّاس من ينظر إلى الأمر القدريّ فيقول: هَذَا بقضاءِ اللَّهِ وقَدَره، ولا يَكُون عنده غَيرة أبدًا إطلاقًا، وهذا أيضًا خطأ، فالواجب على المرءِ أنْ يَنْظُرَ إلى الأمورِ مِنَ النافذتينِ: نافذة القَدَر ونافذة الشَّرْع؛ ليَكُونَ مُستقيمًا، وهذا هو العدلُ.
إذَن مَن ضَلَّ منَ النَّاس فلَسنا وُكَلاءَ عليه، ولكنْ له علينا الدعوة إلى اللَّهِ، ومحاولة إصلاحِه بما نستطيعُ.
قول المُفَسِّر ﵀: [لا] إشارة إلى أن الاستفهامَ هنا بمعنى النفي، يعني فلنْ تكونَ عليه وكيلًا.
[ ١٧٨ ]
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: يُشكِل على هَذَا أنَّ الإنْسَان يجد في نفسِه حزنًا على القريبِ؟
نقول: هَذَا الحزن على القريبِ من باب الرقَّة والرَّحمة، ومع هَذَا يَجِب أن يَكُونَ عنده حَزْم في الدعوة إلى اللَّهِ، وتبليغ شَرْعِه، وإقامة ما يَجِب إقامتُه منَ الحدودِ على هَذَا المخالِفِ؛ لِأَنَّ بعضَ النَّاسِ يَرِقُّ لِقَرِيبِهِ وصاحبِهِ وأخيه، وما أشبهَ ذلكَ، ولا يقوم بالواجبِ بالنسبةِ لتأديبِهِ ومحاولةِ إصلاحِهِ، وهذا خطأٌ.
* * *
[ ١٧٩ ]