* * *
* قالَ اللَّه ﷿: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الفرقان: ٥٠].
* * *
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ﴾ أي الماءَ ﴿بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا﴾ أصله (يَتَذَكَّروا) وأُدْغِمَتِ التاءُ فِي الذالِ. وَفي قراءة "لِيذْكُرُوا" بسكونِ الذالِ وضمِّ الكافِ (^١)، أي: نعمةَ اللَّهِ بِهِ، ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ جحودًا للنعمةِ حيث قالوا: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كذا].
قوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ﴾ التصريف هنا معناه: صَرَفْتُ الشَيْءَ يَعْنِي غيرته وصرفته عن وَجْهِهِ، يَعْنِي أنَّ اللَّه تَعَالَى غَيَّرَ هَذَا المطرَ بالنسبةِ للناسِ ووَزَّعَه بينهم ما بَيْنَ مُقِلّ ومستكثِر، فمنهم مَن يكثر المطر عنده، ومنهم من يَقِلُّ، هَذَا بالنسبةِ للبَيْنِيَّة، كَذَلِك أَيْضًا صَرَّفه اللَّه ﷾ بينهم بالنسبةِ لكلِّ أحدٍ، أحيانًا يَكُونُ المطرُ كثيرًا فِي عامٍ وقليلًا فِي عامٍ.
وقوله: ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ المُفَسِّر جعل التذكُّرَ هنا تذكُّر النِّعمةِ فقطْ، ولكن الأصحّ أَنَّهُ أعمّ، ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ أي نعمة اللَّه فيما إذا نزل عليهم، و﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ يتَّعِظُوا ويذكروا ما هم عليه من المعاصي والآثام فيما إذا لم ينزِلْ، وكَذَلِك أَيْضًا "لِيذْكُروا" بذلك
_________________
(١) الحجة في القراءات السبع (ص: ٢١٨).
[ ٢١٤ ]
قدرة اللَّه، حيث صُرِّف فِي محل دون محلٍّ، فالمهم أن تصريف هَذَا المطر فِي محل دون محل أو فِي سنة دون سنة هَذَا لَا شَكَّ أَنَّهُ سَبَب لتذكُّر الْإِنْسَان، إمَّا تذكّر النعمة إذا كَانَ ناسيًا، وإما تذكّر النقمةِ ومعاصيه إذا كَانَ ممتنعًا، وإمَّا تذكر القُدرةِ حينما يَعرِف أَنَّهُ فِي مكانٍ يَكُون غزيرًا وَفي مكان يَكُون قليلًا.
وقوله: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ يَعْنِي امتنعَ أكْثَرُ النَّاسِ عنِ التذكُّرِ ولم يَزِدْهُمْ إِلَّا كُفرًا.
وقوله: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ﴾ أي أكْثر النَّاسِ أبَى، والأقلّ شَكَرَ وتَذكَّر واتَّعَظَ، ولكن أكْثَر النَّاس أبى إِلَّا أنْ يَكْفُرَ، والكُفْرُ ذَكَر المُفَسِّر ﵀ منه مثالًا وَاحِدًا، وهو قولُه: [مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا]، ويُستدَلّ لِمَا مَثَّلَ بِهِ المُفَسِّر ﵀ بقولِ النَّبيِّ ﵊ فِي حديث زَيْدِ بنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ حينَ صلَّى بهم عَلَى إثرِ سماءٍ كانتْ مِنَ اللَّيْلِ فِي الحُدَيْبِيَةِ فَقَالَ: "هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ " قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ" (^١)، فَهَذَا كُفْرٌ، وكيف يَكُونُ كُفرًا؟ لأِنَّهُ أضافَ المطرَ إِلَى أمرٍ لَيْسَ بسَبَبٍ، وجعل هَذَا من فضلِ هَذَا النَّوْءِ، وليس من فضلِ اللَّهِ ﷾، وهو حرامٌ وكُفْرٌ كما جاء بِهِ الحديثُ.
أمَّا لو قَالَ الْإِنْسَان: (مُطِرنا فِي نَوْء كذا)؛ فيجوز لِأَنَّهَا للظرفية، وَأَمَّا (بنوء) فلا يجوز؛ لِأَنَّهَا للسَبَبيَّة، لكِن عند العامَّة -عامتنا هنا فِي نَجْدٍ- يجعلون (الباء)
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب المغازي، باب غزوة الحديبية، رقم (٤١٤٧)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب بيان كفر من قال: مطرنا بالنوء، رقم (٧١).
[ ٢١٥ ]
بمعنى (في)، يَقُولُونَ: مُطِرْنا بالشبط، مُطِرْنا بالمربعانية، وَمَا أَشْبَهَ ذلك، فهذا لَيْسَ بِكُفْرٍ، نقول: إن (الباء) تأتي للظرفيَّة كثيرًا، وهم يريدون بِها الظرفيَّة، فلا بأسَ به، حَسَب النيَّة.
ومِنَ الكُفْرِ بِهَذَا المطرِ مِمَّا لم يَذْكُرِ المُفَسِّر ﵀ أنْ يُجْعَلَ ذلك سَبَبًا للأَشَر والبَطَر، مثلما يَحْصُل من بعضِ النَّاسِ إذا نزلتِ الأمطارُ وكَثُرَتِ الأبيارُ؛ صارتْ سَبَبًا لِأَشَرهِ وبَطَرِه وفُسُوقه، فهَذَا من أسبابِه، ومن أسبابِ الكفرِ أَيْضًا أَنَّهُ إذا امتنعَ المطرُ صار امتناعُه سَبَبًا لِقُنُوطِ الْإِنْسَانِ من رحمةِ اللَّهِ ﷾، والقُنُوط من رحمةِ اللَّهِ من كبائرِ الذنوبِ، وَلَيْسَ بالأمرِ الهيِّن، فلا يجوزُ للإنْسَانِ أنْ يَقْنُطَ من رحمةِ اللَّهِ، ولا أنْ يأمَن مَكْرَ اللَّهِ، لا هَذَا ولا هذا.
وقوله ﷿: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ﴾ فِي هَذَا دليلٌ عَلَى أن النَّاس يَنقسِمون إِلَى قسمينِ: كافر ومؤمِن، وهو كَذَلِك، لكِن لَيْسَ فِي هَذِهِ النعمةِ فقطْ، بل بجميعِ النِّعَم، فمِن النَّاسِ مَن يُؤمِن بِهَا، ومن النَّاس مَن يَكْفُر باللَّه ﷾ وبهَذِهِ النِّعَمِ.