* * *
* قالَ اللَّه ﷿: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٥].
* * *
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَيَعْبُدُونَ﴾ أي الكفَّار ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ﴾ بِعِبَادَتِهِ ﴿وَلَا يَضُرُّهُمْ﴾ بِتَرْكِها، وهو الأصنامُ]، والمراد بالجُملة هنا التوبيخُ واللَّوْمُ وإقامة الحُجَّة عَلَى هؤُلَاءِ الَّذِينَ يَعبُدون من دونِ اللَّهِ مَنْ هَذَا وَصْفُه؛ ما لا يَنْفَعُهُمْ إذا عَبَدُوه، ولا يَضُرُّهم إذا عَصَوْه، وقد قَالَ اللَّه ﷾ فِي سورة الأَحْقَافِ: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف: ٥]، يَعْنِي لو ظلَّ يدعو هَذَا الصنمَ إِلَى يومِ القيامةِ ما استجابَ له، هل أحدٌ أضلّ من هذا؟ لا يوجد أحدٌ أضلّ من هَذَا أبدًا، إنْسَان يحاوِل أن يَنْفَعَهُ الصنمُ أو يَضُرّه، ويبقى يدعوه إِلَى يومِ القيامةِ وما استجاب له، فهَذَا من أبلغ ما يَكُونُ فِي الضلالِ.
قوله: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ﴾ فِيها إظهارٌ فِي مَقامِ الإضمارِ، قال: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ﴾ السياق يَقتضي أن يقول: وكانوا عَلَى ربِّهم، لكِن قال: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ﴾ إشارة إِلَى أن هَذِهِ العِبَادَة أَوْصَلَتْهُمْ إِلَى الكفرِ، وأيضًا لفائدةِ التعميمِ، يَعْنِي أنَّ كل كافرٍ، حَتَّى ولو كَانَ بغيرِ العِبَادَةِ، يَعْنِي بغيرِ الشركِ، حَتَّى الْإِنْسَان الدَّهْرِيّ الَّذِي لا يعبدُ شيئًا أبدًا، فَهُوَ ظَهيرٌ عَلَى ربِّه.
[ ٢٢٧ ]
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ مُعِينًا للشيطانِ بطاعتِه]، أي بطاعةِ الشيطانِ، فالكافرُ عَلَى ربِّه ظَهير: مُعِين عَلَى اللَّه ﷾، لا للَّه، ومُعينٌ عليه لا له يَعْنِي حربًا عَلَى اللَّهِ، فالكافرُ كلَّما وجدَ عدوًّا للَّه أعانَهُ عَلَى ربِّه، وهذا كما أَنَّهُ مِثْلما قَالَ المُفَسِّر: إِنَّهُ يُعين الشيطانَ عَلَى معصيةِ اللَّهِ، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ الَّذِي يَعصي اللَّه مُعين للشيطانِ فِي تَمَرُّدِهِ عَلَى اللَّه ﷾، هو أَيْضًا يَشمَل مَنِ اتَّصفَ بِهَذَا الوصفِ من غيرِ الكفَّارِ، فكلُّ مَن أعان عَلَى باطلٍ فَإِنَّهُ مُعينٌ عَلَى اللَّهِ، كلُّ إنْسَانٍ يُعين أحدًا فِي باطلٍ فَإِنَّهُ ظَهير عَلَى ربِّه؛ لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى هو الحقُّ، وهو يريد الحقَّ، فإذا أعنتَ صاحبَ باطلٍ عَلَى صاحبِ الحقِّ فإنك مُعينٌ عَلَى اللَّهِ، لِأَنَّ معنى الظَّهير: المُعِين، كما قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]، يَعْنِي مُعِينًا، فالكافرُ دائمًا يُعينُ عَلَى اللَّهِ، وكلُّ مَن أعانَ فِي باطلٍ عَلَى حقٍّ فَإِنَّهُ مُعِين عَلَى اللَّهِ، يَعْنِي معينًا للباطلِ عَلَى الحقِّ؛ لأنَّ اللَّه هو الحقُّ، وهو يحبُّ الحقَّ.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: كل عاصٍ حالَ مَعْصِيَتِهِ فَهُوَ مُعِينٌ عَلَى اللَّهِ بِمَعْصِيَتِهِ، فلماذا خصَّه فِي الآيةِ بالكافِرِ؟
صحيحٌ، لَكِنَّه قَالَ هنا: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ﴾ لِأَنَّهُ يتحدث عمَّن يعبدون معَ اللَّهِ.
مناسبةُ الجملةِ هَذِهِ للتي قبلها ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ يَعْنِي كأنه جَعَلَ هَذَا الصنمَ نِدًّا للَّه يَعْبُدُه كما يعبد اللَّه، ومعلومٌ أنَّ الصنمَ ضِدّ ما جاءتْ بِهِ الرُّسُلُ، فيَكُون نُصْرَة هَذَا الصنمِ عونًا عَلَى اللَّهِ.
* * *
[ ٢٢٨ ]