* * *
* قالَ اللَّه ﷿: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧].
* * *
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا﴾ عَلَى عِيَالهِم ﴿لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ بفتحِ أَوَّله وضَمِّه، أي يُضَيِّقُوا]، فتح أوله ﴿يَقتُرُوْا﴾ وضَمِّه أي ضمّ أَوَّله، المُفَسِّر ﵀ لم يُفْصِحْ فِي القراءةِ، يَعْنِي لم يَذْكُرْ حُكْمَ التاء فِي المسألةِ الأخيرةِ؛ لِأَنَّ ﴿يَقتُرُوْا﴾ ليست بظاهرةٍ من جهةِ التصريفِ، قَالَ: بفتحِ أوَّله وضمه: "ولم يَقْتُروا"، "ولم يُقْتُروا"، هَذَا ظاهر كَلامه، وليس كَذَلِك، وإنَّما إذا قُرِئَ بضمِّ الياءِ كُسِرَتِ التاءُ: "ولم يُقْتِروا" من أَقْتَرَ الرُّبَاعِيّ، لكِن فِي الثلاثيّ: "ولم يَقْتُروا" قراءة ثانية بكسر التاء: "ولم يَقْتِروا"، فتكون القراءات عَلَى هَذَا ثلاثةً: "ولم يَقْتُروا" "ولم يَقْتِروا" "ولم يُقْتِروا" (^١)، والإقتار بمعنى الإقلال والتضييق.
قوله: ﴿إِذَا أَنْفَقُوا﴾ قول المُفَسِّر: [على عِيَالهِم] تَخْصِيصُه بالإنفاقِ عَلَى العِيَالِ فِيهِ نَظَرٌ، اللَّهُمَّ إِلَّا أنْ يُرِيدَ بذلكَ المَثَل، يَعْنِي مِثل الإنفاقِ عَلَى العِيالِ، وإلَّا فَهُوَ شاملٌ للإنفاقِ عَلَى العيالِ والإنفاقِ فِي سبيلِ اللَّهِ، وَفِي الزَّكَوَات والصَّدَقَات، والإنفاق فِي وُجُوهِ الخيرِ، وَفِي كلِّ ما يَكُونُ إنفاقًا؛ لِأَنَّهُ لم يُتين المُتَعَلّق، لم يَقُلِ اللَّهُ:
_________________
(١) الحجة في القراءات السبع (ص: ٢٦٦).
[ ٢٧٩ ]
(أَنْفِقُوا عَلَى عِيالهِم)، بل أطلقَ، فيَشْمَل كلَّ ما أنفقوهُ، عَلَى العِيَالِ وعلى غيرِهِم، فهَؤُلَاءِ إذا أَنْفَقُوا لم يُسْرِفُوا، والإسرافُ مُجَاوَزَةُ الحَدِّ كمِّيَّة أو كيفيَّة، ﴿وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ يُضَيِّقوا، فالإقتارُ هو الإقلالُ والتضييقُ، وفُهِم معناهُ مِمَّا قُوبِلَ بِهِ، وهو قولُه ﷿: ﴿لَمْ يُسْرِفُوا﴾، مثل قوله ﷾: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء: ٧١]، ﴿ثُبَاتٍ﴾ لا يستطيعُ الْإِنْسَانُ أنْ يَعْرِفَ ما معناها أبدًا، لَكِن لمَّا قال ﷾: ﴿انفِرُوا جَمِيعًا﴾ عَرَفْنَا أنَّ معنى (ثُبات): مُتَفَرِّقِينَ، وهذا مِمَّا يُعرف بِهِ تفسير القُرْآن، فيُعرف تفسير الكلمةِ بِمُقارنتها بما يُقابِلها.
قوله: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ قَالَ المُفَسِّر: [﴿وَكَانَ﴾ إنفاقُهُمْ بَيْنَ ذلكَ الإسرافِ والإقتارِ ﴿قَوَامًا﴾ وَسَطًا].
وقوله: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ الإشارةُ تعودُ إِلَى الإسرافِ والإقتارِ، يَعْنِي كَانَ الإنفاقُ بَيْنَ ذلكَ المذكورِ؛ وهو الإسرافُ والإقتارُ.
وقوله ﷾: ﴿قَوَامًا﴾ أي مُستقيمًا، وإنَّما قال: ﴿قَوَامًا﴾ يَعْنِي مُستقيمًا لِأَنَّهُ قد يميل إِلَى الإسرافِ وقد يميلُ إِلَى الإقتارِ بِحَسَبِ الحالِ، يَعْنِي ما بَيْنَ الإسرافِ والإقتارِ مَنْزِلةً، لَكِنْ قد يَكُون الأمرُ يَقتَضِي أنْ يميلَ إِلَى الإسرافِ، وقد يَكُون الأمرُ يَقتضي أنْ يميلَ إِلَى الإقتارِ، ولهذا قَالَ: ﴿قَوَامًا﴾، فلم يَقُلْ: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ وسكتَ، بل قَالَ: ﴿قَوَامًا﴾؛ يَعْنِي مُستقيمًا، إنْ كَانَ الأمرُ يَتَطَلَّب أنْ يَزِيدُوا قليلًا عَلَى الوسَطِ زادوا، وإن كَانَ الأمرُ يَتَطَلَّب أنْ يَنْقُصُوا نَقَصُوا، مثالُ ذلكَ إذا قَدَّرنا أن الإنفاقَ فِي هَذِهِ الجهةِ إنفاق ألف دِرْهَم يُعْتبر إسرافًا، وإنفاق أربع مئة دِرْهم يُعتبر إقتارًا، بينهما الآن ست مئة دِرهم، أحيانًا تكون الحال تَقتضي أنْ يجعلوها تسعَ مئة، ويَكُون الفرق مئة، وأحيانًا تكون الحال تَتَطَلَّب أن يجعلوها خمس مئة،
[ ٢٨٠ ]
فيَكُون الفرق مئة، وأحيان تكونُ الحالُ تَقتضِي أنْ يَكُونَ سَبْع مئة، المُهِمُّ أَنَّهُ بَيْنَ ذلكَ قوامًا، يَعْنِي عَلَى وَجْهٍ تقومُ بِهِ الحالُ، سواء ارتفعَ وقرُب مِنَ الإسرافِ، أو انخفضَ وقربَ منَ الإقتارِ، فهَذَا معنى قولِهِ: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾؛ يَعْنِي لا تُسْرِف، لكِن أحيانًا تَتَطَلَّب الحالُ أن تزيدَ، مثل لو أنَّ أحدًا دعا أُناسًا ذوي جاهٍ ومكانةٍ، هَؤُلَاءِ يُزادُ لهم بعض الشَيْء، ومَن كَانَ دونَ ذلكَ فالحِكْمَةُ تَقتضي أنْ يُعْطَوْا بِقَدْرِ حالهِمْ.
والإنفاقُ بَيْنَ الإسرافِ والإقتارِ هو داخلٌ فِي قوله: ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾، إذا جَعَلْنَا المشيَ مَشْيًا معنويًّا؛ لِأَنَّ هَذَا من المشي المعنويِّ الهَيِّن الَّذِي لا يَميلُ إِلَى السرعةِ ولا يميلُ إِلَى الانحطاطِ.
* * *
[ ٢٨١ ]