* * *
* قالَ اللَّه ﷿: ﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا (١٥) لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا﴾ [الفرقان: ١٥ - ١٦].
* * *
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿قُلْ أَذَلِكَ﴾ المذكور من الوعيد وصفة النار ﴿خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ﴾ ها ﴿الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ﴾ في علمه تَعَالَى ﴿جَزَاءً﴾ ثوًابا ﴿وَمَصِيرًا﴾ مَرْجِعًا].
الخِطَاب في ﴿قُلْ﴾ للرسول ﵊ وكذلك لغير، ولهذا يمكِن أن نقول: إنَّ الخِطابَ لكل من يَتَأتَّى خِطابه، يعني الرَّسول -ﷺ- وغيره، ولكن الأقرب أنَّه للنبيّ ﵊، ومع ذلك الخطاب للرسول ﵊ ولأمته ما لم يَدُلَّ الدليلُ على تخصيصِ، فنحن كل وَاحِد يمكن أن يقولَ مثل هذا، فيقول للمكذِّبين الَّذِينَ وُعِدوا بالنار: أذلك المذكورُ من الوعيد الَّذِي لا بدَّ أنْ يقعَ ﴿خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ﴾؟ فالجوابُ: بل جنة الخلد بلا شك.
وهنا إشكال، وهو أَنَّهُ قال: ﴿خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ﴾، معَ أنَّ ذلك لا خيرَ فيه إطلاقًا، فكيف يُمكِن أن يُقارَنَ بما فيه الخيرُ المطلَقُ؟
الجواب: أنَّ هَذَا من باب التنزُّلِ مع الخصْم، ولا بأسَ أن تأتيَ مثل هَذِهِ المقارنة،
[ ٦٩ ]
وقد قارن اللَّه ﵊ بينَ شيئينِ بينهما من التبايُنِ أعظم من التباين في وَعيد أهل النار ووعد أهل الجنة؛ فقال ﷾: ﴿اللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩]، ومعلوم أن اللَّه خيرٌ وأنه لا يمكِن لأيِّ عاقلٍ أن يقارِن بين هَذَا وهذا، لكِن لمَّا كان المخاطَبون يُساوون غير اللَّه باللَّه صارَ من بابِ التنزُّل معهم أن نخاطِبَهم بهذا ونقول: ﴿اللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
وقوله: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ﴾ أضافها إلى الخُلد من باب إضافةِ الموصوفِ إلى صِفتِه، يعني الجنة الَّتِي هي مكان الخُلد، والخلد معناه المُكث، وقد صرَّح اللَّه تَعَالَى كثيرًا بالتأبيدِ في خلودِ أهلِ الجنَّةِ، وأمَّا أهل النار فالتأبيدُ وَرَدَ في ثلاثِ آياتٍ من القُرْآنِ؛ في سورة النساءِ وفي سورة الأحزابِ وفي سورة الجنِّ؛ ففي سورة النساء: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ١٦٨ - ١٦٩]، وفي سورة الأحزاب ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ٦٤ - ٦٥]، وفي سورة الجِنّ: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣].
وفي هَذَا ردٌ واضِحٌ على من قالَ: إن عذابَ النار غير مؤبَّد، وممن مال إلى هَذَا القول -وهو من أغرب ما يَكُونُ- ابنُ القيِّم ﵀، حيث كان يميل إلى أن عذاب النار لا يؤبَّد، وأنه لا بد أنْ يَنتهيَ، ولكن لا يقول: إِنَّهُ يَنتهي ثم يَنتقل أهل النار إلى الجنة، لا، لكِن ينتهي بمعنى أنها تَفنَى ومَن فيها، وابن القيم ﵀ ذكره في شفاء العَليل، وجَزَمَ به في أولِ الكَلامِ، ثم ساق الآثارَ في هذا (^١).
_________________
(١) (ص ٢٥٥ وما بعدها)، ط. دار المعرفة.
[ ٧٠ ]
والصواب الَّذِي لا شكَّ فيه ما عليه جمهورُ أهلِ السنَّة، وحُكي إجماعًا أن النارَ مؤبَّدة هي وأهلها، وهذا لا ينافي رحمة اللَّه ﷿؛ لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى قد أَعذرَ إلى هؤلاءِ وأقامَ عليهم الحُجَّة، فهم الَّذِينَ جَنَوْا على أنفسِهم.
وأما الاستثناء في هُود فقد استثنى من قولِه: ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٧]، فَإِنَّهُ لو قيدت بدوامِ السَّمواتِ والأرضِ لكانَ لها أَمَدٌ، فلمَّا قال: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ فهذا ما خرج عن دوام السَّموات والأرض، فهذا معنى الاستثناء.
وأما قوله ﷾: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٢٨]، نقولُ: هَذَا الاستثناء: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ دلت النصوصُ على أنَّهُ لا يشاء أن لا يُخلَّدوا، فكأن هَذَا الاستثناءَ يُشِيرُ إلى أن اللَّه ﷾ لو شاء لمَنَعَ العذابَ عنهم، وأنه ليس أمرًا محتَّمًا عليه، بل هو في مشيئته، فالاستثناء إذَنْ مُفَسَّرٌ بالآيات الصريحةِ الواضحةِ أَنَّهُ تَعَالَى لا يشاء أنْ يرفعَ العذابَ عنهم؛ لِأنَّهُ أخبرَ، ولا يخلِف اللَّه الخبرَ بأن عذابهم مؤبَّد.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: ما مناسبة قوله: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧]، بعد قوله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٧]؟
الجواب: كأنه يُشْعِر أن أحدًا لو قال: كيف يفعل اللَّه ﷾ هَذَا مع أَنَّهُ عذاب دائم، ورحمته وسعتْ كل شَيْء؟ فقال: إِنَّهُ فعَّال لما يريد، مثلما قال: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذ﴾ [هود: ١٠٨]، وفي الحقيقة هَذِهِ الاحْتِمَالات، وإنْ كانتْ قد يَكُونُ لها وجهٌ، لكِن ما دام عندنا نصوصٌ صريحةٌ محكَمَة، فالواجب على المؤمنِ أنْ يَحمِلَ المتشابِهَ على المحكَمِ، ما دام أن المسائلَ في الآياتِ الثلاثِ هَذِهِ احْتِمَال فإن عندنا
[ ٧١ ]
شيئًا لا يَحتمِل وهو التصريح بالتأبيدِ، وكما هو معروف أن هَذَا خبرٌ، والخبرُ لا يَدْخُلُه النَّسْخُ ولا التعيينُ.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: العربُ تَتَمَدَّحُ بإخلافِ الوعيدِ دونَ إخلافِ الوعدِ؟
الجواب: اللَّه جَلَّ وَعَلَا يُتَمَدَّح بأنه لا يُخلِف، وأن خبره صِدْق، والوعيد الَّذِي يتمدح اللَّه به هو ما يدخل تحت المشيئةِ، ما سوى الشرك، مثلًا يوجد وَعيد على المعاصي الَّتِي دون الشرك، فإذا عفَا اللَّه عنها فهذا طيِّب ويُمدَح عليه ﷾.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: ما تقولون في قول عمرَ -﵁-: "لو لَبثَ أهلُ النارِ كقَدْرِ رَمْلِ عَالِجٍ لكانَ لهم على ذلك يومَ يخرجون فيه" (^١)؟
الجواب: لكِن عمر -﵁- وغير عمر، يخاطَب بقولِه ﷾: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾.
لَوْ قِيلَ: كَلام عمر -﵁- ليس صريحًا.
نقول: حتى لو كانَ كَلامه صريحًا وقال: سيخرجون، نقول: لا يخرجونَ، ما دام توجد آياتٌ صريحةٌ، وأيضًا قوله تَعَالَى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا﴾ [النبأ: ٢٣]، هَذِهِ لا تدل على التقييد؛ لِأَنَّ أحقابًا يعني طويلة لا مُنْتَهى لها، هَذَا هو المعنى، والإنْسَان إذا تَصَوَّرَ أَنَّهُ يَبْقَى في النار ليس أحقابًا بل ثانية من الزمن، وهو عاقلٌ، فسوف يَتَجَنَّبُ عَمَلَ أهل النارِ، فكيف بمن يَلْبَثُون فيها أحقابًا؟ ! فهي لا تدل على التَّقييد، ومَن زَعَمَ أنها تدُلّ على التقييدِ وقال: إن الأحقابَ هَذِهِ مقيَّدة بما بعدَها، يعني أحقابًا لا يذوقون فيها بردًا ولا شرابًا وأحقابًا أخرى يذوقون،
_________________
(١) الدر المنثور (٤/ ٤٧٨) وعزاه لابن المنذر.
[ ٧٢ ]
فهذا ليس بصحيحٍ، بل إن المعنى المبالَغة في ذلك، وأَنَّهُمْ لَابِثون فيها دُهُورًا عظيمةً طويلةً لا مُنْتَهى لها.
قوله: [﴿جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ﴾ ها ﴿الْمُتَّقُونَ﴾]، أتى المُفَسِّر بـ (ها) وهي مفعولٍ ثانٍ لـ ﴿وُعِدَ﴾ لأن (وَعَدَ) مما ينصب مفعولينِ ليسَ أصلهما المبتدَأ والخبر، فالمفعولُ الأوَّلُ محذوفٌ، والمفعولُ الثَّاني نائبُ الفاعل ﴿الْمُتَّقُونَ﴾، وقد سَبَقَ كثيرًا أن المتَّقِيَ هو مَنِ اتَّخذَ وِقايةً من عذابِ اللَّهِ ﷾ بفعلِ أوامرِهِ واجتنابِ نواهِيهِ، وأن هَذَا أجمع ما قيل في التقوَى وأنسَب ما يَكُون لِلَفْظِها؛ لِأَنَّهَا من (اتقى) من الوقاية.
وقوله: ﴿وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ الَّذِي وَعَدَهُمُ اللَّه ﷿، وحذف الفاعل هنا للعلمِ به؛ كقولِه تَعَالَى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨]، والخالِق هو اللَّه ﷿.
وقوله ﵀: [﴿كَانَتْ لَهُمْ﴾ في عِلمه]، تقييدُ المُفَسِّر ﵀ الكَينونة في عِلمه لِأَنَّ (كان) فعلٌ ماضٍ، والجنة ستكون مصيرًا، فلهذا قيَّد الكَينونةَ الَّتِي عُبِّر عنها بالفعلِ الماضي، قيَّدها في علمِ اللَّهِ، يعني لا بِحَسَبِ الواقعِ؛ لِأَنَّ الواقعَ لم تَكُنْ، وإنَّما سَتَكُون، ولكن هَذَا بناءً عَلَى أَنَّ (كان) يُراد بها الزمنُ، مع أنَّ (كان) إذا تأمَّل الإنْسَان مَوَاضِعَها في القُرْآنِ وفي السنَّة وَجَدَها أنها أحيانًا تَدُلُّ على مجرَّدِ الحَدَثِ، لا على الزمنِ؛ لِأَنَّ الفعلَ كما هو معروفٌ يَدُلّ على زمنٍ ومعنًى، فـ (كان) دائمًا تأتي للدَّلالة على مجرَّد المعنى فقط، يعني الَّتِي وُعد المتقون وهي لهم جزاء ومصيرٌ، وعلى هَذَا فلا حاجةَ إلى التقديرِ الَّذِي ذَكَرَهُ المُفَسِّر ﵀، وهذا هو الأوضحُ، ولا حاجةَ إلى أن نقدِّر أنها كانت في عِلم اللَّهِ، بل هي كانت، أي: هي جزاء، فنُجَرِّد (كان) من الدَّلالةِ على الزمنِ، وإذا جَرَّدناها كما تَرِد كثيرًا في اللغةِ العربيَّة سلِمنا من هَذَا التقديرِ
[ ٧٣ ]
الَّذِي جاء به المُفَسِّر. ومثلها قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٣]، مجردة عن الزمنِ؛ لِأَنَّ اللَّه ما زالَ ولا يزال غفورًا رحيمًا، عندما نأتي بـ (كان) ونقول: المراد بها الزمَنُ والحدَث تكون معفرة اللَّه ورحمته فيما سبق، أمَّا الآنَ فليسَ غفورًا رَحيمًا! لكِن هَذِهِ يُرادُ بها مجرَّدُ الحَدَثِ، يعني أَنَّهُ مُتَّصِفٌ بالمَغْفِرَةِ والرَّحمةِ، ومثلها هَذِهِ الآية. و(كان) دائمًا تَدُلُّ على مجرَّد الحَدَث، لا على الزَّمَن.
لَوْ قَالَ قَائِل: إنَّ قولَه ﷾: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ يؤتَى بها لكي تتناسب مع رُؤوس الآيِ؟
فالجواب: ليس بلازمٍ، أحيانًا تأتي متناسبةً وأحيانًا تأتي غيرَ متناسبةٍ. المهم أنَّ (كان) تأتي دائمًا في اللغة العربيةِ لا يُرادُ بها الزمَنُ، وإنما يُرادُ بها مطلَق الحَدَث، يعني أن هَذَا الأمرَ هو الواقع، فهنا قوله: ﴿كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا﴾ من المعلومِ أنَّ المتقينَ الآنَ ما دَخَلُوا الجنةَ ولا صاروا إليها، ولكنَّهم سَيَصِيرُونَ لذلك، فاحتاج المُفَسِّر أن يُقَدِّر (في عِلمه) إذ كانت في علمِ اللَّهِ، ولكنَّنا نقول: لا حاجة لهذا التقديرِ؛ لِأَنَّ (كان) مسلوبة الدلالة على الزمنِ.
وقوله: ﴿جَزَاءً وَمَصِيرًا﴾ يقول المُفَسِّر ﵀: [ثوابًا]، والَّذِي جعلَ هَذَا الثوابَ لهم هو اللَّه ﷿. ثم قال ﵀: [﴿وَمَصِيرًا﴾ مَرْجِعًا]، متى تكون مصيرًا؟ تكون مصيرًا مِن حين يموتون، قال ﷿: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ [النحل: ٣٢]، وليسَ المراد أنهم يدخلون الجنَّة الَّتِي في السماء فور موتهم، ولهذا يُفتَح له باب إلى الجنَّةِ ويُفرَش له فِراش من الجنَّة، ويُلبس بلِباسٍ من الجنة، فالمتقونَ من حينِ يموتونَ يدخلون الجنةَ، كما أنَّ أهلَ الجحِيم من حين يموتون يذوقون عذابَ الجحيمِ.
[ ٧٤ ]
وأنا قد سمِعت البارحةَ وَاحِدًا يَقْرَأُ في كُتُبِ المواعظ، وفي كتب المواعظ يأتون بالمَوْتِ والدُّود مثل أكله الدود والصَّديد وهَذِهِ الأشياء، في الحقيقة إِنَّمَا تكون على الجسم فقط، والنَّاس إذا شعروا بهذا الشَيْء لا يفرحون بالمَوْت، بل ينفرون منه كثيرًا، فالَّذِي يَنْبَغِي أن يُوعَظ الإنْسَان بما يَكُون على رُوحه، فيقال مثلًا: إِنَّهُ إذا مات وهو ليس من أهل التقوى يَكُون له من العذاب كذا وكذا إلى آخِره، وإذا كان من أهل التقوى يَكُون في نعيمٍ، ومن أهل الجنَّةِ، لأجلِ أنَّ المؤمنَ يَفرَح، أمَّا أننا نَذهَب ونُوَجِّه النَّاسَ إلى التخويفِ مِنَ الأَمْرِ الحِسِّي الماديّ فقطْ فهذا في الحقيقةِ مما يُسِيءُ إلى النَّاسِ، فعندما يسمع الإنْسَان هَذَا الشَيْءَ هل يَكُون مطمئنًّا للموت؟ لا، أبدًا، يَنْفِرُ منه، لكنْ عندما يَسمَع أَنَّهُ إذا كان مؤمنًا دخلَ الجنَّةَ من حين ما يموت، تجده لا أقول: يفرح بالمَوْت، لَكِنَّهُ يَستبشِر بهذا الوعدِ الَّذِي يَكُونُ له، فهذا هو الَّذِي يَنبغي أن يُنَشَّأُ النَّاسُ عليه، ما يَنبغي أَنَّهُمْ يُذْكَرُ لهم من الأمور المادية فقطْ، ولذلك لو تأملتَ القُرْآنَ كلَّه لَوَجَدْتَ أنَّ هَذِهِ الأمور المادِّيَّة ليس لها ذِكْرٌ في القُرْآنِ، إِنَّمَا يُذْكَر في القُرْآنِ ما يَكُون على الرُّوحِ مِنَ النَّعيمِ أو العذاب، حتى يَسْتَبْشِرَ الإنْسَانُ ويَفْرَح ويعمل لهذا النعيم ويخاف ويَرْهَب ويَهْرَب مِن هَذَا الجَحيم.
هَذِهِ المسألة أَحْبَبْنَا أنْ نُنَبِّه عليها لِأَنَّهَا توجد كثيرًا في كتب الوَعظ، فمثلما يوجد في كتب الوعظ أشياء كثيرة تُرَغِّب فيما نهى عنه الشرع، فإنها ترغِّب في الأمور الَّتِي نهى عنها الشرعُ، مثلما يذكرون عن بعض العُبَّادِ الَّذِينَ يُعذَرون بجهلهم أَنَّهُمْ كانوا يقومون الليل كله في جميع أعمارهم، وقالوا: إن فلانًا بقِي أربعين سنةً يصلي الفجر بوضوء العشاء، قصدهم بهذا الترغيب، هَذَا ضد ما أمر به الرَّسول ﵊، فيَكُون هَذَا من المحادَّة للَّه ورسوله، فهم يأتون بأمورٍ منكَرة لا يعرفونها، وأنا أبيِّن ذلك لِأَنَّ طلَّاب العلمِ يَسمعون مثل ما أسمع، فإذا حصل أنَّ قارئًا مثلًا من الأئمَّة
[ ٧٥ ]
يقرأ في مثل هَذِهِ الكتب فَإِنَّهُ يَجِب علينا أن نتكلم معه، ليس أمام النَّاس، لا؛ لِأَنَّ العوامَّ كما هو معروف يَكُونون مع إمامهم، فيمكن أن تقوم بحقٍّ وهم يقومون عليك، لكِن من الممكن إذا انتهى تقول: يا أخي، فتأتي به بطمأنينة وتقول: أنت إمام يُقتدَى بك والعوامّ يقولون: (ما قيل في المِحْراب فَهُوَ صواب)، فيَجِبُ أن تعرفَ أن هَذَا خِلافُ الشرع. وتُبَيِّن له ما استطعتَ مِنَ البيان حتى يَكُون الأئمَّة الَّذِينَ يُقتدَى بهم الآن على صوابٍ.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل حديثُ ضَغطةِ القبرِ صحيحٌ؟
الجواب: ضَغطة القبرِ لا أَعْرِف في صِحَّتها دليلًا، وَرَدَ في قِصَّة سَعْدِ بنِ مُعاذ (^١)، ولكن لا يَحْضُرني الآن هل هو صحيح أم لا؟ هو قَطعًا ليس في الصحيحينِ، لكِن لا أدري هل يصل إلى درجة الصحة أم لا، لكِن مهما كان ضغطة القبر ليست بشَيْءٍ بالنسبة لما يقولون وما يصفونَ من حال الميتِ، وهم يركِّزون على مسألةِ الجسمِ، حتى إن النَّاسَ مهما كانت أعمالُهم الصالحةُ يَقَعُون في القُنوط.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هل فَناء الجسم أو بقاؤه دليل على الصلاح؟
فالظاهر: أن بقاءَه يدل على الصلاح؛ لِأنَّهُ ما يَبْقَى إلا كَرامة؛ لِأَنَّ الأَصْل أن الأجسام تأكلها الأرض إلا الأنبياء؛ فإنهم لا تأكلهم الأرض (^٢)، وفناؤه لا يدل عَلَى أَنَّ الإنْسَان ليس من أهلِ الخيرِ، لكِن بقاء الجسم قد يَقَعُ كرامةً لبعضِ أهلِ الخيرِ.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: وهل الأرض لا تأكل أجساد الشهداء؟
_________________
(١) أخرجه النسائي: كتاب الجنائز، باب ضمة القبر وضغطته، رقم (٢٠٥٥).
(٢) أخرجه أبو داود: تفريع أبواب الجمعة، باب فضل يوم الجمعة وليلة الجمعة، رقم (١٠٤٧)، والنسائي: كتاب الجمعة، باب إكثار الصلاة على النبي -ﷺ- يوم الجمعة، رقم (١٣٧٤)، وابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب في فضل الجمعة، رقم (١٠٨٥).
[ ٧٦ ]
قُلْنَا: الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء فقط، وهو من باب الكرامة، وكذلك قصة عمر لما حفروا القبور، لكِن في شهداء أُحد مَن وُجد أن الأرض قد أكلتْ بعضَ جِسْمِه، ليس كل جِسْمه.
وقوله: ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾ هَذه الآية تدل عَلَى أَنَّ كل ما يشاءون فَهُوَ لهم، وفي سورة (ق) أن اللَّه قال: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥]، يعني عند اللَّه مَزيد على ما يشاؤه الإنْسَانُ؛ لِأَنَّ الإنْسَان مهما بلغَ فإن تصوُّره وإرادته قاصرة، فقد يشاء أشياءَ ويَخفَى عليه من النعيم أشياء فيكملها اللَّه ﷾ له، ولهذا قال: ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ﴾ حال لازمة]، الحال اللازمة (خالدين)، ما معنى حال لازمة؟ هل هناك حال لازمة وحال عارضة؟
فالجواب: نعمْ، إذا كانت الحال ليستْ لازمةً لصاحبها فهي حال عارضةٌ، تقول: أقبل الرجلُ راكبًا، هَذِهِ حالٌ عارضةٌ؛ لِأنَّهُ قد يُقبِل غيرَ راكبٍ، ماشيًا.
* * *
[ ٧٧ ]