الْفَائِدَةُ الْأُولَى: إثباتُ الأَسْبابِ؛ لقولِهِ: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانيةُ: إرسالُ المُبَشِّرات والمقدِّمات بَيْنَ يَدَي الأشياءِ؛ لقوَّة الرجاء؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾.
الْفَائِدَةُ الثالثة: قُدرة اللَّه ﷿ فِي إرسالِ الرياحِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الرياحَ لوِ اجتمع الخَلْقُ كلُّهم بالتأكيدِ عَلَى أن يأتوا بوَاحِدةٍ منها ما استطاعوا إِلَى ذلك سبيلًا، مع أن هذه الرياح فِي بعض الأحيانِ تَقتلِع الأشجارَ وتدمِّر المنازلَ، هَذِهِ القوة العظيمة لو أتيتَ بمُوَلِّداتِ الدُّنْيا كلها لِتَخْلُقَ مثلَ هَذَا الهواء ما حَصَلَ هذا.
الْفَائِدَةُ الرابعة: حِكمة اللَّه ﷾ بكونِ المطرِ يَنزِل مِنَ السَّمَاءِ، لو كَانَ هَذَا المطرُ الَّذِي تَحيا بِهِ الْأَرْض يأتي جريًا عَلَى سطح الْأَرْض ما كَانَ فِيهِ هَذَا النفع؛ لِأَنَّهُ لا يصل إِلَى قِمَم الجبال إِلَّا بعدَ أنْ يُغْرِق ما تحتها، لكنَّه إذا نزل من فوق أتى عَلَى قِمَمِ الجبالِ وأتَى عَلَى ما هو أسفلُ منها، وهذا من حِكْمة اللَّه ﷿ بذلك.
الْفَائِدَةُ الخامسة: أن الأَصْل فِي الماءِ الطهارةُ؛ لِقولِه: ﴿مَاءً طَهُورًا﴾ ونحن نعرف الآنَ حَسَبَ ما تَلَوْنَا أنَّ الماء الموجود فِي الْأَرْض كلّه منَ السَّمَاء ﴿فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾ [الحجر: ٢٢]، فإذا كَانَ من السَّمَاء فإن الأَصْل فيما نبع من
[ ٢١١ ]
الْأَرْض أو فيما نزل من السَّمَاء أنْ يَكُونَ طَهُورًا.
الْفَائِدَةُ السادسةُ والسابعةُ: إثبات الحِكمة فِي أفعالِ اللَّهِ؛ لِقولِه: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ﴾ وهَذِهِ اللام هي لام التعليل، وهذا دليل من مئاتِ الأدلَّة عَلَى إثباتِ الحِكمةِ، فيَكُون فِيهِ ردّ عَلَى طائفةٍ من طوائفِ المبتدِعَةِ، وهم الجَهْمِيَّة؛ لأَنَّهُمْ يَرَوْنَ أن فعل اللَّه لمجرَّد المشيئةِ، لَيْسَ لعِلَّة؛ فَإِنَّهُ لا يرجِّح شَيْئَا عَلَى شَيْءٍ لحِكمةٍ، إِنَّمَا لمجرَّدِ المشيئةِ، ولا يفعَل شَيْئًا إِلَّا لمجرد المشيئة. ولَا شَكَّ أنَّ هَذَا القَوْلَ مردودٌ بالأدلَّة النقليَّة والعقليَّة؛ لِأَنَّ مَن يفعل لحكمةٍ أكملُ ممَّن يفعل لغيرِ حكمةٍ، وَهُم يَرَوْنَ نفيَ الحِكْمَةِ، يَقُولُونَ: لأنَّ الحِكْمَةَ غَرَضٌ، واللَّه ﷾ مُتَزَّه عن الأبعاضِ والأعراضِ والأغراضِ، انظُرْ إِلَى حُسْن هَذَا التعبيرِ، فالَّذِي يَسمَع هَذَا التعبيرَ يقول: هَذَا مثل تعبير القُرْآن: منَّزه عن الأبعاض والأغراض والأعراض، يريدون بالأبعاضِ اليدَ والوجهَ والعينَ، وَمَا أَشْبَهَ ذلك، ويريدون بالأعراضِ الصِّفاتِ الفعليَّةَ: الأفعال الاختيارية؛ كالنزول والاستواء، وَمَا أَشْبَهَ ذلك، ويريدون بالأغراض الحِكْمَة؛ لأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: لو فعل لحكمةٍ لكان ناقصًا بدونها. وهذا من قلبِ الحقائقِ، فإذا فعل لحكمةٍ فَهُوَ دليل عَلَى كمالِه، وأنه لا يفعلُ شَيْئًا سَفَهًا لمجرَّد المشيئةِ.
الْفَائِدَةُ الثامنة: جوَاز ذِكْرِ بعضِ الفوائدِ؛ لأنَّ الاقتصارَ عَلَى البعضِ لا يُعَدُّ نَقْصًا؛ فهنا ذكر اللَّهُ ﷾ من فوائدِ المطرِ فائدتينِ فقطْ؛ إحياء الْأَرْضِ، وسَقْي الأَنْعام والأناسيّ، معَ أنَّ للمطرِ فوائدَ أُخرَى؛ كالتطهُّر بِهِ مثلًا، فالتطهر بِهِ لَيْسَ سقيًا وليس إحياءً للأرضِ، وغير ذلك أَيْضًا من الفوائدِ، لكنَّه لمَّا كَانَ أشدّ ما يَكُون ضرورةً للمطر هو إحياء الْأَرْض بالنباتِ؛ ليأكلَ النَّاسُ والأَنْعامُ، وكَذَلِك السقيُ؛ فالطعام والشراب ضرورة مِن ضرورَّيات الحياةِ بالنسبةِ للأَنْعامِ وبالنسبةِ للناسِ،
[ ٢١٢ ]
فاقتصرَ اللَّهُ ﷿ عَلَى ذكر هاتينِ الفائدتينِ فقطْ؛ لأنهما هما الفائدتانِ الضرورَّيتانِ الحاصلتانِ بنزولِ المطرِ: إحياء الْأَرْض للنباتِ، والأكلُ والسقيُ للشُّرب.
* * *
[ ٢١٣ ]