الْفَائِدَةُ الْأُولَى: كمالُ قُدْرَةِ اللَّه ﷿ وأنه لا يَعْبَأُ بأحدٍ مِن خَلْقِه مهما كَثُروا عددًا وعُدَّةً؛ لقولِه: ﴿مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي﴾.
الْفَائِدَة الثَّانية: أن الدعاءَ مانعٌ من العقوبةِ، كما أن فِي الدعاءِ أَيْضًا جالبًا للمصالحِ "وَإِنَّ الدُّعَاءَ وَالْبَلَاءَ لَيَعْتَلِجَانِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" (^١) فيَمْنَع أحدُهما الآخرَ.
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الدعاء (١/ ٣١، رقم ٣٣).
[ ٣٤٦ ]
فالحاصلُ: أن الدعاء مانع مِنَ العذابِ وجالِبٌ للرحمةِ.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: ورد فِي الحديث: "وَلَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ" (^١) كيف يُوَفَّق بَيْنَه وبين ما وَرَدَ، سواء فِي الكِتَابِ أو فِي السنَّة أنَّ القَضَاء لا يَرُدُّه شَيْءٌ؟
فيَجِبُ أنْ تعرفَ أنَّ القضاءَ هو وُقُوعُ الشَيْءِ عَلَى ما كَانَ، فالدعاء إذا وقعَ فهناك قضاءٌ كَانَ يقع لولا الدعاءُ، فإذا وقعَ الدعاءُ كَانَ مِنَ القضاءِ، فيَكُون إخبار النَّبي ﵊ بِهَذَا هو حثّ النَّاس عَلَى الدعاءِ، مثلَما ذكر "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ" (^٢).
فَهُنَا إِذَا قَالَ قَائِلٌ: أليسَ الأَجَلُ مُقَدَّرًا، والرزق مقدَّرًا؟
قُلْنَا: بلَى، هو مُقَدَّر ولا يَتَغَيَّر، فيَكُون المقصود من الحديثِ حَثّ النَّاسِ عَلَى البِرِّ والصلةِ، ولا بدَّ أنْ يَقَعَ ما أرادَ اللَّهُ ﷿ مِن بِرِّك وصِلَتِك، وتكون النتيجةُ أنْ يَكُونَ عُمُرك ممدودًا بسَبَبٍ، كما ما لو وَقَعَ الْإِنْسَانُ فِي هَلَكةٍ وجاء إنْسَانٌ وأنقذَهُ، هَذَا الإنقاذُ صارَ سَبَبًا لحياتِهِ وطُول عُمُره، لكِن معَ ذلك هو مقدَّر، لا بدَّ أنْ يَقَعَ، فيَكُون معنى "لَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ" أن الدعاءَ من الأَسْبابِ الَّتِي تَمْنَعُ القضاءَ الَّذِي يَكُون لولا هَذَا الدعاء، ولَكِن لن يَكُونَ هَذَا القضاء لِأَنَّهُ سَيَسْبِقُه دعاءٌ مُقَدَّر مِن قبلُ.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: قولُه -ﷺ-: "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ له فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ" أَلَا يَكُون تفسير الحديثِ معنويًّا بأنْ يُبَارِكَ له فِي عُمُرِهِ، وطِيب العُمُر،
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه: كتاب الفتن، باب العقوبات، رقم (٤٠٢٢).
(٢) أخرجه البخاري: كتاب البيوع، باب من أحب البسط في الرزق، رقم (٢٠٦٧)، ومسلم: كتاب البر والصلة والآداب، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها، رقم (٢٥٥٧).
[ ٣٤٧ ]
وَمَا أَشْبَهَ ذلكَ؟
فالجواب: لِنَقُلْ ذلك. والمباركَة فِي العُمُر وعَدَم المباركةِ مكتوبةٌ.
إذَن ما الفرقُ، ولماذا نُحَرِّف الحديثَ؛ لأنَّ يَنْسَأ بمعنى يُؤَخِّر معروف، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧]، لماذا نحرِّف الحديثَ ونجعل (ينسأ) كنايةً عن بركةِ العُمُر فِرارًا من امتدادِ الأجلِ، معَ أنَّ البَرَكَة فِي العُمُر ونَزْع البركة من العُمُر كِلاهما مكتوبٌ؟ إذَن لا فرقَ.
وَكَمَا قُلْنَا: إِنَّهُ أَجَلٌ مُقَدَّر لا يَتَغَيَّر؛ لأن هَذَا الرجلَ الَّذِي صار عُمُره خمسينَ سنةً كُتِبَ عُمُره خمسين سنةً لِأنَّهُ بَرٌّ بوالديْهِ، وكُتب بِرُّه أَيْضًا، لكِن أنا غيرُ معلومٍ عندي أني بارٌّ، ولا أنَّ عُمُري خمسونَ مثلًا، فيَكُون المقصود من هَذَا الحديثِ هو حثّ النَّاس عَلَى البرِّ، وإلَّا فكلُّ شَيْءٍ مكتوبٌ، فالَّذِينَ فَرُّوا من ذلك يقال أَيْضًا لهم: هذا كما فِي الحديثِ أنَّ الجَنِينَ فِي الرَّحِمِ يَكْتُبُ المَلَكُ رِزْقَه (^١)، والبركة فِي الرِّزْقِ أَيْضًا مكتوبةٌ من قبلُ، مع أنَّ الرَّسولَ يقولُ: "يُبْسَط لَهُ فِي رِزْقِهِ" يَعْنِي يُوَسَّع، فلا حاجةَ إِلَى هَذَا التحريفِ.
لَكِنْ لَوْ قِيلَ: أَلا يُمْكِن أن يَكُونَ هَذَا القدرُ الَّذِي كَانَ سَيَحْدُث مكتوبًا وغُيِّر؟
لا، هو بِصَدَدِ أنْ يقعَ، لكِن ما كُتِبَ أن يقعَ، هو بصددِ أن يقعَ لكِن وُجِدَ مانعٌ مقدَّر أَيْضًا، ومثلما قلتُ لكَ: إذا قَالَ قائل: ما الْفَائِدَة إذَن؟
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب التوحيد، باب قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾، رقم (٧٤٥٤)، ومسلم: كتاب القدر، باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته، رقم (٢٦٤٣).
[ ٣٤٨ ]
نقول: الْفَائِدَةُ هي حَثُّ النَّاس عَلَى الدعاءِ، وأن يَحْرِصَ الْإِنْسَان عَلَى الدعاءِ؛ لأجلِ أن يَمْتَنِعَ بِهَذَا الدعاءِ ما كَانَ موجودًا أسبابُه من القضاءِ.
لَكِنْ لَوْ قِيلَ: هَذَا يخالِفُ الظاهرَ، ولو قُلْنَا بظاهِرِهِ لَخَالَفْنَا أَيْضًا القدرَ؛ لأن الدعاء مقدَّر، وعدم الدعاء مقدَّر، حَتَّى دعاؤك أنت مقدَّر، بل كل شَيْءٍ مقدَّر، فمعناه: لا بد أنْ تَدْعُوَ فيرد القضاء الَّذِي انعقدتْ أسباب وجوده، فالدعاء مانعٌ، وأسبابُ وجودِ القضاءِ الَّذِي كَانَ سَيَقَع لولا هَذَا المانع موجودةٌ.
فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: الإِشْكالُ إذا قَالَ قائل: إذا كَانَ الدعاء مقدَّرًا فمعناه أن هَذَا الَّذِي قُدِّر لن يقعَ؟
فيقال: إن أسبابَ هَذَا الَّذِي قُدِّر موجودةٌ، والدعاء مانع، فيَكُون عندنا أسبابٌ انعقدتْ لِحُصُولِ هَذَا الواقعِ الَّذِي مَنَعَهُ الدعاءُ، وكلُّ منها مقدَّر.
الْفَائِدَة الثالثة والرابعة: إثباتُ الأَسْبابِ، لِقَوْلِهِ: ﴿لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾، وإثبات الموانعِ أَيْضًا؛ لقولِهِ: ﴿لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾، ففيها إثباتُ الموانعِ لمَا انعقدَ سَبَبُه، وإثباتُ الأَسْبابِ لمَا لم يوجدْ حَتَّى يَكُون، وإثبات الموانع أَيْضًا موجود بكثرةٍ، الرَّسول -ﷺ- أمرَ عندَ الكسوفِ بالصلاةِ والدعاءِ والاستغفارِ (^١)، وهذا مانعٌ للعذابِ الَّذِي انعقدَ سَبَبُه ووُجِدَ الإنذارُ بِهِ، فيمنع هَذَا العذابَ.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: قد تكونُ المصيبةُ مِنَ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا للعبدِ ابتلاءً لِرَفْعِهِ دَرَجَتَه، كما حصل عَلَى الأنبياءِ؛ كنُوح ولُوط، حيث ابتلاهما اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعاَلَى بِزَوْجَتَيْهِمَا، وهما مِنَ الأنبياءِ، وكما حصل للرسولِ -ﷺ- من عُمُومتِه؟
_________________
(١) أخرجه البخاري: أبواب الكسوف، باب الصلاة في كسوف الشمس، رقم (١٠٤٠).
[ ٣٤٩ ]
قُلْنَا: هَذَا صحيحٌ، لكِن قد لا يَكُون الكَسْب هَذَا من يدِ الْإِنْسَانِ نفسِه؛ لأن البلاءَ إذا نَزَلَ يَعُمُّ، فقد يَكُونُ ما أُصيبَ بِهِ الْإِنْسَانُ من ذنوبِ غيرِه، ليَكُونَ موعظةً له، فيُبتلَى بِهَذَا وهذا، بالحُكم الشرعيِّ والقَدَريّ، وربما يَكُون هناك ذنوب خَفِيَّة ليست بيِّنة، فيُبتلَى بِهَا، والذنوب لَيْسَ معناها فِعل المعاصي لُزُومًا، قد يَكُون الذنب تقصيرًا فِي واجبٍ، لكِن الآية عامَّة: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]، ولْيُعْلَمْ أنَّ البلاءَ مِنَ المصائبِ، والمصائبُ من الذنوبِ، قَالَ تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾، هَذهِ الذنوبُ لِآثَارِها موانعُ، وهي الاستغفارُ والتوبةُ والرجوعُ إِلَى اللَّه.
الْفَائِدَة الخامسة: إثباتُ عذابِ القبرِ، كما أشار إليه المُفَسِّر أَنَّهُ سَيُلازِمُهُمُ العذابُ بعدَما يَحُلُّ بهم فِي الدُّنْيا، فيَكُون فِي هَذَا إثبات لعذاب القبرِ، وقد دلَّتْ عليه السنَّة الصريحةُ، وظاهرُ القُرْآنِ، كما مرَّ.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: قوله ﷿: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ [الأحقاف: ١٥]، بعض العوامّ يقول: الْإِنْسَان لا يَكُونُ صالحًا إِلَّا إذا بلغَ أربعينَ سنةً، وهَذَا ليس صحيحًا أبدًا، لكِن المعنى أن الْإِنْسَان لا يَرجع فِي الغالبِ وَيَتَبيَّن ويَتَفَطَّن الأمر إِلَّا إذا بلغَ أربعينَ سنةً، فكل إنْسَان مكلَّف يعقل، وكَوْنه لم يبلُغِ الأربعينَ لَيْسَ بعُذْرٍ، لكِن يقال: إنك لا تعقِل الأمورَ، فأنتَ الآنَ فِي الحقيقةِ فِي حالةِ سَفَهٍ، وكما يَقُولُونَ: الشباب جنونٌ، لا تعقِل هَذَا الأمرَ إِلَّا إذا بلغتَ أَشُدَّكَ وعَرَفْتَ ما يَحْصُل من أولادِك. ولهذا قال: ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ [الأحقاف: ١٥]، فهنا يَتَبَّيِن مدى عُقُوقِ الوالدينِ، إذا كبِر الْإِنْسَان وجاءه أولادٌ ورأى مَنْزِلَةَ البِرِّ بالوالدينِ من أولادِهِ، فأنتَ لا تشعُر فِي الحقيقة بمودَّة الوالدينِ لكَ،
[ ٣٥٠ ]
وبِمَنْزِلَتِكَ عندهم حَتَّى يَكُونَ لكَ أولادٌ، ولا تَشْعُر بقيمة البِرّ حَتَّى يَكُون لكَ أولاد يَعُقُّونَك، حينَئذٍ تَشْعُر.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: قوله تَعَالَى: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ هل معنى ذلك أَنَّهُ الآنَ بدأ يشكُر؟
لا، لَيْسَ معناه الآن بدأ يَشكُرُ، معناه الآنَ بدأ يَصْحُو.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: هَذِهِ الآيةُ قِيلَ: إنها نزلتْ فِي أبي بكرٍ؟
قُلْنَا: لا، والعِبرة بعُمُومِ اللفظِ، لا بِخُصُوصِ السَبَبِ، حَتَّى لو نزلتْ فِي أيِّ إنْسَانٍ؛ لأن صحوةَ الْإِنْسَانِ حقيقة بعدَما يَكْبَر ويُولَد له أولادٌ، فيعرف قَدْر الوالدينِ، وإلا قبلُ فَهُوَ طائشٌ، ويؤاخَذ عَلَى ذلكَ؛ لأن التكليفَ فِي سنِّ خَمْسَةَ عَشَرَ عامًا.
لَوْ قَالَ قَائِلٌ: قولُ ابن عباسٍ -﵁-: إنَّ العقلَ يَكْمُلُ عندَ خمسٍ وعشرينَ وسبعٍ وعشرينَ، أَلَا يَتَعَارَضُ معَ الآيةِ؟
الجواب: لا أعرِفُ عنِ ابنِ عبَّاس هَذَا القَوْل، إِنَّمَا الآياتُ تَدُلُّ عَلَى أنَّ الكمالَ بالأربعينَ، ويدلُّ عَلَى هَذَا أنَّ اللَّهَ ما بَعَثَ نبيًّا إِلَّا بعدَ سِنِّ الأربعينَ، فالرَّسول -ﷺ- لمَّا تمَّ له أربعونَ بُعث، وَهِيَ فِي الحقيقةِ استكمال العقل والقوى، فبعد الأربعينَ بعشر سنوات وَمَا أَشْبَهَ ذلك يَضْعُفُ.
* * *
[ ٣٥١ ]