* * *
* قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: ١٣].
* * *
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ بِلِقَائِهِ ﴿وَلَا تَحْزَنَ﴾ حِينَئِذِ ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ بِرَدِّهِ إِلَيْهَا ﴿حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ﴾ أَي النَّاسُ ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ بِهَذَا الْوَعْدِ، وَلَا بأَنَّ هَذِهِ أُخْتُهُ، وَهَذهِ أُمُّهُ، فَمَكَثَ عِنْدهَا إِلَى أَنْ فَطَمَتْهُ، وَأَجْرَى عَلَيْهَا أُجْرَتهَا لِكُلِّ يَوْمٍ دِينَارٌ، وَأَخَذَتْهَا لِأَنَّهَا مَالُ حَرْبِيٍّ، فَأَتَتْ بِهِ فِرْعَوْنَ، فَتَرَبَّى عِنْدَهُ، كَمَا قَالَ تعالى حِكَايَةَ عَنْهُ فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٨].
ما حكاه المُفَسِّر ﵀ مِنْ أَنَّ الأُم ذهبت إلَيْهِم، وأنها ألقَمته الثدي، وأنها اتُّهمت به، ودافعت بأنها طَيِّبة الريح، أو طَيِّبة اللبَن، لَيْسَ بِصَحِيحٍ.
وَمِثْلُ هَذهِ الْأُمُورِ لَا يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ لها أسبابٌ حِسِّية معلومة؛ لِأَنَّهَا مِن خَوارق العاداتِ، وخوارقُ العادات لَا تَحْتَاجُ أن نُوَجِّهَ لها أشياء تناسب العادات، بَلْ هِيَ فوق العادة.
فَعَلَى هَذَا نقول: المسألة سائرة عَلَى حَسَبِ مَا جَاءَ فِي الْقُرانِ الكريم، فإنَّ الأُم لَمْ تَأْتِ إلَيْهِم، كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ ﷿ فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ﴾، أي: رَدَدْنَا
[ ٥٦ ]
مُوسَى إِلَى أُمِّهِ ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ بلقائه، ﴿تَقَرَّ﴾ سَبق أَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ إِمَّا مِنَ القَرِّ، وهو البُرودة، وإِمَّا مِنَ القَرار والسُّكون، ولعله يشمل المَعْنيَيْن.
و﴿كَيْ﴾ هنا حرف تعليل، وهي مصدريَّة تَنصب الفعل المضارع؛ ولهذا ﴿تَقَرَّ﴾ منصوبَةٌ، وعلامَةُ نصبِه فتحةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى الراء.
قوله تعالى: ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ بلقائه، ﴿وَلَا تَحْزَنَ﴾ حينئذٍ، يعني: لَا تَحْزَن عَلَى مَا مَضى، بل يزول عنها الحُزن، تَقَرُّ العين، ويزول عنها الحُزن، ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ بردِّه إليها ﴿حَقٌّ﴾، وهذه أيضًا ثلاث فوائد:
الْأُولى: ﴿تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾، الثَّانية: ﴿وَلَا تَحْزَنَ﴾، والثالثة: ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾.
أمَّا الأُولَيان فظاهِر أنها تَقَرُّ عينُها برجوعه، وَأَنَّهَا لَا تَحْزَنُ، بل يزول عنها الحُزن، لَكِنْ قَوْلُهُ: ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ هَذِهِ الْعِلَّةُ سَبقت؛ لأنَّها مُنذ أن ألقَتْه فِي الْيَمِّ قَدْ عَلِمْت أنَّ ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾، ولولا عِلمها ويَقِينُها بأن ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ ما ألقَتْه، فيكون هنا المرادُ بالعِلم عينَ اليَقِين، أَوْ حَقَّ اليَقِين إِنْ شِئْتَ.
فعِلمُها بِالْأوَّلِ عِلْمٌ عَنِ الشَّيْءِ خَبَرًا، وعِلمُها الثَّاني عِلم عَنِ الشَّيْءِ وُقوعًا، وَفَرْقٌ بَيْنَ عِلم الْإِنْسَانِ بالشَّيْء خبرًا، وبَين عِلمه به وقوعًا، وَلهَذَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ -ﷺ-: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبيّ -ﷺ- أَنَّهُ قَالَ: "لَيْسَ الخَبَرُ كَالمُعَاينهِ" (^١).
_________________
(١) أخرجه أحمد (١/ ٢١٥، رقم ١٨٤٢)، والحاكم (٢/ ٣٥١، رقم ٣٢٥٠) وقال: صحيح على شرط الشيخين. والطبراني في الأوسط (١/ ١٢، رقم ٢٥)، والضياء (١٠/ ٨٢، رقم ٧٦)، وابن حبان (١٤/ ٩٦، رقم ٦٢١٣).
[ ٥٧ ]
وقَوْلَهُ: ﴿وَلِتَعْلَمَ﴾ يعني: عِلم الشَّيْءِ بَعْدَ وقوعه، وأمَّا عِلْمُهَا بِهِ خَبَرًا فَقَدْ تَقَدَّمَ، وَلَوْلَا أَنَّهَا واثقة فِي الْأَوَّلِ مَا فَعَلَتْ.
وَقَوْلُهُ: ﴿أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾، ذَكَرُوا أَنَّ الْوَعْدَ هو الوعدُ بما يَسُرُّ، والوعيد بما يُحْزِن، يعني: الوَعد بالخير، والوعيد بالشَّرِّ، وأنَّ الشَّرَّ مِن (أَوْعَد)، والخير مِن (وَعَد)، فقالوا: أَوْعَدَهُ أي: بالشر، ووَعَدَهُ بالخير.
﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ﴾ قُرَّةُ عَينه ينسى الحُزن والسأم، أي نَفْي الحزن هنا لِأَجْلِ أَنْ يُبَيِّن أنَّ القَرَّ كامل؛ لِأنَّهُ قَدْ تَقَرَّ عينُها مع شيء مِنَ الحُزْنِ.
والوعِيدُ حقٌّ، والوَعد حقٌّ، ولو قلنا: إِنَّ الوعيد ليس بحق. لَزِمَ أن يَكُونَ فِي خبر اللَّه كَذِبٌ، وهذا غير ممكن، لكن الوعيدُ قد لا يُنَّفذ؛ تفضلًا مِنَ اللَّهِ ﷿؛ لأنَّه حقُّه، الوعيد حقُّ اللَّه، واللَّه ﵎ قد يتجاوز عنه، أما الوعد فإنه حقٌّ للموعود، وَلِهَذَا لَا يمكن أن يتخلف، قال الشاعر (^١):
وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ لَمُخْلِفٌ إِيعَادِي وَمُنْجِزٌ مَوْعِدِي
لأن الوعد حقٌّ للموعود، والوعيد حقٌّ للواعد أو للمُوعد.
وأضرب لذلك مثلًا: إذا قلتُ لهذا الرَّجل: إِنْ فَعَلْتَ كَذَا أعطيتُك مائة دينار. فهذا وعدٌ؛ لأنَّه في الخير، فهذا فَعَل ما قُلتُ، يجب عليَّ أنْ أوفيه؛ لأن الحق له، لكن لو قلتُ لولدي مثلًا: إنْ فعلتَ كذا حَبَسْتُك. ثم فَعَلَه، ولكني عفوتُ عنه، فهذا جائز، ويكون فضلًا، لَا سِيَّمَا إِذَا عَفَا عَنْهُ مع القُدرة، قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٤٩].
_________________
(١) البيت لعامر بن الطفيل، كما في لسان العرب: ختأ، وتاج العروس: ختأ، وبلا نسبة في إنباه الرواة (٤/ ١٣٩)، ومراتب النحويين (ص ٣٨).
[ ٥٨ ]
والحاصِلُ: أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ ووعِيدَه كلاهما حقٌّ، لكن وعده لما كان حقًّا للموعود صار لَا بُدَّ مِنْهُ لوقوعه، ووعيدُه لمَّا كَانَ حقًّا له إِنْ شَاءَ عَفَا عنه؛ تكرُّمًا وتفضلًا، حسب ما تقتضيه حِكمته ﷾.
وَلَكِنْ فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾ [الأعراف: ٤٤]، هذا وعيدٌ أُطلق على الوعد؛ إما لِأنَّهُ فِي المقابلة مع قولهم بهذا صار مُشاكلًا له، أو أَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ أحيانًا.
قال تعالى: ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾: ﴿حَقٌّ﴾ هنا بمعنى: ثابت، وقد قُلْنَا: إِنَّ الْحَقَّ إِذَا تعلَّق بالأخبار، فمعناه الصِّدق، وفي الأحكام معناه العَدْل، وَعَلَى هَذَا فيكون هُنَا بِمَعْنَى: الصدق.
﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أي: صِدْق، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يتخلف؛ لأن تخلُّف الوعد إما أَنْ يَكُونَ عَنْ كذبِ الواعد، أَوْ عَنْ عَجْزِه عن تنفيذه، وكِلا الأمرين في حَقّ اللَّهِ مستحيلٌ، فلا كَذِبَ فِي قَوْلِهِ، ولا عجزَ في فِعله؛ ولهذا فإن عِباد اللَّهِ ﷾ يختمون الدُّعاء بقولهم: (إنك لا تخلف الميعاد).
قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ﴾ أي: النَّاس لا يعلمون بهذا الوعد، ولا بأن هَذِهِ أخته.
والمُفَسِّر ﵀ خَصَّص الآية، والحقيقة أن الآية عامة: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: ليس عندهم عِلم ينفعهم في وعد اللَّه، فنَفْيُ العِلم هنا إما لإثبات الجهل، أو لنفي العِلم النافع، فأَكْثَرُ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ أنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ.
وقوله تعالى: ﴿أَكْثَرَهُمْ﴾ أي: النَّاس، أقول: أَكْثَرُ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ أنَّ وَعْدَ
[ ٥٩ ]
اللَّهِ حَقٌّ؛ إما لجهلهم، وإما لعدم انتفاعهم بهذا العِلم، ونَفْيُ الشَّيْء لِنَفْي الانتفاع به ثابتٌ فِي الْقُرْآنِ: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢١].
ودائمًا ينفي اللَّهُ ﷾ العَقل، أو السمع عن النَّاس، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ لعدم انتفاعهم بذلك، فأكثرُ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ.
والمُفَسِّر ﵀ خصَّ هَذِهِ بقصة موسى، والآيةُ عامَّة، فأَكْثَرُ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ.
أقول: إما للجهل بذلك، لكونهم لا يعرفون مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ وصفاته ما هو اللائق به، وإما لكونهم لا ينتفعون بهذا العِلم.
فالذين لا يحرصون على فعل الخير، أو على تجنُّب الشر فِي الْحَقِيقَةِ هُم كالجَاهِلين بأن وَعْدَ اللَّهِ حَقُّ؛ إِذْ إِنَّ الطبيعة البشرية والعقل يقتضيان أنك ما دُمْتَ مؤمنًا بهذا الشَّيْء، سَوَاءٌ كَانَ وعدًا، أو وعيدًا، فَلَا بُدَّ أَنْ تسعى له بمقتضى إيمانك، وإذا كنتَ تعلم أَنَّ الْإِنْسَانَ سيموت، وأن المؤمن إذا مات سيجد الخير، ويكون في الجنة، وينجو مِن النار، هذا حق، لكن الذي لا يسعى إلى الجنة، ولا يسعى إِلَى هَذَا الخير، ويَنْهَمِكُ بسَعْيِه للدنيا الفانية، هذا فِي الْحَقِيقَةِ ليس عالمًا بأن وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ، أو منتفعًا بِعِلْمِه، فلو انتفَعَ به ما فوَّت هَذِهِ الفُرصة العظيمة، فالإِنْسَان يعرف أن المعصية سبب لدخول النار، ويعرف أنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ، لكن مع ذلك يتجرأ على المعاصي.
نقول: إنَّ عِلمه هنا ناقص؛ إذ لَوْ آمَنُ بذلك حقًّا لتجنَّب هذا الشَّيْء، فصَدَقَ معنا قَوْلُهُ تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
حَلَّ المُفَسِّر ﵀ هَذَا الْآيَةَ فقال: [لَا يَعْلَمُونَ بِهَذَا الوَعْدِ]. يعني: بما وَعَدَ اللَّهُ أُمَّهُ مِن رَدِّه إليها، وَلَا بِأَنَّ هَذه أُختُه.
[ ٦٠ ]
وعلى هذا، فيقول: الضَّمِيرُ فِي ﴿أَكْثَرَهُمْ﴾ يَعُودُ عَلَى آلِ فِرْعَوْنَ، وهذه فمَكَث عندها إلى أن فَطَمَتْهُ، وأُجري عليها أُجْرَتُها لكل يوم دينار.
أما [كونه بقي عندها إِلَى أَنْ فَطَمَتْه]، فهذا واضح؛ لِأنَّهُ مَا دَامَ يحتاج للرضاع فسوف يبقى عندها.
وأما [أُجْرِيَ عليها أُجرَتُها] فهذا أيضًا صحيح؛ فإنه جُعل لها أجرة، وصاروا يرسلون إليها بالهدايا والتحف ويكرمونها؛ لأنَّها كافلةُ هذا الطِّفْلِ الَّذِي قَالُوا: إنه ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ﴾، و﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾، ولهذا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أنَّه قَالَ: "مَثَلُ الَّذِينَ يَغْزُونَ مِنْ أُمَّتِي، وَيَأْخُذُونَ الجُعْلَ يَتَقَوَّوْنَ بهِ عَلَى عَدُوِّهِمْ مِثْلُ أُمِّ مُوسَى تُرْضِعُ وَلَدَهَا وَتَأْخُذُ أَجْرَهَا" (^١).
وَهَذَا مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، يأتيها ولدُها وتُرضِعه، وتُكرَم عليه، فلو لم تُلقه فِي الْيَمِّ، ولم يلتقطه آلُ فِرْعَوْنَ، لَبِقيت خائفةً وَجِلَةً، ولا تحصل لها أُجرة، ولا إكرام، ولا إعزاز مِن هؤُلاءِ الطغاة.
وأما قوله: [لِكُلِّ يومٍ دينار] فهذا غير مُسلَّم؛ لأن طريقنا في مِثْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ أن نقول: ما ثبت عن الرَّسُول -ﷺ- فهو مقبول، وَمَا لَمْ يَثْبُتْ مِن أخبار بَنِي إِسرَائِيلَ؛ فإننا نتوقف فيه، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ نجزم به هذا الجزم، بل نُحدِّث به، ولكننا لا نجزم به.
يقول: [لِكُلِّ يَوْمٍ دِينَارٌ، وَأَخَذَتْهَا لِأَنَّهَا مَالُ حَرْبِيٍّ]، سبحان اللَّه العظيم! ذهب وَهْم بَعْضِ الْعُلَمَاءِ مَذهبًا غريبًا، هل أخذتها؛ لأنَّها مالُ حربيٍّ، أم أخذتها لأنَّها أجرة على إرضاعها؟ بَلْ هِيَ أُجْرَةٌ، فهذا هو الأمر الطبيعي، أما كونُها تأخذ الأجرة؛
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٢٢٨، رقم ١٩٥٣٢)، وسعيد بن منصور (٢/ ١٧٤، رقم ٢٣٦١)، أبو داود في المراسيل (١/ ٢٤٧، رقم ٣٣٢)، والبيهقي (٩/ ٢٧، رقم ١٧٦١٨).
[ ٦١ ]
لأنَّها مالُ حربيٍّ، فَهَذَا لَا وجه له، فلا يقال مثلًا: إنَّ أُمَّ مُوسَى لما لم يَقبل ثديَ غيرها كان إرضاعُها إياه فرضًا عليها، والفرضُ لَا يَجُوزُ أَخْذُ العِوَض عليه، ففسَّر أخذ المال هنا عَلَى أنَّهُ مالُ حربيٍّ.
نقول: حتى مال الحربيِّ إذا جاء بصيغة عَقْدٍ، فلَا يَجُوزُ أَخْذُهُ، إنما تأخذه بمقتضى العقد، والمُعاقَدَة بينك وبين الحَرْبِيِّين مِثل الاستِئمان، بَلْ هِيَ استئمانٌ في الواقع.
فالصَّواب أنها أخذتها؛ لأنَّها أُجِرَت عليه على كفالته وإرضاعه؛ لِأنَّهُ لَوْ لم تأخذ لكان فِي ذَلِكَ بلاء، ولَعَلِم أنها قريبة له أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فهي أخذته؛ لأنَّهم يعتقدون أَنَّهَا لَيْسَتْ أُمَّه، ويعتقدون أَنَّ هَذَا الطفل سوف يكون لهم، وذلك جائز باطنًا؛ لأجل كفالتها بالنِّسبة لهم.
يقول المُفَسِّرُ ﵀: [فَأَتَتْ بِهِ فِرْعَوْنَ، فَتَرَبَّى عِنْدَهُ، كَمَا قَالَ تعالى حِكَايَةً عَنْهُ فِي سُورة الشُّعَرَاءِ: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٨]]، تربَّى عند فِرْعَون في بيت المَلِك، وكان يركب كما يركب الملوك، ويلبس لِباس الملوك، فبدلًا مِن أنَّهُ لَوْ كَانَ عند أُمِّه ما حصل له هذا الشَّيْء بلا شك، أمَّا الآن فأصبح مُعَزَّزًا مُكَرَّمًا، وَذَلِكَ مِنْ تسخير اللَّهِ ﷾ له.
وقد ظل موسى يتردد على أُمِّه بَعْدَ الفِطام وبعد أن كَبِرَ، فهي أُمُّه مِن الرضاعة.
ومن المظنون عقلًا أنها أخبرته بالحقيقة بعدما كَبِرَ، فعَرَف وكتم الخبر عن آلِ فِرْعَوْنَ.
فائدة: لا يُعرف تحديدًا مَن أسماه باسمه هذا، هل هِيَ أُمُّهُ أَمْ آلُ فِرْعَوْنَ،
[ ٦٢ ]
ولكن الاسم عِبري، وَقَدْ يَكُونُ اسمه الَّذِي كَانَ عِنْدَ فِرْعَون هو اسمه الذي سَمَّتْه به أُمُّه إكرامًا له مِنَ اللَّهِ ﷾، فقد قَالَ تعالى: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٨]، فبقي الرجل عند المَلِك مُكَرَّمًا مُعَظَّمًا مُعَزَّزًا.
* * *
[ ٦٣ ]