* * *
* قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [القصص: ١٤].
* * *
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ وَهُوَ ثَلَاثُونَ سَنَةً أَوْ وَثَلَاثٌ ﴿وَاسْتَوَى﴾ أَيْ بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا﴾ حِكْمَةً ﴿وَعِلْمًا﴾ فِقْهًا فِي الدِّينِ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ نَبِيًّا ﴿وَكَذَلِكَ﴾ كَمَا جَزَيْنَاهُ ﴿نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ لِأَنْفُسِهِمْ].
الأشُدُّ قيل: إنه ثلاث وثلاثون سَنة، وقيل: ثلاثون سَنة، وقيل: قريبًا مِن أربعين، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ يقول: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [الأحقاف: ١٥]، فدل هَذَا عَلَى أَنَّ بلوغ الأشُدِّ غيرُ الأربعين؛ لِأنَّهُ قَالَ: ﴿بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ عَلَى أَنَّهُ يَحْتَمِلُ انَّ بُلُوغَ الْأَشُدِّ معناه كمالُ العقل، ولا يُنافي أن يكون كَمَالُ الْعَقْلِ عند تمام الأربعين.
قوله تعالى: ﴿وَاسْتَوَى﴾ أي: بمعنى: كَمَل، والاستواء فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ بمعنى: الكمال، ومنه قولهم: استوت الثمرة، أي: كَمَلَت، وهو فِي كُلِّ مَوْضِعٍ بِحَسَبه، ولكنه إذا عُدِّي بـ (إلى) فهو بمعنى: القَصْد، وإذا عُدِّي بـ (على) فهو بمعنى: العُلُوِّ والاستقرار؛ لأن ذلك هو الكمال.
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا﴾ حِكمةً، ﴿وَعِلْمًا﴾ فِقْهًا في الدِّين قَبل
[ ٦٤ ]
أن يُبعث نَبِيًّا].
﴿آتَيْنَاهُ﴾ بمعنى: أعطيناه، وهذا الإيتاء كونيٌّ، والإتيان يكون كونيًّا، ويكون شرعيًّا، وَإِنْ كَانَ مُتَعَلِّقًا بالقضاء والقَدَر، فهو كونيٌّ، وإنْ كَانَ مُتَعَلِّقًا بالشرع فهو شرعيٌّ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ [التوبة: ٥٩]، هذا الإتيان شرعي؛ لأنَّه يتعلق بالشرع والقصد، وهنا ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ كوني؛ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ.
أما قَوْلُهُ ﵎: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣]، فكلمة ﴿وَآتُوهُمْ﴾ شرعيٌّ، و﴿الَّذِي آتَاكُمْ﴾ قَدَرًا، فهو قَدَّره لكم، فالإتيان إذن يكون شرعيًّا، ويكون كونيًّا بحسب متعلَّقِه.
وقول المُفَسِّر ﵀: ﴿حُكْمًا﴾ فَسَّره بحِكمة، يقال: عِلمًا أي: فِقهًا.
وَقَدْ فَسَّرَ الحكم بالحكمة؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ هُوَ عِلْمُ الأحكام، فإذا فَسَّرنا الحُكْمَ بِأنَّهُ الحُكْمُ الَّذِي هو مقتضى خطابٍ بالشرع، صَارَ فِيهِ نَوْعٌ مِنَ التَّكْرَارِ؛ لِأنَّهُ عَلِمَ، ولكنه يجُوزُ أَنْ نَقُولَ: آتَيْنَاهُ حُكْمًا، أي: عِلمًا بالأحكام الشرعية، وعِلمًا بالأخبار والأسرار، وحينئذٍ مَا يَكُونُ فِي الآيَةِ تكرار، ولا نلجأ إلى تفسير الحُكم بالحِكْمَة؛ لأن المَعْرُوفَ أَنَّ الحكْمَ غَيْرُ الحِكمة، فالحُكم هُوَ مُقْتَضَى خطاب الشرع المتعلِّق بِأَفْعَالِ المُكَلَّفِينَ، والحِكمة هي علة ذَلِكَ الحُكْمِ.
﴿وَلَمَّا بَلَغَ﴾: (لمَّا) هنا شرطية، بِدَلِيلِ أنَّهُ جَاءَ لَهَا فِعْلٌ وجواب، ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ﴾، فهي إذن شرطية، وَهِيَ تَرِدُ فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ شَرطية كما هنا، وتَرِد بمعنى: (إلا)، مِثْلَ قَوْلِهِ ﵎: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: ٤]، أي:
[ ٦٥ ]
إِلَّا عَلَيْهَا حافظ، وتَرِد ظَرْفًا، مثل: جئتك لمَّا عرفتُ أنك مستيقظ، أي: حينَ عرفتُ، والذي يُعَيِّن هَذِهِ المَعَانِيَ هو السياق.
قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾، قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَكَذَلِكَ﴾ كما جزيناه، ﴿نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ لأنفسهم].
قوله: [كما جزيناه] يُفيدُ أَنَّ الإشارة هنا إِلَى هَذَا الإعطاء الَّذِي أَعْطَاهُ اللَّهُ، يعني: ومثلَ ذلك، والكاف هنا -وهي كَثِيرَةٌ فِي الْقُرْآنِ- مفعولٌ مُطْلَق، بمعنى: مِثل، أي: مِثْلُ ذَلِكَ الجزاء ﴿نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ إِذَا كَانَتْ مفعولًا، مطلقًا، بمعنى: مثل، فهي اسم، قَالَ ابْنُ مالك (^١):
شَبِّهْ بِكَافٍ وَبِهَا التَّعْلِيلُ قَدْ يُعْنَى وَزَائِدًا لِتَوْكيدٍ وَرَدْ
وَاسْتُعْمِلَ اسمًا وَكَذَا عَنْ وَعَلَى مِنْ أَجْلِ ذَا عَلَيْهِمَا مَنْ دَخَلَا
فالكاف تَأْتِي بِمَعْنَى: مِثل، وتُعرب عَلَى أَنَّهَا اسمٌ لا حَرْفُ جَرٍّ.
وقوله تعالى: ﴿نَجْزِي﴾ أي: نكافئ، وقوله: ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ يقول لأنفسهم، ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ في الواقع يَشمل الْإِحْسَانَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ، وَالْإِحْسَانُ إِلَى عِبَادِ اللَّهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا أَنَّ جِبْرِيلَ قَالَ لِلنَّبِيِّ -ﷺ-: "أَخْبِرْنِي عَنِ الْإحْسَانِ؟ فقال: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّك تَراهُ؛ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ" (^٢).
_________________
(١) ألفية ابن مالك (ص ٣٥).
(٢) أخرجه البخاري: كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل النبي -ﷺ- عن الإيمان والإسلام والإحسان، وعلم الساعة، رقم (٥٠)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان، رقم (٩).
[ ٦٦ ]
فهذا إِحْسَانٌ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ، وقوله -ﷺ-: "أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ" هَذهِ عِبَادَةُ الطَّلب، وقوله: "فَإِنْ لَمْ تَكُنْ ترَاهُ؛ فَإِنَّهُ يَرَاكَ"، هَذهِ عِبادة الهَرَب والخوف، وَلَا شَكَّ أَنَّ العابد بِالمَعْنَى الْأَوَّلِ أكملُ مِن العابد بالمعنى الثَّاني؛ لأن العابد الأول مَرتبتُه عُليا، يَعْبُدُ اللَّهَ كأنه يراه، فهو يَقْصِدُ اللَّهَ، وله شوق كَبِيرٌ إِلَى رَبِّهِ ﷾.
أما الثَّانِي، فَإِنَّهُ يَعْبُدُ اللَّهَ كأن اللَّهَ يَرَاهُ، فهو خائفٌ مِنْ رَبِّهِ، فعبادتُه هِيَ عِبَادَةُ الهَرَب، والأول عبادةُ طَلَب.
ولكن الإِحْسَان بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْخَلْقِ إِذَا فسرناه بأنه إرادةُ الخير فقط لَا يَكْفِي، يقال: إنه بَذْلُ النَّدى، وَكَفُّ الْأَذَى، وهذا هو الْإِحْسَانُ إِلَى النَّاسِ، والندى بمعنى: العطاء، وَكَفُّ الْأَذَى واضح، فالإِحْسَان إذن له شِقَّان: بَذْلُ الندى، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِالمَالِ، أَوْ بالجاه، أو بالبَدَن، وَكَفُّ الْأَذَى القولي والفعلي، وقد يتخلف أحدُهما ويكون الإِنْسَان محُسنًا مِنْ وَجهٍ، غيرَ محسنٍ مِنْ وَجْهٍ، ويكون مسيئًا إذا تخلف كفُّ الأذى.
وَمنْ هَذَا التَّعْرِيفِ لَا يَدْخُلُ الْعِلْمُ فِي الندى، نحن قلنا: إِنَّ الإِحْسَان يشمل المَالَ وَالْبَدَنَ والجاهَ، وتعليمُ الْعِلْمِ مِن الإِحْسَان البَدني، وكذلك النصيحة.
على كُلِّ حَالٍ: الإِحْسَان هُوَ عِبَارَةٌ عَن: بَذْل الندى، وَكَفِّ الْأَذَى.
وَأَنا أَرَى أَنَّ هَذِهِ الْعِبَارَةَ هِيَ أَحْسَنُ مَا قِيلَ، فَأَنْتَ لَا تؤذي النَّاس فتكون مسيئًا، ولا تَحْرِمُهم خيرَك، فَلَا يَكُونُ فيك إحسانٌ، فليس هناك إحسان إِذَا لَمْ تبذل الندى.
قوله: ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ الإِحْسَان هنا يَكُونُ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ، وَإِلَى عِبَادِ اللَّهِ.
[ ٦٧ ]
فأما الْإِحْسَانُ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ، فَقَدْ فَسَّرَها النَّبيّ -ﷺ- بقوله: "أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كأَنَّك تَرَاهُ؛ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ".
وأما الْإِحْسَانُ إِلَى عِبَادِ اللَّهِ، فهو بَذْلُ الندى، وَكَفُّ الْأَذَى.
* * *
[ ٦٨ ]