* * *
* قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [القصص: ٢٠].
* * *
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَجَاءَ رَجُلٌ﴾ هُوَ مُؤْمِنُ آل فِرْعَوْنَ ﴿مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾ آخِرُهَا ﴿يَسْعَى﴾ يُسْرعُ فِي مَشْيِهِ مِنْ طَرِيقٍ أَقْرَبَ مِنْ طَرِيقهمْ ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ﴾ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ ﴿يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ يَتَشَاوَرُونَ فِيكَ ﴿لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ﴾ مِنَ المَدِينَةِ ﴿إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ فِي الْأَمْرِ بِالْخُرُوجِ].
عَلِمْنَا أَنَ هُنَاكَ مَنْ أَخْبَرَ آلَ فِرْعَوْنَ بأن مُوسَى هُوَ مَنْ قتَلَ القِبطي، فإما أنهم أرسلوا مَنْ يرِيدُ قتل موسى، أَوْ لم يُرسلوا، ولكنهم تشاوروا فِي أَمْرِهِ، كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ مِنْ كَلَامِ مَنْ جَاءَ يُحذِّره.
قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ﴾ قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [هو مُؤمن آلِ فِرْعَوْنَ]، وَهَذَا التَّأْوِيلُ الَّذِي قَالَهُ لا يُجزَم به؛ لِأَنَّ اللَّهَ تعالى كره، وَلَمْ يَقُلْ: إنه مؤمن. بينما قَالَ عَنْهُ فِي قِصَّةِ مؤمن آلِ فِرْعَوْنَ: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [غافر: ٢٨]، وَلَكِنْ مَا يَعنينا في قصتنا هَذِهِ أَنَ هَذَا الرَّجُلَ -وَلَا شَكَّ- عنده عَطْفٌ عَلَى مُوسَى، وَرَحمَةٌ بِهِ، وَلِهَذَا جَاءَ يُخبره.
فائدة: يَقُوُل اللَّهُ تعالى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾، ويقول فِي سُورةِ يَس فِي
[ ٨٧ ]
قِصَّةٍ أخرى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس: ٢٠]، فِي الْأُولَى قَدَّم ﴿رَجُلُ﴾ على ﴿أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾، وفي الثَّانية أَخَّرها، والحِكمة مِنْ ذَلِكَ أَنَّ قِصَّةَ سُورَةِ الْقَصَصِ فِيهَا اهتمامٌ بِالْخَبرِ الَّذِي جَاءَ بِهِ ذَلِكَ الرَّجُلُ، فقدَّم ذِكْرَهُ عَلَى ذِكْرِ المكان، فكونه جَاءَ مِنَ الأقصى، أَوْ مِنَ الْأَدْنَى لَا يُؤَثِّرُ، أَمَّا فِي قِصَّةِ الرُّسل الثَّلَاثَةِ فِي سُورَةِ يَس، ففيها اهتمامٌ بكَوْن هَذَا الرَّجُلِ بَعيدًا عن الرُّسل، وَمَا جَاءَ إِلَّا ليؤكد صِحَّةَ مَا جاءوا بِهِ قَبْلَهُ.
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀ فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾ آخِرُها، يعني: أَبْعَدُها مِنْ مَكَان موسى. وقال: في ﴿يَسْعَى﴾: [يُسرع في مشيه مِنْ طَرِيقٍ أَقْرَبَ مِنْ طريقهم]، وتقدَّم أَنَّ هَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الذَّبَّاحين خرجوا ليذبحوا موسى، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ بِلَازِمٍ.
وقوله: ﴿يَسْعَى﴾ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ صِفة، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ حالًا، صِفة لِأَنَّ قَوْله ﴿رَجُلٌ﴾ نكرة، وحالٌ لِأَنَّ هَذِهِ النكرةَ وُصِفت بقوله: ﴿مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾.
ومعنى ﴿يَسْعَى﴾: أي يُسرع فِي المَشْي، كَمَا قَالَ المُفَسِّرُ ﵀، وَقَدْ يَكُونُ هَذَا الإسراع -كَمَا زَعَمَ- حَتَّى يسبق مَنْ أُرْسِلَ إِلَى مُوسَى ليقتُلَه، وَقَدْ يَكُونُ خَوْفًا مِن تنفيذ ما ائتَمَروا عَلَيْهِ فِي شَأْنِهِ، والأخير هُوَ الْأَفْضَلُ.
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀ فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ﴾: [مِن قَوْمِ فِرْعَونَ، ﴿يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ يتشاورون فيك].
قَوْلُهُ تعالى: ﴿قَالَ يَامُوسَى﴾ نداؤه بهذا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ كَانَتْ لَهُ مَعْرِفَةٌ بموسى، ولهذا ناداه باسمه، وَلَكِنْ فِي قِصَّةِ مؤمن آلِ فِرْعَوْنَ فِي سُورَةِ غافر قَالَ ﷾: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا﴾ [غافر: ٢٨]، وهنا نجد أَنَّهُ مَا قَالَ: أتقتلون موسى؟ لأن المقام يَقْتَضِي أَلَّا يُبَيِّنَ أَنَّ لَهُ
[ ٨٨ ]
اتصالًا به ومعرفةً، فلَوْ قَالَ: أتقتلون موسى؟ لقالوا: هَذَا الرَّجُلُ يعرف موسى. ولَأَخَذُوه، وَلَكِنَّهُ قَالَ: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا﴾، كَأَنَّهُ لَا يَعْرِفُهُ، ولكن يَعْرِفُ مَا جَاءَ بِهِ مِنَ الدعوة الصحيحة السليمة.
أما هنا فَإِنَّ الرَّجُلَ يعرف موسى؛ وَلِهَذَا ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾، وأكَّد له الخبر بقوله ﴿إِنَّ الْمَلَأَ﴾، مَعَ أَنَّ مُوسَى كَانَ خاليَ الذهن مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ مُهِمُّ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا سَبَقَ أَنَّ الْأَسْبَابَ الَّتِي تَقْتَضِي تأكيد الجملة الخبرية لَيْسَتْ هِيَ حَالَ المخاطَب فقط، ولكن حال المُخْبَرِ عَنْهُ أَيْضًا، إِذَا كَانَ مُهمًّا فإنه يُؤكَّدُ.
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀ فِي قَوْلِهِ ﷾: [﴿فَاخْرُجْ﴾ مِنَ المَدِينَةِ، ﴿إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ فِي الْأَمْرِ بِالْخُرُوجِ]. وَهُوَ لَهُ مِنَ الناصحين، لَيْسَ فِي الْأَمْرِ بِالْخُرُوجِ فقط، وَلَكِنْ فِي مَجِيئهِ إِلَيْهِ أَيْضًا، وإخباره بذلك.
وَأَمَّا الَّذِينَ يأتمرون بشأنه، فليس عَامَّةَ النَّاسِ، بَلْ هُمُ الملأ، والكُبراء الذين يُنَفِّذُون ما ائتمروا به؛ لِأنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ عَامَّةِ النَّاسِ الذين يَتَشَاوَرُونَ فِي هَذَا، مَا كَانَتْ لَهُ أهمية.
* * *
[ ٨٩ ]