* * *
* قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [القصص: ٢٩].
* * *
قال المُفَسِّرُ ﵀: [﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ﴾ أَيْ رَعْيَهُ، وَهُوَ ثَمَانِ، أَوْ عَشْرُ سِنِينَ، وَهُوَ المَظْنُونُ ﴿وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾ زَوْجَتِهِ بِإِذْنِ أَبِيهَا نَحْوَ مِصْرَ ﴿آنَسَ﴾ أَبْصَرَ مِنْ بَعِيدٍ ﴿مِنْ جَانِبِ الطُّور﴾ اسْمُ جَبَلٍ ﴿نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾ هُنَا ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾ عَنِ الطَّرِيق، وَكَانَ قَدْ أَخَطَأَهَا ﴿أَوْ جَذْوَةٍ﴾ بِتَثْلِيثِ الجيمِ قِطْعَةٌ وَشُعْلَةٌ ﴿مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ تَسْتَدْفِئُونَ، وَالطَّاءُ بَدَلٌ مِنْ تَاءِ الِافْتِعَالِ، مِنْ: صَلِيَ النَّارَ بِكَسْرِ اللَّامِ وَفَتْحِهَا].
قوله ﵎: ﴿قَضَى﴾ بمعنى: فرغ، وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢]، أي: فَرَغ منهن.
قوله تعالى: ﴿الْأَجَلَ﴾: (ال) هَذِهِ للعهد، يعني: الْأَجَلَ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ صاحب مَدْيَنَ، وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ بينهما أَجَلَيْن: أَجَلًا واجبًا، وهو ثماني سنوات، وأَجَلًا تَبَرُّعًا مِنْ مُوسَى، وهو عَشْرُ سنوات، ولا ندري أَيَّ الْأَجَلَيْنِ قَدْ قَضَى، يقول المُفَسِّرُ ﵀: [فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ، وَهُوَ ثَمَانِي أَوْ عَشْرَ سِنِينَ، وَهُوَ المَظْنُونُ بِهِ]، الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ:
[ ١٣٣ ]
[وَهُوَ المَظْنُونُ بِهِ] يَعُودُ عَلَى الْعَشْرِ، يعني: الَّذِي يُظَنُّ بموسى أَنَّهُ أتَمَّ عَشْرًا.
وَلَكِنَّ الآيَةَ مُحُتَمِلَةٌ، فترجيح العَشر بِنَاءً عَلَى المَعْلُومِ مِنْ حَالِ مُوسَى -ﷺ- مِنَ الْكَرَمِ والوفاء، وترجيح أنه ثمانٍ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ، وموسى كَانَ فِي اشتياقٍ إلى بلاده بمصر، وَقَدْ قَالَ فِيمَا سَبَقَ معتذرًا ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾، وهذه جملة قد تشير إِلَى أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى الْأَجَلِ الواجب، وَإِلَّا فَمِنَ المَعْلُومِ أَنَّهُ إِذَا قَضَى الأجَل الأول؛ فَإِنَّهُ لَا أَحَدَ يَلُومُه، أو يعتدي عليه، فلكُلٍّ منهما وجهٌ، وموقفنا نَحْنُ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنْ نُبهِمَ ما أَبْهَمَهُ اللَّهُ ﷾، فنقول: قضى الأجَلَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَيَّهما قضاه.
ولكن هناك أثَرٌ مَرْوِيٌّ عن عطاء بن السائب قَالَ لَقِيَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ رَاهِبًا فَقَالَ سَعِيدٌ: أَيَّما الأَجَلَيْنِ قَضَى مُوسَى؟ فَلَمْ يَدْرِ، فَلَقِيتُ ابن عَبَّاسٍ فَسَألتُهُ فَقَالَ: "قَضَى أَوْفَاهُمَا" (^١). وَهُوَ الْعَشْرُ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ أَكْثَرِ المُفَسِّرين.
وَلَكِنَّ هَذَا قَوْلٌ لَا يُوجَدُ مَا يُرَجِّحُه، فتفسيرُ الصحابي ليس صحيحًا مطلقًا، لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ الصحابي ممن عُرف بِالْأَخْذِ مِنَ الإسرائيليات، مِثْل ابْنِ عَبَّاسٍ -﵁-.
قوله تعالى: ﴿وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾ السير معناه: المشي، سار بأهله مِنْ عِنْدِ صاحب مَدْيَن وأهله.
_________________
(١) أخرجه سفيان الثوري في تفسيره، رقم (٧٥٤) موقوفًا على ابن عباس، وقد روي مرفوعًا من حديث جابر بن عبد اللَّه قال: سُئِلَ النَّبِيُّ -ﷺ-: أَيُّ الْأَجَلَيْنِ قَضَى مُوسَى؟ قَالَ: "أَوْفَاهُمَا". أخرجه الطبراني في الأوسط (٨/ ١٩٢، رقم ٨٣٧٢)، وقال: لم يرو هذا الحديث عن جابر إلا بهذا الإسناد، تفرد به هشام بن عمار. وكذلك من حديث عُتْبَةَ بْنِ النُّدَّرِ السُّلَمِيِّ، قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ -ﷺ- أَيُّ الْأَجَلَيْنِ قَضَى مُوسَى؟ قَالَ: "أَبَرَّهُمَا وَأَوْفَاهُمَا". أخرجه الطبراني في الكبير (١٧/ ١٣٤، رقم ٣٣٢).
[ ١٣٤ ]
وقوله: ﴿بِأَهْلِهِ﴾ يقول المُفَسِّرُ ﵀: [زَوْجَتُهُ بِإِذْنِ أَبِيهَا نَحْوَ مِصْرَ]، أَمَّا قَوْله: [زَوْجَتُهُ] فهذا صحيح؛ فَإِنَّ الزَّوْجَةَ تُسمى أهلًا، وَأَمَّا قَوْلُهُ: [بِإِذْنِ أَبِيهَا] فَهَذَا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَلَا يَحْتَاجُ الزَّوْجُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُسَافِرَ بزوجته إِلَى إِذْنِ أبيها؛ لِأَنَّهُ إِذَا تَزَوَّجَ المرأة صارت مِلكًا له، يسير بها حَيْثُ شَاءَ، اللهُمَّ إِلَّا إِذَا سار بِهَا إِلَى أَمْرٍ لَا يَجُوزُ شَرْعًا، فلها أَنْ تَمْتَنِعَ، ولأبيها أَيْضًا أَنْ يَمنعها، وإلا فالحقُّ له؛ إِذْ لَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ أَلا يُسَافِرَ بِهَا يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ، وَلَكِنْ لَوْ أَذِنتْ وأبَى أبوها، وقد شَرَطَ عليه، فلها الْحَقُّ أَنْ تسافر، لأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهَا شخصيًّا، وقد تَرَى أَنَّ مِنَ الأفضل لَهَا أَنْ تُسَافِرَ مَعَ زَوْجِهَا.
قوله تعالى: ﴿آنَسَ﴾ أي: أبصَرَ مِن بَعيد، وأَصْلُ ﴿آنَسَ﴾ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْأُنْسِ، وهو زوال الوَحْشَة، ولكنها تَأْتِي بِمَعْنَى الإبصار بالشَّيْء؛ لِأَنَّك إِذَا أبصرتَ الشَّيْء وعرفتَه زال عَنْك مَا تخشاه.
قوله تعالى: ﴿مِنْ جَانِبِ الطُّور﴾ بالضَّم: اسمُ جَبَل، وجانِبُ الشَّيْء: جِهَتُه، أي: مِنْ جِهَةِ الطُّور.
قوله تعالى: ﴿نَارًا﴾ هَذِهِ النار ليست نارًا حقيقيةً، ولكنها نُور، وتُشبه النار، لمَّا أَبْصَرَ هَذِهِ النارَ، وكان الزَّمَنُ زمَنَ شتاء، والظاهِرُ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- أَنَّ اللَّيْلَةَ كانت مُغَيَّمةً، وأن مُوسَى ﵊ عنده نَوْعٌ مِنَ الاشتباه فِي الطَّرِيقِ، كما تَدُلُّ عَلَيْهِ الْقِصَّةُ، آنسَ نارًا.
قوله تعالى: ﴿قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾ أي: هنا، قَالَ ذَلِكَ لأهله، وقد قَرَّرَ المُفَسِّرُ ﵀ قَبْلَ قليل أَنَّ المُرَادَ بأهله الزَّوجة، وهنا قال ﴿امْكُثُوا﴾ وَهُوَ خِطَابٌ لجماعة، لأن خطاب الواحدة يكون: امكُثِي، وللخروج مِنْ هَذَا الْإِشْكَالِ قَالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ:
[ ١٣٥ ]
إنه اصطحب معه خادمًا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ أيضًا: إنه وُلدَ لَهُ مِنْهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ سُلِّمت لَهُ مِنْ أَوَّلِ الْعَقْدِ، وبقيت معه ثماني، أو عَشْرَ سِنِينَ، فولَدتْ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الخطاب ﴿امْكُثُوا﴾ مطابقًا للواقع؛ لأن معه زوجةً وخادمًا وولدًا، وهؤُلاءِ جماعة، وَهَذَا لَيْسَ ببعيد؛ إذ إنه جَرَتِ الْعَادَةُ أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا سَافَرَ، لَا سِيَّمَا فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالِ، أن يصطحب مَعَهُ مَنْ يخدمه.
قوله تعالى: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ﴾: (لَعَلَّ) هنا للترجِّي؛ لأنَّه يَتَمَنَّى أَنْ يَحْصُلَ لَهُ هَذَا الْأَمْرُ، ﴿آتِيكُمْ﴾ بمعنى: أجيئكم، وَلَا تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ اسم فاعل؛ لأنَّه هنا يُرِيدُ الْفِعْلَ، وَلَا يُرِيدُ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّهُ متصفٌ بالإتيان، والدَّليل أَنَّك لَوْ حوَّلتها إلى معناها تقول: لعلي أجيئكم، فـ (أجيئكم) واضح أنها فِعل مضارع، فليست هُنَا اسْمَ فاعل.
قوله: ﴿مِنْهَا﴾ أي: مِنْ هَذِهِ النار، وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّارَ نَفْسَهَا لَا تُعْطِي خبرًا، وَلَكِنَّ المُرَادَ مِنْ عِنْدِهَا؛ لِأَنَّ النَّارَ عَادَةَ لَا تشتعل إلا وعِندها أُناس.
وقوله: ﴿بِخَبَرٍ﴾ يَقُولُ فِيهِ المُفَسِّرُ ﵀: [عَنِ الطَّرِيقِ، وَكَانَ قَدْ أَخْطَأَهُ]، وهذا ممكن، وَقَدْ يَكُونُ أَعَمَّ مِنْ قَوْلِهِ هَذَا، فيكون عَنِ الطَّرِيقِ، وعما بَقِىَ مِنَ المسافة، وعن كُلِّ شَيْءٍ، وكلمة (خَبَر) نَكِرَة تُفيد العُموم.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ﴾ يقول المُفَسِّرُ ﵀: [بِتَثْلِيثِ الجِيمِ]، أي بِفَتْحِ، أَوْ ضَمِّ، أَوْ كَسْرِ الجِيم، فَإِذَا قِيلَ: بالتثليث، أي بالحركات الثلاث، وَإِذَا قِيلَ بالمُثَلَّثَة أي بالثاء.
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀ فِي مَعْنَى الجَذْوة: [قِطْعَةٌ وَشُعْلَةٌ مِنَ النَّارِ]، أَيْ إِنَّ الجَذْوَةَ عُودٌ فِي طَرَفِهِ نارٌ مشتعلة.
[ ١٣٦ ]
وقوله تعالى: ﴿تَصْطَلُونَ﴾ تستدفئون؛ لأن الصَّلْيَ معناه: الاحتماء بالنار، فالاصْطِلَاء إذن الاحتماء بها، وهو الاسْتِدْفَاء، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا فِي بَرْدٍ.
يقول المُفَسِّرُ ﵀: [وَالطَّاءُ بَدَلٌ مِنْ تَاءِ الِافْتِعَالِ] هَذِهِ عِلَّةٌ تصريفية، فتاء الافتعال هِيَ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى فِعْلِ الشَّيْء، فالفعل (اصطلى) أصله (اصتلى)، و﴿تَصْطَلُونَ﴾ أصلها: (تصتلون)، مِثل تبتغون، ولكن القاعدة التصريفية فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّهُ إِذَا وَقَعَتْ تاء الافتعال بعد الصاد، فإنها تُقلب طاءً، وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ مِن: صَليَ النارَ -بِكَسْرِ اللَّامِ وفتحها- كرَضِيَ، وكرَمَى، ففيها لُغَتان فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، فقوله تعالى: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾ [الليل: ١٥]، مِنْ بَابِ رَضِيَ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تعالى: ﴿الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى﴾ [الأعلى: ١٢].
يَقُولُ اللَّهُ تعالى فِي سُورة أخرى: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ [طه: ١٠]، وَالْخَبَرُ أَعَمُّ مِنَ الْهُدَى، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَنْفِي هَذَا الشَّيْء، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ، وقُلنا: إِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ السماء مُغِيمة، وَإِلَّا لَكَانَ يَعرف النجوم؛ لأنَّه راعٍ، وَقَدْ بَقِيَ ثمانيَ سنواتٍ، ويعرف غالب النجوم.