* * *
* قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [القصص: ٤١].
* * *
قال المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَجَعَلْنَاهُمْ﴾ فِي الدُّنْيَا ﴿أَئِمَّةً﴾ بِتَحْقِيقِ الْهَمْزَتَيْنِ وَإِبْدَالِ الثَّانِيَةِ يَاءً: رُؤَسَاءَ فِي الشِّرْكِ ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ بِدُعَائِهِمْ إِلَى الشِّرْكِ ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾ بِدَفْعِ الْعَذَابِ عَنْهُمْ].
أَي: إِنَّ في كَلمَة ﴿أَئِمَّةً﴾ قراءتين: الأُولى الواردة بالهَمْز، والثَّانية بالياء بَدَلَ الهمز هكذا "أَيِمَّة" (^١)، والقراءتان سبعيتان.
ثمَّ قَال: [رُؤَسَاءَ فِي الشِّرْكِ]؛ لأَنَّ الإمَامَ هُوَ القائد الذي يُتبع، فَهوَ ذو أَثَر في الشِّرْكِ، وليسوا رؤساءَ في الشِّرك فقط، بل رؤساء متبوعين، فالإمامُ هو المتبوع، والمعنى: أَنَّهم كَانوا قادة إلَى الكفر وَالشّرك.
لكن المُفَسِّر ﵀ هنا يقول: [وَجَعَلْنَاهُمْ فِي الدُّنيَا أَئِمَّةً]، وَلَو أَنَّه أَخَّرَ الدُّنيا لكان أحسن.
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ في الدّنيَا؛ لأن حَقيقَة الأَمْر أَنَّ إمَامَتَهم بالكفر كَانَت في الدُّنيَا، فهُم جُعِلُوا في هَذِهِ الدُّنيَا أئمةً، يعني:
_________________
(١) شرح طيبة النشر في القراءات العشر، للنويري (١/ ٤٣٧).
[ ١٩٩ ]
متبوعين يُقْتَدَى بهم في الكفر، فَكلُّ مَن أَتَى بَعْدَهُم، وكان كُفره كُبَّارًا؛ فإنه مُقْتَدٍ بهم.
وقوله: ﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ بالقَول وَبالفعل جميعًا، فهم قَبلَ أَنْ يَهلكوا يدعون بالقَول وَبالفعل، وَبَعدَ أَن هلكوا يَدعون بالفعل؛ لأَنَّ مَن اقتدى النَّاس بفعله فَهوَ في الحقيقَة قد دَعَاهم إلَيه.
وهم هنَا لَا يدعونهم بالقول: هيا ادخلوا النار، ولكن يَدعونَ إلَى العَمَل الموَصّلَ إلَيهَا، وَهُوَ الشّرك والكفر، وبئس مَا كَانوا أئمة فيه، وهو الدعوة إلَى الكُفر باللَّه ﵎ والإشراك.
وقوله ﷾: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾: ﴿وَيَوْمَ﴾ هذا ظرفٌ متعلق بـ ﴿يُنْصَرُونَ﴾، يعني: وَهُم لَا يُنصَرونَ يَومَ القيَامَة، هُم في الدّنيَا أئمة متبوعون، لَكِن في الآخِرَة ﴿لَا يُنْصَرُونَ﴾، لَا يَستَطيعونَ أَنْ ينتصروا لأنفسهم، فَلَا يمكن أَنْ يَكونوا أَئمَّة يُقتَدَى بهم.
وقوله: ﴿لَا يُنْصَرُونَ﴾ أي: لَا يَجِدُونَ مَن ينصرهم بِدَفع العَذَاب عنهم، لَا هُم، وَلَا غَيرُهم، حتى غَيرهم لَا يمكن أَنْ يَدفَعَ عنهم العذاب.