* * *
* قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٠].
* * *
قال المُفَسِّرُ ﵀: [﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾ دُعَاءَكَ بِالْإِتْيَانِ بِكِتَابٍ ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ فِي كُفْرِهِمْ ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ أَيْ لَا أَضَلَّ مِنْهُ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ الْكَافِرِينَ].
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾ أي: فيما يجيئهم الكتاب مِن عند اللَّه هو أهدى منهما.
قوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ أي: لا أَحَدَ أَضَلُّ، وهو استفهامٌ مَنْفِيٌّ.
وهناك آيةٌ أخرى يَقُول اللَّه تعالى فيها: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٥]، فنَجْمَع بينها، وبين الآية الَّتي بَينَ أيدينا بأنَّ آية الأحقاف في مَقَام الدعاء، وآيتَنَا هَذِهِ في مَقَام الاتِّباع.
فقد تكون كل آلَهَا مَعنًى لَا يَتَعَلَّق بالثَّاني، فضلالُ الغاية باعتبار مَا هُوَ مِن جِنْسِها، هَذَا وَجْهٌ.
[ ٢٣٨ ]
وهناك وجهٌ آخَرُ، وهو أنهما في مرتبةٍ واحدة في الضلال، فقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾ لَا يَمنَع أن يوجد شيء يُساويه في ذلك، فيكون كُلٌّ مِنَ الأمرين قد بلغ الغايةَ في الضَّلَال.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، القَدَرِيَّةُ يَرَوْنَ أَنَّ الإنسَانَ يُمكن أن يهتدِيَ بنفسِه، وليس للَّه ﵎ عليه أَيُّ سُلطة؛ لأنَّهُم يقولون عن قَدَرِ اللَّه: إِنَّ الأمر أُنُف، بمعنى: أَنَّ اللَّهَ لم يُقَدِّر أفعالَ العِباد، وأنا أفعل هذا، وأترُك هذا باختياري المجرد المحض، وليس للَّه فيه أيُّ مشيئة، ولا خَلْق، وَلَا شَيءَ.
لكن قَوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ يرد عليهم، كما أنه أَيْضًا يرد على الجهمية الجبرية، الذي يقولون بالجبر، بأن اللَّه تعالى نَسَب هؤُلاءِ بِفِعْلِهم إلى الظُّلم، ولو كانوا مُجْبَرِين عليه لكانت نِسبة الظلم إلَيْهِم ظُلمًا، وَاللَّهُ ﵎ لا يَظلم أحدًا.