* * *
* قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ [القصص: ٥٣].
* * *
قال المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ الْقُرْآنُ ﴿قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ مُوَحِّدِينَ].
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا يُتْلَى﴾: (إذا) شَرطية، وجواب الشرط مُتصل بِفِعْلِه مباشرة بمعنى: أنه متى وُجد فِعل الشرطِ وُجِدَ جوابُه، فهو مِن الاتصالِ الوُقُوعِي: إذا وُجِد الشرطُ وُجِدَ المشروط.
فقولُه تعالى: ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾، لَم يَقُل: إذا تُلِيَ، وإنما جاء بالمضارع، أي: إِنَّ أَيَّ آيةٍ تُتلى عليهم يقولون: آمنا بها. فهُم لَمْ يُؤمِنوا بالقُرْآن جُملةً، بل آمنوا بالقُرْآن تفصيلًا؛ لأنَّ الفعلَ المضارع يَدُلُّ على الاستمرار، فكُلَّما تُلِيَت عليهم آيةٌ آمَنوا بها، فزادتهم إيمانًا.
﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ أي: يُقرأ عليهم، ﴿قَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾ أي مُباشَرة، بلا تَرَدُّد، أو نَظَر، أو تفكير؛ لأنَّنا قلنا: إِنَّ جَوَاب الشَّرط ﴿قَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾ يلي فِعل الشرط ﴿وَإِذَا يُتْلَى﴾ مباشرة، أي: بالذي تُلِيَ عليهم مِن القُرْآن؛ قليلًا كان، أو كثيرًا، ثم بَيَّنوا أنَّ إيمانَهم هذا عن اقتناع، وعلى أساس.
[ ٢٥١ ]
قوله تعالى: ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾: ﴿أَنَّهُ﴾ أي: ما تُلِيَ عليهم مِن القُرْآن، ﴿الْحَقُّ﴾ بمعنى: الشَّيْء الثابت الواقع، الصادق خَبَرًا، العادِلُ حُكمًا.
ونرى أَنَّهَم قَالوا: ﴿مِنْ رَبِّنَا﴾، ولم يقولوا: مِن اللَّه؛ لأن الرَّبَّ هُوَ الَّذي له التصرُّف المطلَق، فهو يتصرف بعِبَادِه شَرْعًا وقَدَرًا، فكأنهم يقولون: إنَّ رَبَّنَا لن يُخْلِيَنا مِن أَنْ يُنَزِّل القُرآن، ولهُ الحُكم والتصرف المطلَق؛ كونًا وشرعًا.
وقولهم: ﴿مِنْ رَبِّنَا﴾ هذا إشَارَة إلَى أنهم -﵃- يفتخرون بانتسابهم إلَى اللَّه ﷾.
وقوله: ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا﴾ الجُملة مِن حيثُ المعنى تَعليليَّة لمَا قَبلَهَا، يعني: آمنا به، لا لأَنَّهُ أَعْجَبَنا حُسنُه وبيانُه وبلاغتُه، ولكنَّا آمَنَّا به لأنّه ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا﴾.
فَإذَا قَالَ قَائل: إذَا كَانَتِ الجُملة تعليلية، فلماذا لا تُفتح الهمزة، فيُقال: ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا﴾، لأَنَّ الجُملة التَّعليلِيَّة على تقدير (اللام)، و(اللامُ) إذا اتصلت بـ (إِنَّ) وَجَبَ فتحُ همزتها، قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠]، وَلَم يَقُل: (إنهم إلى ربهم)؟
قلنا: الجُملة التَّعليلِيَّة قد تكون تعليليَّة مِن حيثُ المعنى فقط، وَقَد تَكون تعليلية مِن حيث اللفظِ مع المعنى؛ فإن لُوحِظ مَعَهَا اللفظُ مع المعنى، فإنها الهمزة تُفتح؛ لأنَّها عَلَى تَقدير اللام، وإِنْ لُوحظ المعنى فقط؛ فإنها تُكسَرُ الهمزة، وهنا لوحظ المعنى فقط.
ونقول: لكُلِّ مَقامٍ مَقَالٌ، فمُلاحظة المعنى فائدتُها أَنَّ الجُملة تكون مِن حيثُ اللفظُ منقطعة عما قَبْلَها، فكأنها جُملةٌ خَبَرِيَّةٌ مستقلة، وكأنها منقطعة عن اللفظ،
[ ٢٥٢ ]
لكن إفادةُ التَّعلِيل مِن السياق.
وأمَّا التَّعليلِيَّة اللفظية فَإنَّهَا تَكون مرتبطةً بما قَبْلَها، قال ابن مالك (^١):
فَاكْسِرْ فِي الِابْتِدَا وَفِي بَدْءِ صِلَهْ وَحَيْثُ إِنَّ لِيَمِين مُكْمِلَهْ
فَهَذَا هُوَ الفَرق بين الجملة التَّعليلِيَّة التي قُصِد بها اللفظ والمعنى، والتي قُصِد بها المعنى فقط.
قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ أي مِن قَبْل القُرْآن.
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [مُوَحِّدِينَ]، وَلَو أَنَّه فسَّر الإِسْلام بظاهِرِهِ لَكَان أَولى؛ لأن الإِسْلام معناه الاستسلام والانقِياد، وأصلُه مِن عَدَمِ المعارضة والمُحَارَبَة، ولهذا يُقالُ: السِّلْم والإِسْلام، معناه عدمُ المعارضة والمحاربة، فكلمة ﴿مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ أي: مُنْقَادِين مُذْعِنِين للحَقِّ.
وقولهم: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ لَيسَ المرَادُ بذلك الفَخْرَ والإعجابَ بالعَمَل قطعًا؛ لأن السياق سياقُ ثَناء، وَلَكنَّ المرَادَ بذلك الثَّناءُ عَلَى اللَّه بما كانوا عَلَيه في الحالَين: في الحالِ السَّابِقة، وفي الحال الثَّانية، في الحَال الثَّانية ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾، والحال الأُولى: كانوا ﴿مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾: مُنْقَادِين مُتَّبِعِين للرسول -ﷺ- الَّذي جَاءَ إلَيْهِم.
وقوله: ﴿مُسْلِمِينَ﴾ خَبْرُ ﴿كُنَّا﴾، ولو تَقَدَّم عليه قوله ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾؛ لأَنَّ الخَبَرَ هو ما تَحْصُلُ به الْفَائِدَة، سواءٌ تَقَدَّمَ، أو تَأَخَّرَ.
_________________
(١) ألفية ابن مالك (ص ٢١).
[ ٢٥٣ ]