* * *
* قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥].
* * *
قال المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ﴾ الشَّتْمَ وَالْأَذَى مِنَ الْكُفَّارِ ﴿أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ سَلَامُ مُتَارَكَةٍ، أَيْ سَلِمْتُمْ مِنَّا مِنَ الشَّتْمِ وَغَيْرِهِ ﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ لَا نَصْحَبُهُمْ].
قوله ﷾: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا﴾ يجب بدايةً أَنْ نَعْرِفَ الفَرقَ بَينَ (سَمِعَ)، و(اسْتَمِعَ)، فالسامِع: هُوَ الَّذي أَدرَكَ الصوتَ دُونَ قَصْد. والمستمع: هُوَ الَّذي أَدرَكَهُ بِقَصْدٍ.
ولهذا نقول: يُسَنُّ سُجود التّلَاوَة للمُستمع دُون السَّامع.
فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ﴾ دَلَّ عَلَى أَنَّ هَؤلَاء لَا يستمعون إلَى القَول، ولكن يسمعونَه، كَقَولِه تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢]، مَرُّوا به، وَمَا جلسوا عنده.
هَؤلَاء أَيْضًا ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ﴾ يقول المُفَسِّرُ ﵀: [الشَّتْمَ وَالْأَذَى مِنَ الْكُفَّارِ].
[ ٢٦٩ ]
أَيضًا هَذَا تَخصيصٌ لمَا هُوَ أَعَمُّ؛ فإنَّ اللَّغْوَ يشمل مَا قَالَهُ المُفَسِّر ﵀، ويشمل أَيْضًا كُلَّ كَلَام لَا خَيرَ فيه، سَوَاءٌ كَانَ فيه شَرٌّ أَمْ لَم يَكُن.
فهؤُلاءِ في غَايَة ما يَكونُ مِنَ الجِدِّ، وحِفظ الوقت، لا يستمعون إلَى كَلَام لَغْوٍ، وَاللَّهُ ﵎ مَدَح الَّذينَ لَا يستمعون اللَّغْو، والنَّبيّ ﵊ يقول: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا، أَوْ لِيَصْمُتْ" (^١).
والمقابلُ للخَيْر الشَّرُّ، وَمَا لَا خَيرَ فيه، وَلَا شَرَّ، وهو اللغو، فالأصح أنه يشمل كُلَّ كَلَامٍ لَا خَيرَ فيه، سَوَاءٌ كَانَ فيه أَذًى وشَرٌّ، أَمْ لَم يَكن، ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ بأبدانهم، أو بأبدانهم وقلوبهم، أو بقلوبهم فَقَط حَسَب الحال، وَلَكنَّ الأَصلَ هو القُلوب، لَكن قَدْ تَشمل الأبدان أيضًا، بحيث إذَا سَمعوا كلامًا لَا خَيرَ فيه قامُوا، وتركوا المكان، حَتَّى لَو لَم يَكن حَرَامًا.
أما إعراضُ البَدَنِ مع إقبالِ القلْبِ، فَهَذَا لَا يَنفَعُ، فالمقام عند اللَّغو أربعةُ أنواع: تارَةً يُقبِل عليه بجسمه وقَلْبِه، فَحينئذ يَكون مشارِكًا لأهله، وتارَةً يُعرض عَنْهُ بجسمه وقلبه، بحَيث لَا يستمع إلَيه، وَلَا يَجلس، وتارة يُعْرِضُ بقلبه دُونَ جسمه، وتارَةً يُعْرِضُ بجسمه دُونَ قلبه، والتَّركيزُ هنَا عَلَى الإعراض بالقلب.
قوله ﷾: ﴿أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾، كَأَنَّه يَقول: إذَا قيلَ لَهم: لماذا تقومون؟ لماذا لا تَردُّون؟ لماذا لا تنصَاعُون لأذاهم، يقولون: ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾، فَنَحن لَا نُسْأَلُ عَمَّا تعملون، وَأَنْتُم لَا تُسأَلونَ عَمَّا نعمل،
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الرقاق، باب حفظ اللسان، رقم (٦٤٧٥)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب الحث على إكرام الجار والضيف، ولزوم الصمت إلا عن الخير وكون ذلك كله من الإيمان، رقم (٤٧).
[ ٢٧٠ ]
ولا نوافقكم عَلَى هَذَا العَمَل، وليس يعني ذَلكَ أَنَّهم لَا يَأمرونَ بالمَعروف وَلَا يَنهَوْنَ عَنِ المنكَر؛ لأَنَّ الكَلَامَ هنَا عَنِ اللَّغْو، وهو الكلامُ المنافي للخير، أَمَّا المنكَر، فَإنَّهم لَا شَكَّ أنهم يَنهَوْنَ عَنْهُ، وَيَأمُرونَ بالمَعروف.
قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ يقول المُفَسِّرُ ﵀: [سَلَامُ مُفَارَقَةٍ]، أي: سَلِمْتُم مِنَّا مِنَ الشَّتْمِ وغيره، ولا يُسَلِّمُون سلامَ تحية، فَهُم إذَا سَمِعوا اللَّغوَ أَعْرَضُوا وقاموا، وقالوا لهؤُلاءِ: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾، يعني: سَلَامٌ عَلَيكم منَّا وَلَيسَ مِنَ اللَّه، فأنتم سالمون لا، نُقابلكم بما تفعلون بنا، وَهَذَا مِنَ المُفَسِّر ﵀ بنَاءً عَلَى أَنَّ المرَادَ بِقَولِه: ﴿اللَّغْوَ﴾ يعني: الأذى والشتم منَ الكفَّار.
أَمَّا إذَا قُلنَا بالعُموم؛ فَإنَّه يَحتَمل أَنْ يَكونَ المرَاد بالسَّلام هنا سلامٌ مِنَ اللَّه، أي: سلامُ تَحِيَّة؛ لأنَّهُ يُشرَع لمَن قَامَ مِن مجلس أَنْ يُسَلِّم، وَيَحتَمِل أَنْ يَكونَ سلامَ مُفارَقَة، وإن شئنا جعلناه مُوَزَّعًا، فقلنا: إِنْ قُلنَا باللَّغو إنه الشتمُ والأذى، فالسَّلام هنا سلامُ مُفارَقَةٍ، بمعنى أنكم سالمون منا، ونحن سالمون منكم، وَإذَا قلنَا: إنَّ المرَادَ باللَّغو الكَلَامُ الَّذي لَا خَيرَ فيه، وَإنْ لَم يَكن سَبًّا، ولا شَتْمًا، فهو سلامُ تَحِيَّة؛ لأَنَّ هَؤلَاء لَمْ يُسِيئوا إلى المُعْرِضين حَتَّى يَقولوا لهم: سَلَامٌ عَلَيكم مِنَّا.
قوله تعالى: ﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [لَا نَصْحَبُهُمْ]، وَهَذَا التَّفسير مِن المُفَسِّر ﵀ أَظُنُّه قاصرًا؛ فَلَو كَانَ الأَمرُ كَذَلكَ لَقَالَ: لا نَصْحَبُ الجَاهِلين، لكن ﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾، والابتِغاءُ بمعْنى الطَّلب، قَالَ تعالى: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح: ٢٩]، أي: يطلبون، وَإذَا انتَفَى طلبُ الجَاهِلين، فانتِفَاءُ صُحبَتِهِم مِن بَاب أَوْلى؛ لأَنَّهم مَا يطلبون الجَاهِلين، فَضلًا عَن كونهم إذا وَجَدُوهُم صَحِبُوهُم، فظاهِرُ الآية أَولَى، وَأَبلَغُ مِن تَفسير المُفَسِّر ﵀، فالإِنْسَان ذو العِلم
[ ٢٧١ ]
والبَصيرة لَا يَطْلُب الجَاهِلين، فيكون معهم، بَل لَا يَصْحَبُ إلَّا الأَخيَارَ ذوي العِلم والمروءة، والشَّرف والدِّين.
والجاهِلُ هنا المرَادُ بِهِ السَّفِيه، حَتَّى لَو كَانَ عَالمًا؛ لأَنَّه إذَا أساء التصرفَ -وَلَو كَانَ عَالمًا- فَهوَ بمَنزلَة الجَاهِل، بَل أَشَدُّ مِنَ الجَاهل؛ لأَنَّ مَن خَالَفَ عَن عِلم أَشَدُّ ممن خالَفَ عَن جَهل، ويُسمى مَن خَالَفَ عَن عِلم سَفِيهًا، ويُسمى جاهلًا مُرَكَّبًا إذَا ادَّعَى أَنَّه يَعْلَمُ، بخلافِ الإِنْسَان الجَاهِل الَّذي لَم يَأته العِلم أصلًا؛ فَإنَّ هَذَا قَد يستقيم إذَا عَلِمَ.
إذن: الجَاهِلون هنا لَيْسُوا مَن لَا يَعلَمونَ، بل هم السفهاء.
وَإذَا قَالَ قَائل: مَا الَّذي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الجهل يَأتي بمَعنَى السَّفَه؟
قلنا: قَولُه تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء: ١٧]، فَإنَّ قَولَه: ﴿بِجَهَالَةٍ﴾ بلا شَكَّ أَنَّ المرَادَ: بِسَفَهٍ؛ لأَنَّ مَن يَعمَل السُّوء جاهلًا بِغَيْرِ عِلم هَذَا لَا ذنبَ عَلَيه حَتَّى نَقولَ: إنه يتوب، فالجهل هنَا بمَعنَى السَّفَه.
قوله تعالى: ﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ أي: السُّفَهَاء الَّذينَ يَعمَلونَ بجهالة.
والجَاهِل غَيرُ عَالِم، ربما يَبْتَغِيه المرءُ لِيُعَلِّمَه مَا دَامَ جاهلًا، ولهذا فإنَّ الرَّسُولَ -ﷺ- كان يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى القَبَائل في موسم الحج، يَأتي إلَى قَبيلة، ويأخذ عليهم، ويدعوهم إلَى اللَّه، فهو يطلب هؤُلاءِ الجُهَّال ليُعَلِّمَهُم، لَكنَّ المرَادَ بالجهل هنَا هُوَ السَّفَه؛ لأن السفيه فِعْلُه -في الحقيقَةِ- كَفِعْلِ الجَاهِل تمامًا؛ إذ إنه يُخالف الحقَّ، وَلَا يَعمَل بِهِ، لكنه أَشَدُّ مِنَ الجَاهِل؛ لأَنَّه غَيرُ مَعذور.
[ ٢٧٢ ]
وِمثل هَذِهِ الصّفَات تُفيدنا في العِلم وَالعَمَل؛ لأن دَأْبَ الصَّحَابَة ﵃ فعن أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قَالَ: إِنَّا أَخَذْنَا الْقُرْآنَ عَنْ قَوْمٍ، فَأَخْبَرُونَا أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا تَعَلَّمُوا عَشْرَ آيَاتٍ، لَمْ يجاوِزُوهُنَّ إِلَى الْعَشْرِ الأُخَرِ حَتَّى يَعْمَلُوا مَا فِيهِنَّ مِنَ الْعِلْمِ، فتعَلَّمْنَا الْعِلْمَ وَالْعَمَلَ جَمِيعًا (^١).
وأكثرُ النَّاس إذَا قَرَأَ مِثل هَذِهِ الآيَاتِ قال: يَا اللَّه، مَا أَحسَنَ صفاتِهم! وما أجملَ أفعالَهم! وَهَذَا غَايَةُ مَا يَسْتَفِيد مِنَ الآيَة، وَلَكنَّ هَذَا مَا يَكفي، المَقصود مِن ذِكر هَذِهِ الأَوصَافَ الحميدة، سَوَاءٌ كَانَت عَلى سَبيل الإخبَار عَنِ الحَال، أَو عَلى سَبيل القَصص، فالغَرَضُ منهَا هُوَ أَنْ يَعتَبرَ الإِنْسَان بما حَصَل، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١].