الْفَائِدَةُ الأُولَى: يَجُوزُ أَنْ يُشتقَّ المَهْرُ مِنَ الأب، وَهَذَا فِي حقيقته عَائِدٌ عَلَى الْبِنْتِ؛ لِأَنَّهَا حَصَلَتْ لها فائدة، وهي أنها تَسْلَم مِن رَعْي الغَنم، والتعب فيه.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ تعالى: ﴿أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ﴾ هو وعد، وليس عقدًا، وَالدَّليلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُه: ﴿أُرِيدُ﴾ والمُريدُ للشيء قد يَفْعَلُهُ، وَقَدْ لَا يَفْعَلُهُ، لَكِنْ قَوْلُهُ ﴿ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَبِل أَنْ يُزَوِّجَهُ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ تعالى: ﴿هَاتَيْنِ﴾ يفيد أنهما حاضرتان، لِئَلَّا يَظُنَّ أَنَّ هناك مَنِ البنات غَيْرَ هَاتَيْنِ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿عَلَى مَا نَقُولُ﴾ تقدِيم المعمول يَدُلُّ عَلَى الحَصر، مَعَ أَنَّ اللَّهَ ﷾ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وكيل، وَهَذَا أَبْلَغُ فِي المُحَافَظَةِ عَلَى الْعَقْدِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: لَوْ لَمْ يَكُنِ اللَّه وكيلًا لَكان وكيلًا عَلَى مَا نَقُولُ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ يُستفاد بَيَانُ أَنَّ مَشُورة الْإِنْسَانِ عَلَى أَبِيهِ لَا تَعُدَّ مِن التَنَقُّصِ له.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: تلطُّف هَذِهِ المَرْأَةِ فِي مُخَاطَبَةِ أبيها، لقولها: ﴿يَاأَبَتِ﴾، وَلِهَذَا قَالُوا: لَا يَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُنَادِيَ والده باسمه، كَأَنْ يَقُولَ مثلًا: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، يَا عَبْدَ الْعَزِيزِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، حَتَّى إِنَّ بَعْضَهُمْ يَقُولُ: إذا نادَى أباه باسمه يُعَزَّر؛ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الِاحْتِقَارِ لَهُ، وأمَّا الْخَبَرُ عَنْهُ باسمه، فَلَا بَأْسَ مِثْل أَنْ يَقُولَ: قَالَ فُلَانٌ، فَلَا حَرَجَ، ولهذا كثِيرًا مَا نسمع فِي الْأَحَادِيثِ أنَّ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ عُمَرُ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ، بخلاف النداء، فالنداء لَهُ حَالٌ، والخبر لَهُ حَالٌ أخرى.
[ ١٢٠ ]
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: يَنْبغي في الْقَائِمِ عَلَى الشَّيْءِ، سَوَاءٌ كَانَ متبرعًا، أو بأَجْرٍ، أَنْ يُرَاعَى فيه هذان الوَصْفَان؛ وهما: القُوَّة والأمانة؛ لأن في القُوَّة الْقُدْرَةَ عَلَى التنفيذ، وفي الأمانة الإتمام والإكمال.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنةُ: أَنَّ مُوسَى ﵊ كان متصفًا بهَذَيْن الوصفين: القُوَّة والأمانة؛ لِأَنَّا قُلْنَا: إِنَّ الجملة هَذِهِ تعليلٌ لقولها: ﴿اسْتَأْجِرْهُ﴾.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: نُصْح هذا الوالد لبناته؛ لِأَنَّهَا لمَّا وصفته بالأمانة والقُوَّة اختاره، وهكذا يَنْبغي للإنسان أن يختار لبناته مَن يتصف بالقُوة والأمانة.
الْفَائِدَةُ العَاشِرَةُ: جَواز خِطبة الزوج، بِمَعْنَى أَنَّ الرَّجُلَ يَخْطُبُ الرَّجُلَ لابنته عَلَى عَكْسِ المُتَعَارَفِ عَلَيْهِ، وَهَذَا جَائِزٌ، فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنُ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ، حِينَ تَأَيَّمَتْ حَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ مِنْ خُنَيْسِ بْنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، تُوُفِّيَ بِالمَدِينَةِ، قَالَ عُمَرُ: فَلَقِيتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَفْصَةَ، فَقُلْتُ: إِنْ شِئْتَ أَنْكَحْتُكَ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ، قَالَ: سَأَنْظُرُ فِي أَمْرِي، فَلَبِثْتُ لَيَالِيَ، فَقَالَ: قَدْ بَدَا لِي أَنْ لَا أَتَزَوَّجَ يَوْمِي هَذَا، قَالَ عُمَرُ: فَلَقِيتُ أَبَا بَكْرٍ، فَقُلْتُ: إِنْ شِئْتَ أَنْكَحْتُكَ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ، فَصَمَتَ أَبُو بَكْرٍ، فَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيَّ شَيْئًا، فَكُنْتُ عَلَيْهِ أَوْجَدَ مِنِّي عَلَى عُثْمَانَ، فَلَبِثْتُ لَيَالِيَ، ثُمَّ خَطَبَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَأَنْكَحْتُهَا إِيَّاهُ، فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: لَعَلَّكَ وَجَدْتَ عَلَيَّ حِينَ عَرَضْتَ عَلَيَّ حَفْصَةَ، فَلَمْ أَرْجعْ إِلَيْكَ؛ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرْجعَ إِلَيْكَ فِيمَا عَرَضْتَ، إِلَّا أَنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَدْ ذَكَرَهَا، فَلَمْ أَكُنْ لِأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَلَوْ ترَكَهَا لَقَبِلْتُهَا (^١).
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب المغازي، بعد باب شهود الملائكة بدرًا، رقم (٤٠٠٥).
[ ١٢١ ]
وَهَكَذَا يَتبَيَّنُ أَنَّ خِطبة الإِنْسَان الرَّجُلَ لابنته أَمْرٌ مَشْرُوعٌ، ومعروف فِيمَا سَبَقَ، وَفِي هَذِهِ الأُمَةِ.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: كَرَمُ هَذَا الرَّجُلِ، ووجهُه أَنَّهُ خَيَّرَ موسى بين البنتين، فقال: اخْتَرْ إحداهما، وَهَذَا مِنَ الْكَرَمِ؛ لِأَنَّ التَّخْيِيرَ فِي الْحَقِيقَةِ أوسعُ للإنسان، وأطيبُ لنفسه؛ حيث يَخْتَارُ مَا يَرَاهُ أنسبَ، لَكِنْ لَوْ قَالَ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ هَذِهِ البنت، فَقَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ لَا رغبةَ لَهُ فِيهَا، أَمَّا قَوْلُه: ﴿إِحْدَى ابْنَتَيَّ﴾ فالتخيير يَدُلُّ عَلَى الكرم، وأنه جَعَلَهُ فِي سَعَةٍ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: جَوَازُ الْعَقْدِ عَلَى المبهمة؛ إيجابًا لا قَبُولًا؛ لأنَّه مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَقُولُ: زَوَّجْتُك إِحْدَى ابْنَتَيَّ. فيقول الزوجُ: قَبِلْتُ نِكاح فلانة. وَهَذِهِ المَسْأَلةُ لها أربع صُوَر:
الْأُولَى: إِمَّا أَنْ يَحْصُلَ التعيين بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، فيقول: زَوَّجْتُك ابنتي عائشة. فيقول: قَبِلْتُ. هذا تَعْيِينٌ فِي الْإِيجَابِ، وفي القَبول، فالإيجاب: الْوَلِيُّ قَالَ: زوَّجتُك ابنتي عائشة. فَعَيَّنها، والزوج قال: قَبِلْتُ زواجَ هَذِهِ المَرْأَةِ.
الثَّانية: وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الإبهام فِي الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، فَلَا يَصِحُّ -مثلًا- أَنْ يَقُولَ: زَوَّجْتُكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ. فيقول: قَبِلْتُ نكاح إحداهما. فهنا لَا يَجُوزُ، وَلَا يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ؛ لأَنَّنا لَا نَدْرِي أَيَّتَهُما التي انعقد نكاحها.
الثالثة: وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ التَّعْيِينُ فِي الْإِيجَابِ دُون القَبُول، فيقول -مثلًا-: زَوَّجْتُك ابنتي عائشة. فيقول الزوج: قَبِلْتُ نكاحَ إحدى بناتك. وَهَذَا لَا يَجُوزُ.
الرابعة: أَنْ يَقُولَ: زَوَّجْتُك إحدى بناتي. فيقول: قَبِلْتُ نكاح فلانة. يُسَمِّيها،
[ ١٢٢ ]
فهنا الإبهامُ فِي الْإِيجَابِ والتعيين فِي الْقَبُولِ لَا يَصِحُّ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ التَّعْيِينُ فِي الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، ولكن الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لمَّا قَالَ: زَوَّجْتُك إحدى بناتي. قال: قَبِلْتُ عائشةَ. وهنا حَصَل التعيين، لكن المُوجِب الَّذِي هُوَ الْوَلِيُّ أَرَادَ أَنْ يُفْسِحَ له المجال في الاختيار، فهذا ظاهره صِحَّةُ الْعَقْدِ، لَا سِيَّمَا إِذَا قَالَ: زَوَّجْتُك إحدى بناتي هؤُلاءِ. وعَيَّنَهم، فقال: قبلتُ عائشة. وَهِيَ مِنَ المُعَيَّنات، فَهَذَا أَيْضًا أَقْرَبُ إِلَى الصِّحة؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَصَلَ تعيين بالإشارة، ثم عَيَّن واحدةً منهن بالقَبول.
ولكن قِصَّة مُوسَى هنا لَيْسَ فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا حينئذ، ولأنَّه لَمْ يَعْقِدْ عَلَيْهَا بَعْدُ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: قد يُفْهَمُ مِنَ الآيَةِ أَنَّ الْأَبَ يملك الْعَقْدَ عَلَى ابْنَتِهِ دُونَ رضاها، وَلَكِنَّ الآيَةَ لَيْسَ فِيهَا دَلِيلٌ؛ إِذْ مِنَ المُمْكِنِ أَنْ يَكُونَ الْأَبُ قد استأذن منهما قَبْلَ ذَلِكَ، أَوْ أَنَّهُ فَهِمَ منهما الرضا؛ لكونها عَرضَتْ عليه، ووصفتْه بالقُوة والأمانة.
وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ، حَتَّى لَوْ فَرَضْنَا احتمالَ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَأْذِنْ؛ فإنَّ شريعتنا وَرَدَتْ بِخِلَافِ ذَلِكَ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُزَوِّجَ ابنته بِدُونِ رضاها، وأمَّا الْعَقْدُ إِذَا زَوَّجَ ابنته بِدُونِ رضاها فيُعْتَبَر باطلًا لَيْسَ بِصَحِيحٍ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: جَواز اشتراط الأب شَيْئًا مِنَ الصَّدَاقِ لَهُ؛ فَإِنَّهُ قَدْ زوَّجه عَلَى أَنْ يأجُره ثَمَانِيَ حِجَج في رَعْي الغَنَم، فَيَكُونُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ الأبُ مهرَ ابنته له، وَهَذَا فِيهِ إشكالٌ بالنِّسبة لشريعتنا؛ لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ﴾ [النساء: ٤]، وقال: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧].
[ ١٢٣ ]
وهاتان الآيتان تَدُلَّان عَلَى أَنَّ المهر للزوجة، وَهِيَ الَّتِي تملك التَّصَرُّفَ فِيهِ بِالْعَفْوِ والإعطاء، وليس للأب حَقٌّ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ أَيْضًا؛ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ، أو حِبَاءٍ قَبْلَ الْعَقْدِ فهو للزوجة، وَمَا كَانَ بَعْدَهُ فأحَقُّ ما يُكرَم عَلَيْهِ المَرْءُ ابْنَتُه وَأُخْتُه، فالمهر الَّذِي قَبْلَ الْعَقْدِ كُلُّه يَجِبُ أَنْ يَكُونَ لِلزَّوْجَةِ، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّحِيحُ أَنَّ المَهْرَ للزوجة، لَا يُشَارِكُهَا فِيهِ أَحَدٌ؛ لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ بُضْعِها فَيَكُونُ لَهَا، وليس لِلْأَبِ أَنْ يَشْتَرِطَ مِنْهُ شَيْئًا لِنَفْسِهِ.
والأب لَهُ أَنْ يَتَمَلَّكَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ مَا لَا يحتاجه، ولا يَضُرُّه؛ لِقَوْلِ النَّبيِّ -ﷺ-: "أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ" (^١).
فَأَمَّا أَنْ يَشْتَرِطَ مِنْهُ شَيْئًا لِنَفْسِهِ فَلَا؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَا يُجِيزُهُ، وَهُوَ أَيْضًا سببٌ للفساد، وملاحظة الأب للمَهر فيُزَوِّج مَن يَشْتَرِطُ لَهُ أَكْثَرَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كُفئًا، وَيَمْنَعُ مَنْ لَا يَشْتَرِطُ له، وَإِنْ كَانَ كُفئًا.
فالمصلحة والشَّرع كلاهما يقتضيان أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْأَبِ أَنْ يَشْتَرِطَ لنفسه شَيْئًا مِنَ المَهْرِ، وَالْأُمُّ وَالْأَخُ مِنْ بَابِ أَوْلَى، وقد يوجد خِلَافِ هَذَا من بعض الناس، وَهَذَا لَا يَجُوزُ، فالواجب أَنْ يَكُونَ المَهْرُ كُلُّهُ للزوجة.
واستدل بِهَذِهِ الآيَةِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ المَهْرُ منفعةً تَسْتَحِلُّها الزَّوْجَةُ مِنْ زَوْجِهَا، يعني: أَنْ يُعْمَلَ لها بناء؛ بأن يَبْنِيَ لها بيتًا، ويأتيَ لها بشيء فائض، والاستدلال واضح؛ لأن رعي الغنم منفعة، إِذْ لَوْ لَمْ يَرْعَها موسى لَقَام بذلك هاتان البنتان، فَهُوَ فِي الحْقِيقَةِ منفعة لها، ثُمَّ إِنَّ شرعنا وَرَدَ بوفاقه، قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-
_________________
(١) أخرجه أبو داود: كتاب الإجارة، باب الرجل يأكل من مال ولده، رقم (٣٥٣٠)، وابن ماجه: كتاب التجارات، باب ما للرجل من مال ولده، رقم (٢٢٩٢).
[ ١٢٤ ]
لِلرَّجُلِ الَّذِي لَمْ يَجِدْ عِنْدَهُ شَيْئًا: "اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ" (^١)، وهذا منفعة.
لكن لو اشترطَت عَلَيْهِ أَنْ يخدمها، يعني أَنْ يَكُونَ مَهْرُها خدمتها، فمثلًا: هَذِهِ امرأةٌ عجوزٌ كبيرةٌ خَطَبَها إنسانٌ لَيْسَ عِنْدَهُ مَالٌ، أو عِنْدَهُ مَالٌ، وقالت: المهر أنك تخدمني، أن تحملني -مثلًا- لأتوضأ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا تُقَوِّم حذائي، تغسل ثوبي، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فهذا فِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لأن مَقَام الزَّوْجِ أَنْ يَكُونَ أَعْلَى مِنْ مَقَامِ الزوجة، فَإِنَّ الزَّوْجَ سَيِّدٌ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف: ٢٥]، والزوج رَجُلٌ، فَهُوَ قَوَّامٌ عَلَى المَرْأَةِ، قَالَ تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤]، والمرأةُ أَسِيرٌ عِنْدَ الزَّوْجِ، قَالَ -ﷺ-: "أَلا وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّمَا هُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ" (^٢).
وَإِذَا قُلْنَا: إِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ المَهْرُ خدمتَها، انعكست القضية، وصار الأعلى هو الأسفل، وَهَذَا لَا يَجُوزُ، ولكن المَذْهَبُ جَوَازُ ذَلِكَ؛ لأنَّها مَنفعة، وكما يَجُوزُ أَنْ تَتَزَوَّجَهُ عَلَى أَنْ يَبْنِيَ بيتها، ويرعى غَنَمَها، فكذلك أَنْ يَقُومَ بخدمتها، وهذا التَّعلِيل لَا يَمْنَعُ، فيخدمها الزَّوْجُ فِيَما اشترطت عليه، وتخدمه فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهَا، فتكون خادمةً مَخدومة؛ كحَرْفِ الجَرِّ يعمل فيه الْفِعْل، وَهُوَ يَجُرُّ الاسم، هو عامِلٌ مَعْمُول.
وَقَدْ تَكُونُ مصلحة الزَّوْجِ فِي خدمة زوجته، كأن تكون غَنِيَّة، وينتظر موتها حتى يرث منها، وَقَدْ يَحْدُثُ العكس، لكن الأمر حسب الحال، فَهَذَا رَجُلٌ شَابٌّ
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب فضائل القرآن، باب القراءة عن ظهر القلب، رقم (٤٧٤٢)، ومسلم: النكاح، باب الصداق وجواز كونه تعليم قرآن وخاتم حديد، رقم (١٤٢٥).
(٢) أخرجه الترمذي: كتاب الرضاع، باب ما جاء في حق المرأة على زوجها، رقم (٣٠٨٧) وقال: حسن صحيح. وابن ماجه: كتاب النكاح، باب حق المرأة على الزوج، رقم (٣٠٥٥).
[ ١٢٥ ]
فقير، وهذه امرأةٌ عجوز كبيرة عندها أموال عظيمة، فَيَقُولُ فِي نَفْسِهِ: لَا يَضُرُّ أن أخدمها، فربما تموت، وأَرِثُ منها مالها كُلَّه.
وَقَدْ يَكُونُ أَيْضًا لغير هَذَا السَّبَبِ، قَدْ يَكُونُ لرفع حَسَبِه؛ لِأَنَّ هَذِهِ امرأة -مثلًا- مِنْ قَبِيلَةٍ مشهورة، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يرفع حَسَبَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ عِنْدَ النَّاسِ غَيْرُ قَبيلي؛ فإذا تزوج هَذِهِ المَرْأَةَ المعروفة بِأَنَّهَا مِنْ قَبِيلَةٍ مُعَيَّنة، عُلِم بذلك.
المهم: أن الآيَةَ فِيهَا اعتبارات.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةَ عَشْرَةَ: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ الإِنْسَان العَمَل عملين: عملًا واجبًا، وعملًا تَبَرُّعًا، فيجوز لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَطْلُبَ استئجار شَيْءٍ مَا مثلًا عَشْرَ سنوات بالأجر، وسَنَتَيْن تبرعًا مِن صاحبها، برغبته ومشيئته.
وَنَظِيرُهُ مِن بَعْضِ الْوُجُوهِ: أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُ لشخص: خُذْ هَذَا الشَّيْءَ بِعْه بمائة، وَمَا زَادَ فَلَك. فَإِنَّ هَذَا جَائِزٌ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ كُلٍّ مِن الطرفين معرفة بالسعر؛ لئلَّا ينخدع أحدهما باعتبار أَنَّ واحدًا -مثلًا- عنده حاجة يريد بيعها، وَجَاءَ إِلَى الدلَّال، وقال: خذ هَذِهِ الْحَاجَةَ بِعْهَا بمائة، وَمَا زَادَ فَهُوَ لَكُ. فَهَذَا جَائِزٌ، يبيعها بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ، ويأخذ عشرين، أو بمائة وخَمسة ويأخذ خمسة، أو بمائة وعَشَرة ويأخذ عَشَرة، ولكنه يُشْتَرَطُ فِي هَذَا أَنْ يَكُونَ لدى كُلٍّ مِن المُوَكِّل والمُوَكَّل عِلْمٌ بالسعر؛ لئلا ينخدع أَحَدُهُمَا فِي سِعر هَذِهِ السِّلْعَةِ، فهو يعرِف -مثلًا- أنها تُساوي مائة، وقد تزيد قليلًا، وقد تنقُص قليلًا.
وَلَكِنْ إِنْ كَانَ لَا يَدْرِي مَا ثَمَنُها، ثُمَّ يَقُولُ: بِعْهُ بمائة. وَهُوَ لَا يَدْرِي أَنَّ سِعرها أربعمائة، فيذهب ذاك فيَبِيعها بأربعمائة، أَوْ أَنَّهُ -مثلًا- يَعْرِفُ أَنَّ سعرها لَا يُسَاوِي خمسين، وَالْوَكِيلُ لَا يَدْرِي، فالذي يَغْتَرُّ هُنَا هُوَ الوكيل، وفي المَسْأَلَةِ الْأُولَى المُوكِّل.
[ ١٢٦ ]
وَممِنْ قَدْ يَكُونُ الموكِّل يَعْرِفُ أَنَّ سلعتَه لَا تَزِيدُ عن المائة، فيقول للوكيل: اذهب وبِعْهَا بمائةٍ، وَمَا زَادَ فَهُوَ لَكُ. فيذهب وَهُوَ لَا يَدْرِي، يَظُنُّ أَنَّه سيبيعها بِأَكْثَرَ مِنْ مِائَةٍ، فيَظَلُّ يُحاول ويُحاول، فما بِيعت إلا بثمانين، أو تسعين مثلًا، فيَكُونُ فِي هَذَا غَرَرٌ على الوكيل، وَهَذَا لَا يَجُوزُ، والعكس أَيْضًا لَا يَجُوزُ.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: حُسن معاملة صاحب مَدْينَ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أولًا: أنه فَسَحَ لَهُ فِي الْأَجَلِ، فقال: ﴿ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾.
ثانيًا: أنه وَعَدَهُ بالتيسير فِي المُعَامَلَةِ، حَيْثُ قَالَ: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾، فهذان دليلان عَلَى أَنَّهُ كَانَ سمحًا فِي مُعَامَلَتِهِ.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: يُستفاد مِنْ قَوْلِهِ تعالى: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أَنْ يَعْزِمَ عَلَى فِعْلِ الشَّيْءِ إِلَّا مَقْرُونًا بالمشيئة، بَلْ إِنَّ اللَّهَ ﷾ نَهَى نَبِيَّهُ أَنْ يعزِمَ عَلَى فِعْلِ الشَّيْء بِدُونِ قَرْنِه بالمشيئة، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ [الكهف: ٢٣].
والقَرْنُ بالمشيئة فِيهِ فَائِدَتَانِ:
الْأُولَى: تفويضُ المرءِ الْأَمْرَ إِلَى اللَّهِ، وَهَذَا هُوَ تحقيقُ التوكّل.
الثَّانية: تيسير الْأَمْرِ لَهُ، وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- فِي قِصَّةِ سليمان: "لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَحْنَثْ وَكانَ دَرَكًا لحَاجَتِهِ" (^١).
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب كفارات الأيمان، باب الاستثناء في الأيمان، رقم (٦٣٤١)، ومسلم: كتاب الأيمان، باب الاستثناء، رقم (١٦٥٤).
[ ١٢٧ ]
ترَى هَذَا إِذَا كَانَ الإِنْسَان يُرِيدُ أَنْ يُخْبِرَ عَنِ الفعل، أمَّا إِذَا كَانَ يُرِيدُ أَنْ يُخْبِرَ عَنْ عزيمته عَلَى الْفِعْلِ، فَلَا يَلْزَمُهُ قول: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، إِذَا كَانَ يُرِيدُ أَنْ يُخْبِرَ عَنِ العزيمة يقول: سأفعل غدًا، أي: هَذِهِ نيتي وعزيمتي، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ القَرن بالمشيئة؛ لأن العزيمة حاصلة، فقد شاءها اللَّه، وَإِذَا كَانَتْ حاصلة، وقد شاءها اللَّه، فليست هناك حاجة أَنْ نَقُولَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ شاءها، ففرْق بَيْنَ أَنْ يَقُولَ إنسان: سأزورك غدَا. وَهُوَ يُرِيدُ وُقُوعَ الْفِعْلِ، وَبَيْنَ أَنْ يَقُولَ: سأزورك غدًا. وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُخْبِرُ عَمَّا فِي قَلْبِهِ مِنَ النِّيَّةِ والعزيمة، بَيْنَهُمَا فَرْقٌ، ففي الْأُولَى لَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وفي الثَّانِيَةِ لَا يَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فالعزيمة أمرٌ واقع، وأمَّا الفعل فأمرٌ مُسْتَقبل، فهذا أَمْرٌ لَا يُسْتَحَبُّ فِي العزيمة، إِلَّا إِذَا كَانَ عَلَى سَبِيلِ التعليم، فَلَا بَأْسَ، كَمَا قَالَ الرَّسُولُ -ﷺ-: "وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ" (^١). يعني: حقًّا، وقال اللَّهُ تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧].
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: يُستفاد مِنْ قَوْلِهِ تعالى: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أَنَّ صَاحِبَ مَدْيَن مؤمن؛ لأن مِثْلَ هَذِهِ الصيغة لَا تَكُونُ إِلَّا مِنْ مُؤْمِنٍ ملتزم بالشريعة.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: أن الصَّلَاحَ فِي كُلِّ مَوْضِع بحَسَبه، ففي العبادةِ يكون الصَّلَاحُ فِي الْإِخْلَاصِ والمتابعة. أي: الْقِيَامُ بِمَا يَجِبُ مِنَ الْإِخْلَاصِ، والمتابعة للَّه، وترك المَنْهِيَّاتِ، وفعل المأمورات، وَالصَّلَاحُ فِي المُعَامَلَةِ بالْوَفَاءِ بِما يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ، هذا هو الصَّلَاحُ فِي المُعَامَلَةِ الْوَفَاءُ بِما يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ.
وهنا فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ نجد أَنَّ الأَلْيَق
_________________
(١) أخرجه مسلم: كتاب الجنائز، باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها، رقم (٩٧٤، ٩٧٥).
[ ١٢٨ ]
بالسياق هو صلاح المعاملة؛ لِأَنَّ المَسْأَلةَ جاءت تعقيبًا عَلَى عَقْدٍ، فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تعالى بعده: ﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾.
الْفَائِدَةُ الْعِشْرُونَ: أَنَّ الْعُقُودَ لَيْسَتْ في صِيَغ مُعَيَّنَة، فتنعقد بما دَلَّتْ عَلَيْهَا، وكذلك الفُسوخ، وكذلك الولايات، كل التصرفات مِنْ عُقُودٍ وفُسوخ وولايات؛ فإنها تَصِحُّ بِمَا دَلَّ عَلَيْهَا، وَلَا يُشْتَرَطُ لها لفظ مُعَيَّن، بل تُجْرَى عَلَى مَا يتعارفه النَّاسُ بَيْنَهُم، حتى عَقْدِ النِّكَاحِ عَلَى الْقَوْلِ الراجح لَا تُشْتَرَطُ له صيغةٌ مُعَيَّنَة، فيجوز عَقْدُ النِّكَاحِ بأيِّ لفظ يتعارف عَلَيْهِ النَّاسُ، فمثلًا يجوز قولنا: زَوَّجْتُك، أنكحتُك، مَلَّكتُك، عقدتُ لَك عَلَى ابنتي. وكذلك الْأَمْرُ فِي الوقف والسبيل، فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ مُحْتَمِلًا أَنْ يَدُلَّ عَلَى الْعَقْدِ أَوْ لا، حينئذ نرجع إِلَى اللَّفْظِ اللُّغَوِيِّ؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ عُرف رَجَعْنَا إِلَى الحقيقة اللُّغوية، كما ذَكَرُوا فِي الْأَيْمَانِ وَغَيْرِهَا، فَنرجِعُ إِلَى مُقْتَضَى الْأَلْفَاظِ فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ مَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ المُتَعَاقِدَيْنِ نِيَّة مُسْبَقَة؛ لأنَّهما يريدان هَذَا الْعَقْدَ، فَإِذَا كَانَت بينهما نِيَّة معروفة، واتفقَا عليها، عُمِل بها.
الفقهاء ﵏ استَثْنَوْا بعض العُقود، وجعلوا لها صِيَغًا مُعَيَّنَةً، ففي النكاح مثلًا قالوا: لَا يَنْعَقِدُ إِلَّا بِلَفْظِ (زَوَّجْتُك) أو (أَنْكَحْتُك)، فَلَمَّا قِيلَ لَهُمْ: "إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَعْتَقَ صَفِيَّةَ، وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا" (^١). قالوا: هَذِهِ المَسْأَلةُ تُستثنَى، فَيُقَالُ لَهُمْ: مَا الدَّليلُ عَلَى استثنائها، بل هَذِهِ المَسْأَلَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ يَنْعَقِدُ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ، فَفِي هَذِهِ الآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعُقُودَ تنعقد بِمَا دَلَّ عَلَيْهَا؛ لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾،
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب النكاح، باب الوليمة ولو بشاة، رقم (٥١٦٩)، ومسلم: كتاب النكاح، باب فضيلة إعتاقه أمته، ثم يتزوجها، رقم (١٣٦٥).
[ ١٢٩ ]
لَمْ يَقُلْ: قبلتُ النكاح، ولا: قبلتُ الإجارة، وَلَا شَيْءَ.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ: يُستفاد مِنْ قَوْلِهِ تعالى: ﴿بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾ أَنَّ الْعُقُودَ عهود فِي الْحَقِيقَةِ، وَهُوَ كَذَلِكَ؛ لأن كُلَّ إِنْسَانٍ يعقد مع شخص فَقَدِ التزم ألَّا يَخُونَه، والتزم أَنْ يَفِيَ له بمُقتضى هَذَا الْعَقْدِ، فَيَكُونُ بِذَلِكَ عهدًا، فِي سُورَةِ الإسراء يَقُولُ اللَّهُ ﵎: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤]، وَقَدْ قَالَ قَبْلَهَا: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤]، فالوَلاية عَلَى الْيَتِيمِ نَوْعٌ مِنَ الْعَقْدِ، وجَعَلها اللَّهُ تعالى عهدًا، فقال: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّ مُوسَى -ﷺ- قَبِل مَا جَعَلَهُ لَهُ صَاحِبُ مَدْيَنَ مِنِ اختيار أَحَدِ الْأَجَلَيْنِ، حينما قال: ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾، وبَقِي العقدُ مفتوحًا، يعني: إِنْ أتممتُ العَشْرَ، فلا تعتدي عليَّ بإخراجي مِن بيتي، وطردي عن عملي إِنْ أردتُ العَشر، وإن أوفيتُ بالثمانيَ، فلا تَلُمْنِي، وتَقُلْ: هَذَا الرَّجُلُ مَا وفَّى.
وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِه: ﴿فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ أي: لا اعتداءَ عليَّ، وَهَذَا فِي الْحَقِيقَةِ يَتَوَجَّهُ؛ لِأَنَّهُ رُبَّما يَسأل سائل ويقول: كيف يقول: ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾، ثم يَسري عَلَيْهِ عُدْوَانٌ، والرَّجُل وَفَّى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهِ؟
نقول: ربما يكون عُدوانًا، بمعنى: إِنَّهُ إِذَا أَرَادَ إتمام الْعَشْرِ لَا يتركه يذهب، وإذا اقْتَصَرَ عَلَى التَّمَامِ يَتكلَّمُ بِهِ فِي المَجَالِسِ، والمُفَسِّرُ ﵀ يقول: [﴿فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ بِطَلَبِ الزِّيَادَةِ عَلَيَّ]، وهذا تَقَدَّمَ أَنَّهُ غَيْرُ صحِيحٍ؛ لِأَنَّ أَصْلَ طلب الزيادة غير وارد.
[ ١٣٠ ]
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّ اللَّهَ ﵎ حفيظٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ: جَوَازُ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ لغرض، أي جَوَازُ تَعْلِيقِ الشَّيْء العامِّ بأمرٍ خاصٍّ بغرض، ويُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾؛ فَإِنَّ هَذَا يَقْتَضِي تخصيصَ وَكالة اللَّهِ ﷾ بما قالاه فقط، وَلَكِنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ، إنما خُصِّص هذا لِغَرَضِ العِناية به.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ: جَواز إشهاد اللَّهِ عَلَى الْعَقْدِ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾، ولكن شَرْعًا لَا يُقْتَصَرُ عَلَى ذَلِكَ، فأنت تَشهد للَّه، لَا لغرضٍ آخَرَ، لكن باطنًا فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَبَيْنَ اللَّهِ يُكتفى به، ويستفيد الرَّجُلُ إِذَا أَشهَدَ اللَّهَ، أَوْ جعله الوكيلَ الحفيظَ المُراقِبَ، أَنْ يُذَكِّرَ بانتقام اللَّهِ مِنْهُ إِذَا خَالَفَ، أو خانَ.
فمَن أَشْهَدَ اللَّهَ، ثُمَّ خانَ، فَقَدِ استخفَّ به، وَهِيَ كَذَلِكَ فِي حَقِّ المخلوقين، ففي بالُك أَنْ تَكُونَ فِي حَقِّ اللَّهِ ﷿؟ !
واللَّه فِي كُلِّ حَالٍ شَاهَدٌ، سواء قُلنا، أَمْ لَمْ نَقُلْ، لكن استشهاده أَمْرٌ عَظِيمٌ، والتزام الإِنْسَان بمقتضى هَذِهِ الشَّهَادَةِ يكون أعظمَ، فَيَكُونُ فِيهِ توكيد للعَقد، إِذَا قُلْنَا: اللَّه شاهدٌ علينا أرأيتَ مَا عِنْدَنَا أحدٌ، لَكِنِ الآنَ نُريد نحن وأنت أن نُشهِد اللَّهَ أنه ﷾ هو الشاهد، إذا وافَقَ هَذَا يَكُونُ أَبْلَغَ فِي التَّأْكِيدِ؛ لأن مخالفته عُرضة للعقوبة، ولهذا قَلَّ مَنْ يَحْلِفُ بِاللَّهِ كَاذِبًا إلا أُصِيبَ فِي الدُّنْيَا قَبل الآخرة، وَفِي الْآخِرَةِ إصابتُه واضحة، وَهُوَ أَنَّهُ يَلْقَى اللَّهَ، وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ، لكن الغالب أنه تُعجَّل له الْعُقُوبَةُ فِي الدُّنْيَا، والقِصَصُ فِي هَذَا كَثِيرٌ.
فقد حدثني إنسان أَنَّه كان بَيْنهُ وَبَيْن شخصٍ خُصومة فِي الْخَارِجِ، فتخاصموا
[ ١٣١ ]
عِنْدَ الْقَاضِي، فأنكَرَ حَقَّهُ، وحَلَف المُدَّعَى عَلَيْهِ، لكنه فِي الْيَوْمِ التالي خرج هو وعائلته إلى الرياض فحصل لهم حادث، وماتت العائلة كلها، مَا بَقِيَ إِلَّا هُوَ، وهذه عُقوبة مُعَجَّلَة.
وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ السَّلَفِ أَنَّ الْيَمِينَ الغَمُوس تَدَعُ الدِّيارَ بلاقِعَ، أي: خاليةً مِنْ أَهْلِهَا، تُدَّمِر وتُهلِك، وَإِنَّمَا قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [أَيْ رِعْيَةٌ]؛ لِأَنَّ الْأَجَلَ، أو الزَّمان نَفْسَهُ لَيْسَ بِيَدِ موسى، بل الَّذِي بِيَدِهِ هو الرَّعْيُ.
* * *
[ ١٣٢ ]