الْفَائِدَةُ الأُولَى: أن فِرْعَون قد سيطر على قلوب قومه، ووَجْهُ ذَلكَ أَنَّ مِثلَ هَذَا الكَلَام لَا يُقبَل إلَّا مِن شَخص قد سَلَب عُقولَهم، وإلَّا خرج أيُّ وَاحِد منهم ليقول: أريد أَنْ أُصْبحَ إلها.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: تَمْوِيهُ فِرْعَونَ عَلَى قَومِه، وَأَنَّه مِن أَشَدّ النَّاس مَكرًا وحِيلةً؛ لقوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إثبات عُلُوِّ اللَّه، وناخذه مِن قَولِه: ﴿فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾، وَهَذَا دَليل عَلَى أَنَّ موسَى قَالَ لَه: إنَّ اللَّهَ في السَّمَاء.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن فرعَونَ كَانَ عظيمَ المُلْكِ في مملكته، وَكَانَ لَهُ وزراء يأمرُهم.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: إسنَاد الفعل إلَى الآمر به إذَا كَانَ لَهُ سلطَان، لقوله: ﴿فَاجْعَلْ
[ ١٨٩ ]
لِي صَرْحًا﴾، وَمَعلوم أَنَّ هامان لَم يُبَاشر البناء، بل باشَرَهُ العُمال، ولكنه نسبَ الفعل إلَيه؛ لأنَّه الآمِر به، ففيه إسنَاد الفعل إلَى الآمر به لمَن كَانَت لَهُ سُلطة الأمر.
والفقهاء ﵏ اعتبروا هذا، فقالوا: لَو أَمَرَ بالقَتل غيرَ مكلَّف، فَقَتَل، فالقَوَد عَلَى الآمِر؛ لأَنَّه لَو قَالَ رَجُل مَا لشاب لَم يَبلُغ بَعْدُ: اقتُل فلانًا. فذَهَب فقتلَه؛ فَإنَّ الَّذي يُقْتَلُ هو الآمِر؛ لأَنَّه هُوَ السَّبَب، وَالحُكم إلَيهِ.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ الفَخَّار أَقوَى مِنَ الطّين غير الموقَد عليه، يؤخَذ مِن قوله: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾ وَقَد يَكون فِرْعَون أَوَّل مَن اخترع هذا الطين، وَقَد يَكون الأَمر مَعلوما مِن قَبل.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: طغيان فِرْعَون، واستِكْباره، حَيث ذَكَرَ الربَّ ﷾ بصيغة الإذلال في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ فنسبه إليه؛ احتقارًا له؛ لأنَّه يحتقر موسى.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنَّ فرعَون مِن أَكْذَبِ النَّاس؛ لقوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾، ولقوله: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾.
* * *
[ ١٩٠ ]