الْفَائِدَةُ الأُولَى: جَواز التعليق بالشرط فيما هو مُحَقَّق الوُقوع، وَهَذَا في قَوْلهِ تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾ هذا مُحَقَّقُ الوقوع، فليس فيه احتمال أَنْ يستجيبوا، فيجوزُ تعليق الشَّيْء المحقق بالشرط، وَلَو كَانَ مُحَقَّقًا أنه لن يكون، وكذلك لَو كَانَ محققًا أنه كائِنٌ، فإن الانتفاءَ هنا كائن لا مَحَالَةَ، ومع ذلك عُلِّقَ بالشرط، وفي الحَدِيث عن النَّبيِّ ﵊ قال: "وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ" (^١)، في قَوْلِهِ لأهل المقابر، وَمَعْلُوم أَنَّ هَذَا الأَمر مُحَقَّق.
_________________
(١) أخرجه مسلم: كتاب الجنائز، باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها، رقم (٩٧٤، ٩٧٥).
[ ٢٣٩ ]
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنّ هؤُلاءِ المكذبين للرسول -ﷺ- ليست عندهم حُجة سوى اتباع أهواءهم؛ لقوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: عَدَمُ مجُادَلة المُتَّبعِ هَواهُ المُكَابِر، فليس هناك سبيلٌ لإقناعه، فهو يريد أَنْ ينتصر لنفسه فقط، ويَتَّبع هَواه، فما دام الرَّجُل صاحِبَ هَوًى، فالجِدال معه لا فائدة منه، قَالَ تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾، فإذا بَيَّنْتَ للإنسان الحَقَّ، وَوَضَّحْتَه بأَدِلَّتِه النَّقلية والعقلية والحِسية حَسَب مَا هُوَ موجود مِن الأدلة، ولكنه أصرَّ على أَنْ يَبقَى عَلَى مَا كَانَ عليه؛ فاعلَم أنه يَتَّبعُ الهوى، والمُتَّبع الهوى مُشْكِل، فما هو بالذي يطلب الهدى، ولا بالذي يريد أَنْ ينتفع.
ولهذا نقول في هَذَا الحال: لا يجِبُ على المرْءِ مُجادلتُه، وإنما ينتقل إلى شيْءٍ آخَرَ، وهو معاقبتُه، قَالَ تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦]، فالمُعانِد غَيْرُ مَن يريد اتّبَاعَ الحَقِّ، ولم يظهر له، والمُعانِد لَهُ حَالٌ، وَقَد قَالَ اللَّهُ ﵎: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى: ٩]، يعني: وإن لم تنفع فلا تُذَكِّر، وهذه تقدم الكلام عليها، وهذا الشرط لَيسَ لَهُ مفهوم.
فالأصل أَنَّك إذَا جادلته أمامَ النَّاس اتضح الحقُّ، وَلَكن إذَا تكلم بالباطل أمامَ النَّاس، وَجَبَ عليك إظهارُ الحق مُقابِلَ باطِلِه الذي يَنْشُرُه، فإن لم يقتنع بالحق الذي معك، فاعلم أنَّه لَا فائدة مِن جداله.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: اختلاف النَّاس في الضَّلال، فليسوا على حَدٍّ سَواء في الضَّلَال، كما أنهم لَيسُوا عَلَى حدٍّ سواء في الهدى، وليسوا على حَدٍّ سَوَاءٍ في الغَيِّ، وليسوا عَلَى حَدٍّ سَوَاء في الرُّشد، وَلهَذَا قَالَ: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ الهوَى قَد يَكونُ موافقًا للهُدى، نأخُذه مِن قَولِه تعالى:
[ ٢٤٠ ]
﴿اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ أمَّا مَن اتَّبَع هواه بِنَاء عَلَى هدًى مِن اللَّه، فهذا طَيِّب، أَنْ يَكونَ هواه تَبَعًا لمِا جَاءَ به الحَقُّ، وَقَد ذَكَرنَا لكم حديثًا مَرْوِيًّا عَن النَّبيِّ ﵊: "لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّي يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ" (^١).
فالحاصِلُ: أن الهوى المذموم هُوَ الَّذي لَيسَ عَلَى هُدًى.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ الظَّالمِ قد عَرَّض نفسه لحرمانه مِن الهُدى، أو إِنْ شئتَ فقل: إِنَّ الظُّلمَ سبب لحرمان الظَّالمِ مِن الهُدى؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: فيها رَدٌّ على القَدَرِيَّة الذين يُنكرون قَدَرَ اللَّهِ بالنِّسبة للأفعال، ورَدٌّ على الجَبْرِيَّة الجَهْمِيَّة الَّذينَ يَقولُونَ بعكس ذلك، والجهميةُ مِن مذهبهم الجَبْرُ، وفيهم ثلاثُ جِيمَاتٍ، كَمَا قَالَ ابن القيم في النُونِيَّة (^٢):
جَبْرٌ وَإِرْجَاءٌ وَجِيمُ تَجَهُّمٍ فَتَأَمَّلِ المَجْمُوعَ فِي المِيزَانِ
فهم جَبْرِيَّةٌ مُرجِئَةٌ جَهْمِيَّة.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنَّ مَن تَحَرَّى العَدْلَ فَإنَّهُ قَد تَعَرَّض للهداية؛ لأنَّ الظُّلم ضِدُّه العدل، وانتفاء الهداية بِوَصْفِ الظُّلم يقتضي ثُبوتَ الهداية بوصف العدل، فمن تحرّى العَدْلَ، فإنه يُوَفَّق للهداية، فالعدلُ سببٌ للهداية، وهكذا كُلُّ مَن تحَرَّى الخيرَ -لكن عسى اللَّه أن يُوَفِّقَهُ لِتَحَرِّيه- فإنه يُوَفَّق له إذَا كَانَت النية صادقة، والعزم أكيدًا.
* * *
_________________
(١) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (١/ ١٢، رقم ١٥).
(٢) نونية ابن القيم (ص ١٦٦).
[ ٢٤١ ]