الْفَائِدَةُ الأُولَى: أَنَّ المُؤمِنينَ مِنْ أَهْلِ الكتَاب لهم أَجْرَانِ: الأجرُ الأول الإِيمَان بكتابهم، والثَّاني: الإِيمَان بالقُرْآن.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إثباتُ عَدْلِ اللَّهِ ﷾؛ حَيث لَم يُضَيِّع أجرَهم الأول بالأجر الثَّاني، ولا الأجْرَ الثَّانيَ بالأجر الأول.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ الثَّوَابَ عَلَى قَدْرِ العَمَل، قَالَ تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ
[ ٢٦٥ ]
ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨].
فهؤُلاءِ كان ثوابُهم مَرَّتَيْنِ؛ لأَنَّهم عَمِلُوا مَرَّتَيْنِ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: إثبات الأَسْباب والعِلل؛ لقوله: ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: فَضِيلَةُ الصَّبْر، طالما أَنَّ الصَّبرَ سببٌ للأجر؛ فَلَا شَكَّ أَنَّه صِفَة حميدة، وفاضلة.
وَقَد ذَكَرنَا قَبلَ ذَلكَ أَنَّ الصَّبرَ يَنقَسم إلَى ثَلَاثَةِ أَقسَام:
صَبرٌ عَلَى طَاعَةِ اللَّه، وصَبرٌ عن مَعصيَةِ اللَّه، وصَبرٌ على أقدار اللَّه، وأنَّ أَفْضَلَهَا أَوَّلهُا، ثم الثَّاني، ثم الثالث.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أَنَّ الحَسَنَاتِ لُذْهِبْنَ السَّيّئَات؛ لقوله: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أَنَّه يَنبَغي مقابَلةُ المسيءِ بالإِحْسَان، فالحسناتُ يُذْهِبْنَ السيئاتِ، فالآية -كَمَا قُلنَا- عامَّه لِدَرْئِه سيئاتِهم بحَسَنَاتِهم، ودَرْئِهم سيئاتِ غَيْرِهِم بالإحسَان إلَيهمْ، وَأَتَيْنَا لذلك بشاهِدٍ مِنَ القُرْآن، لكن دَرْءُ سيئات الآخرين بالإِحْسَان إلَيْهِم ثقيلٌ عَلَى المَرْءِ جِدًّا، وَلهَذَا قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٥].
وأكثرُ النَّاسِ يَقُول: واللَّهِ لَأَكِيلَنَّ له الصَّاعَ بالصَّاعَين، والصَّفْعَةَ بالصَّفْعَتَيْنِ، لكن الأمر لَيسَ كَذَلكَ، قَالَ تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، فكانت النتيجة: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤]، وأتى بـ (إذَا) الفُجَائِيَّة؛ للدَّلَالَة عَلَى أَنَّ هَذَا الأَمرَ يتحول بسرعة، فهذا العَدُوُّ يتحول بسرعة ﴿كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾،
[ ٢٦٦ ]
يعني: صديق قريب لك.
وهَذَا يَنبَغي أَلَّا يَكونَ مَظْهَرَ عَجْزٍ في المرء؛ فَإن كَانَ مَظْهَرَ عَجْزٍ في المرء فَلَا يَنبَغي؛ لأَنَّ اللَّهَ تعالى يَقول: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١]، وَلَو كَانَ فَاسقًا، هذا بالنِّسبة لِحَقِّكَ الخاصِّ، أَمَّا بالنِّسبة لحَقِّ اللَّهِ فَلَا، بل يُعَامَلُ بمَا يَقتَضِيه الشرعُ.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: فَضيلَةُ الإنفَاق مِن رِزق اللَّه لقَوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أَنَّ المنفِقَ لَمْ يُنفق ممَّا صَنَعَه، أو اكتسبَه بنفسِه، ولكن يُنفق مِن رزق اللَّه، فاللَّهُ هُوَ الَّذي رَزَقَك، وَهُوَ الَّذي أَمَرَكَ، فَأَنتَ في الحَقيقَة خادِمٌ، عَبْدٌ مُتَصَرِّفٌ حَسَبَ أَمْرِ سَيِّدِكَ، قَالَ لَك: اكْتَسِبْ. فَاكْتَسَبْتَ، قَالَ لَك: أَنْفِقْ. فَأَنْفَقْتَ.
الْفَائِدَةُ العَاشِرَةُ: قوُله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾، وقولُه في وَصْفِ عِبَادِ الرَّحمَن: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧]، وَبَينَ قَولِه: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩]، نَجمَع بَينَهَما بأَنَّ غالِبَ أَحوَالِ النَّاس أَلَّا يُنْفِقُوا جَميعَ أَموَالهم؛ لأن إنفَاق جَميع المَال قَد يَكون مُضِرًّا بهم، لَكِن في بَعضِ الأحيان يكون إنفَاقُ جَميعِ المَالِ محمودًا، فلهذا قال: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ فلا تُنْفِق، ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ فتنْفِق كُلَّ مَا عندَك.
لكن النُّصوص الأُخْرَى تَدُلُّ عَلَى أَنَّ المَسأَلةَ مَبنيَّةٌ عَلَى تَغَيُّرِ الحُكم بِتَغَيُّرِ الأحوالِ، فَقَد يَكونُ الأفضلُ إنفَاقَ جَميع المَال، وَقَد يَكون مِنَ الأفضل إنفاقُ بَعْضِه.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أنَّ الإنفَاقَ مِن رِزْقِ اللَّهِ ﵎ محمودٌ، في قَوْلِهِ: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾.
[ ٢٦٧ ]
والرزق -كما عَرَفْنَا في بَابِ العقيدة- لَا يَجتَمِع مِن حلالٍ وَضِدِّه.
يقول السَّفَارِينِيُّ (^١):
وَالرِّزْقُ مَا يَنْفَعُ مِنْ حَلَالِ أَوْ ضِدِّهِ فَحُلْ عَنِ المُحَالِ
وضِدُّ الحلال هو الحرامُ، فلا يُحمد الإنسَان إذَا أَنفَقَ مِن حَرَام؛ لأَنَّه مَا يُثاب عليه، والواجب عَلَيه أَنْ يَرُدَّ الشَّيْء، ويتخلص منه، لَكنَّ المرَادَ هنا بالرّزق الَّذي يُحمد عَلَى الإنفَاق منه إذَا كَانَ رزقًا حلالًا، أَمَّا مَن اكتسب شيئًا حرامًا؛ فَإنَّ النَّبيَّ ﵊ قال: "إِنَّ اللَّهَ قَسَمَ بَيْنَكُمْ أَخْلَاقَكُمْ، كَما قَسَمَ بَيْنكُمْ أَرْزَاقَكُمْ، وَإِنَّ اللَّهَ ﷿ يُعْطي الدُّنْيَا مَنْ يُحِبُّ، وَمَنْ لَا يُحِبُّ، وَلَا يُعْطي الدِّينَ إِلَّا لمِنْ أَحَبَّ، فَمَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ الدِّينَ، فَقَدْ أَحَبَّهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يُسْلِمُ عَبْدٌ حَتَّى يَسْلَمَ قَلْبُهُ وَلِسَانُهُ، وَلَا يُؤْمِنُ حَتَّى يَأْمَنَ جَارُهُ بَوَائِقَهُ"، قَالُوا: وَمَا بَوَائِقُهُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ: "غَشْمُهُ وَظُلْمُهُ، وَلَا يَكْسِبُ عَبْد مَالًا مِنْ حَرَامٍ، فَيُنْفِقَ مِنْهُ فَيُبَارَكَ لَهُ فِيهِ، وَلَا يَتَصَدَّقُ بِهِ فَيُقْبَلَ مِنْهُ، وَلَا يَتْرُكُ خَلْفَ ظَهْرِهِ إِلَّا كَانَ زَادَهُ إِلَى النَّارِ، إِنَّ اللَّهَ ﷿ لَا يَمْحُو السَّيِّئَ بالسَّيِّئِ، وَلَكِنْ يَمْحُو السَّيِّئَ بِالحَسَنِ، إِنَّ الخَبِيثَ لَا يَمْحُو الخَبِيثَ" (^٢).
وَهَذَا يَدلُّ عَلَى أَنَّ الإنفَاقَ مِنَ المُحَرَّمِ لَا يَنفَعُ المرءَ، لكن ينفعه إذا أنفقه يُريد التخلُّص منه، بمَعنَى أَنَّه لَا يَلحَقُه شَيء مِن جَرَّائه، وينفعه؛ لأن إنفاقه للتَّخَلُّص منه تَوْبَةٌ، والتوبةُ تنفع العبد.
* * *
_________________
(١) لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية، لشمس الدين محمد بن أحمد بن سالم السفاريني الحنبلي (١/ ٣٤٣).
(٢) أخرجه أحمد (١/ ٣٨٧، رقم ٣٦٧٢).
[ ٢٦٨ ]