الْفَائِدَةُ الأُولَى: أَنَّ الْإِنْسَانَ يَكُونُ عَلَى حَالٍ، فَإِذَا نَزَلَ بِهِ البلاء تغير حالُه، فهذه أُمِّ مُوسَى كَانَتْ فِي البداية مطمئنة، ولذلك وضعته فِي التَّابُوتِ، ثم وضعته فِي الْيَمِّ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَعْلَى دَرَجَاتِ الطُّمأنينة، ولكنها أصبحت بعدما فارقته كَمَا قَالَ تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾، فَقَدْ صَارَ قلبُها الآن فارغًا، وأصبحت قَلِقَةً، كأنه ليس فِي الدُّنْيَا سِوى ابنِها، فالواقع أَنَّ الْإِنْسَانَ لَهُ حَالٌ قَبْلَ نُزُولِ الْبَلَاءِ، وله حالٌ بَعْدَ نزُولهِ، وَلِهَذَا لَا يَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُعَرِّضَ نَفْسَهُ للبلاء.
يُذكَر أَنَّ سَمْنُون بْنَ حَمْزَةَ، وَهُوَ أَحَدُ مشايخ الصوفية، وَكَانَ عَلَى دَرَجَةٍ عالية مِنَ الْعِبَادَةِ والزهد، وَلَكِنَّهُ قَالَ يَوْمًا:
فَلَيْسَ لِي فِي سِوَاكَ حَظٌّ فَكَيْفَمَا شِئْتَ فَامْتَحِنِّي
فابتُليَ بِحَبْسِ البَول، فَلَمْ يَقَرَّ لَهُ قرارٌ، فكان بعد ذلك يطوف عَلَى المَكَاتب وبِيَدِه قارورةٌ يقطُر منها بوله ويقول للصبيان: ادعوا لِعَمِّكم الكذاب (^١). وذلك لِأَنَّ
_________________
(١) حلية الأولياء، لأبي نعيم (١٠/ ٣٠٩)، وتلبيس إبليس، لابن الجوزي (ص ٣٠٦).
[ ٤٧ ]
الصِّبْيَانَ تُرجَى إجابة دعوتهم.
فالمهم: أَنَّ الْإِنْسَانَ لَهُ قَبْلَ البلاء حالٌ، وبَعد البلاء تتغير حالُه، وهكذا أَيْضًا فِي الْأُمُورِ الشرعية، فالنَّبيّ ﵊ قال: "مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ عَنْهُ، فَوَاللَّهِ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَأْتِيهِ وَهُوَ يَحْسِبُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ فَيَتَّبِعُهُ، مِمَّا يَبْعَثُ بهِ مِنَ الشُّبُهَاتِ"، أَوْ "لمِا يَبْعَثُ بِهِ مِنَ الشُّبُهَاتِ" (^١).
وَهَذَا هُوَ الواقع، فالْإِنْسَانُ يَجِبُ أَنْ يتحرَّز مِنَ الْبَلَاءِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّهُ قَالَ: "لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ". قَالُوا: وَكَيْفَ يَذِلُّ نَفْسَهُ؟ قَالَ: "يَتَعَرَّضُ مِنَ البَلَاءِ لمِا لَا يُطِيقُ" (^٢).
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: فِيهَا دَليلٌ عَلَى أَنَّ الطبيعة البشرية لَا يُؤَاخَذُ بِهَا المرء، فما تقتضيه الطبيعة البشرية لا يؤاخذ به المرء، ووجه ذَلِكَ أَنَّ فؤاد أُمِّ مُوسَى كَانَ يَنْبغي أَلَّا يَكُونَ فَارِغًا مِنْ ذِكر اللَّهِ ﷿ ومِن الدَّار الآخرة، لكنه أصبح فارغًا، لَيْسَ فِيهِ شيءٌ أبدًا لِذِكْرِه، سوى ذِكر موسى، وهذا مقتضى الطبيعة البشرية؛ لِأَنَّ الْأُمُورَ العظيمة التي تنزل بالمرء تُنسيه كُلَّ شيء.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى فَضِيلَة أُمِّ مُوسَى -﵂-؛ لكونها لم تُبْدِ مَا فِي قلبها لأحد، لقوله: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ المَرْءَ مُفْتَقِرٌ إِلَى اللَّهِ ﷾ فِي كُلِّ أحواله،
_________________
(١) أخرجه أحمد (٤/ ٤٣١)، أَبو داود: كتاب الملاحم، باب خروج الدجال، رقم (٤٣١٩).
(٢) أخرجه الترمذي: كتاب الفتن، بعد باب ما جاء في النهي عن سب الرياح، رقم (٢٢٥٤)، وابن ماجة: كتاب الفتن، باب قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، رقم (٤٠١٦)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
[ ٤٨ ]
وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ نُزُولِ الحوادث؛ لقوله: ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾، فالإِنْسَان مُفْتَقِرٌ إِلَى اللَّهِ ﷿، ولولا معونةُ اللَّهِ مَا فَعَلَ الإِنْسَانُ شيئًا، لا صَبَرَ عَلَى بلاء، ولا شُكر عند الرخاء.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى إِثْبَاتِ العِلل والأَسْباب؛ لقوله: ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فهناك مَنْ يُنْكِرُ الأَسْباب والعِلل، وهُم الجَهميَّة والأشاعرة، فهُم يُنكرون حتَّى الأَسْباب الظَّاهرة الجليَّة، ويقولون: إِنَّ الشَّيْء يَحْدُثُ عِنْدَهُ لَا بِهِ، فلو أخذتَ حَجرًا وضربتَ به الزُّجاج وانكسر، فلا يقولون: إِنَّ الزجاج انكسر بالحَجَر، بل انكسر عنده. مع أَنَّك إِذَا وَضَعْتَ الحجَرَ عَلَى الزجاج لا ينكسر، وَلَكِنْ إِذَا ضربتَه به انكسر.
وكذلك عند تناوُل المريض الدواءَ، هُم يَدْعُون: (اللهم اجعل شفائي عند الدواء). وذلك بِنَاءً عَلَى إنكارهم الأَسْباب، نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: فِي قَوْلِهِ: ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الإِيمَان والكمال فِي الرِّجَالِ أكثرُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ: لِتَكُونَ مِنَ المُؤْمِنَاتِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُ تعالى فِي مَرْيَمَ: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢]، وَلِهَذَا جَاءَ فِي الحْدِيثِ: "كَمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَونَ، وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ" (^١).
ولا ريب أَنَّ الْإِيمَانَ فِي الرِّجَالِ أكثرُ وأثبتُ وأزيدُ، فَفِي الحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-:
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب أحاديث الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾ [التحريم: ١١]، إلى قوله تعالى: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢]، رقم (٣٤١١)، ومسلم: كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل خديجة أم المؤمنين -﵂-، رقم (٢٤٣١).
[ ٤٩ ]
"مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ" (^١).
وإنَّما قَرَّرْنا هَذَا مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ مُراعاةُ المرأة، وأنها محُتاجَةٌ إِلَى الرعاية، وَكَذَلِكَ يَجِبُ ألَّا تُجاب إلى كُلِّ مَا تطلُب؛ لأنَّها ناقصةُ عَقْلٍ، وناقصةُ دِين، كما وصفها النَّبِيُّ ﵊ بذلك.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى إِثْبَات الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ، نأخُذه مِنْ قَوْلِهِ تعالى: ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾؛ فَإِنَّ هَذَا مِن قضاء اللَّهِ ﷾ وقَدَرِه.
وَلَا يَصِحُّ أَنْ نَشْتَقَّ للَّه اسْمًا مِنَ الفِعل المُسنَد إليه ﴿رَبَطْنَا﴾ فنقول: الرابِط. لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ فِي الكون هُوَ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ ﷿ ومن تقديره، وَلَا يَجُوزُ أَنْ نشتق لِكُلِّ فِعْلٍ مِنْ أَفْعَالِ اللَّه اسمًا، فأفعالُ اللَّهِ ﷾ متنوعة وكثيرة، والفعل يَخْتَلِفُ عَنِ الاسم، فَقَدْ يَكُونُ الْفِعْلُ مُقَيَّدًا، مِثْلَ قَوْلِهِ تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٠]، فلا نَشْتَقُّ اسْمًا مِنْ هَذَا الْفِعْلِ ونقول: الماكر مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ. وَكَذَلِكَ قَوْله: ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] فلا نُسميه خادعًا، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥]، فَلَا نَقُولُ: إنه مستهزئ. وهكذا، فَهَذِهِ كُلُّهَا أفعالٌ مُقَيَّدَةٌ فِي أنواعها، وَلَكِنْ يجُوزُ أَنْ نَقُولَ: إِنَّ اللَّهَ مستهزئ بالمنافقين، وإِنَّ اللَّهَ خادع المنافقين، وإِنَّ اللَّهَ ماكِرٌ بالماكرين، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
* * *
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الحيض، باب ترك الحائض الصوم، رقم (٣٠٤)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات، وبيان إطلاق لفظ الكفر على غير الكفر باللَّه، رقم (٨٠).
[ ٥٠ ]