الْفَائِدَةُ الأُولَى: فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، إثبات أَنَّ الرُّسُلَ -عليهم الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- قد يخطئون، ولكن يَكُونُ ذَلِكَ قَبْلَ الرِّسالَة، لَكِنْ لَا يَقَعُ منهم فسادُ الأخلاق وشُرب الخمور، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، أما الغَيْرَةُ والحَمِيَّة فهذا قَدْ يَقَعُ منهم.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إثبات هذين الاسمين مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ: الغَفُور والرَّحيم، وإثبات الاسم -كما مَرَّ علينا- فِي أُصُولِ العقيدة يتضمن ثَلَاثَةَ أُمُورٍ: إِذَا كَانَ الِاسْمُ مُتعديًا، وأَمْرَيْن إِذَا كَانَ لازمًا، يتضمن إِثْبَاتَ هَذَا الِاسْمِ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ، وإثباتَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ مِنْ صِفَةٍ، وإثباتَ الأثَرِ، وهو تَعَدِّيهِ إِلَى المَخْلُوقِ، مثلًا: الْغَفورُ الرَّحِيمُ، يتضمن ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ: إثبات الْغَفُور الرَّحِيم عَلَى أَنَّهُمَا مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ، وإثبات صِفَتَي المَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ للَّهِ ﷾، وإثبات الأثر المترتب عَلَى ذَلِكَ، وأنه يَغفر ويَرحم.
[ ٧٤ ]
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ دَليلٌ عَلَى إِثْبَاتِ الأَسْباب، وَذَلِكَ لِأَنَّ (الفاء) هنا سببية، يعني: فبِسَبب ظُلم نفسي، فإني أسألك أن تَغْفِرَ لِي.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿فَغَفَرَ لَهُ﴾ استجابة اللَّهِ ﷾، وَمَا تَضَمَّنَتْهُ هَذه الاستجابة مِنْ صِفَاتٍ؛ لأن الاستجابة تتضمن السمع والعِلم والقُدرة والغِنى، فإذا استجاب اللَّهُ لإنسان فمَعْنَاهُ أنَّهُ كَانَ قَدْ سَمِعَهُ، وعَلِمَ بحاله، وقَدَرَ عَلَى إِعْطَائِهِ سُؤْلَهُ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: إثباتُ كَرَمِ اللَّهِ؛ لقوله تعالى: ﴿فَغَفَرَ لَهُ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: جَوازُ التوسُّل إلى اللَّهِ ﷾ بحالِ الدَّاعي، ويُؤخَذ مِنْ قَوْلِهِ تعالى: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾، فالظَّالِم لنفسه مُحْتَاجٌ إِلَى مَن ينصحُه، فهو توسَّلَ إلى اللَّهِ ﷾ بحال الدَّاعي، وَمنْهُ قَوْلُهُ ﷾ عَنْ مُوسَى: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤].
والتوسُّل إلى اللَّهِ ﷾ يكون بحالِ الدَّاعي، ويكون بِالثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وكذلك بأفعاله، التي يُنعم بها، وَقَدِ اجْتَمَعَ الْجَمِيعُ فِي تَعْلِيمِ النَّبِيِّ -ﷺ- لِأَبِي بَكْرٍ عندما قَالَ لَهُ: عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي؟ قال: "قل: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أنتَ، فَاغْفِرْ لي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ" (^١).
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: إثبات أَنَّ الدُّعَاءَ سببٌ، خِلَافًا لمَنْ أَنكَرَ سببيته.
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الأذان، باب الدعاء قبل السلام، رقم (٨٣٤)، ومسلم: كتاب الذكر والدعاء، باب استحباب خفض الصوت بالذكر، رقم (٢٧٠٥).
[ ٧٥ ]
فقد يَقُولَ قَائِلٌ: إِنَّ الشَّيْء إِنْ كَانَ قَدْ كُتِب لِي، لَمْ يَحْتَجْ إِلَى دعاء، وَإِنْ كَانَ لَمْ يُكْتَبْ لِي، فَلَا فَائِدَةَ مِنَ الدُّعَاءِ.
والجواب عَلَى ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: هو مكتوب لك بالدُّعاء، مكتوب لك بِهَذَا الشَّرْطِ بالدُّعاء، مثلًا لَا يَقُولُ قَائِلٌ: أَنَّا لَا أدعو؛ لأن المكتوب لَا بُدَّ أَنْ يَحْصُلَ، وَمَا لَا يُكْتَبُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَحْصُلَ. فَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لأَنَّه مكتوب لك بِهَذَا السَّبَبِ.
كما لَوْ قَالَ قَائِلٌ: أنا لن أتزوج، إِنْ كَانَ اللَّهُ قَدَّرَ لِي ولدًا فسيكون، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ قَدَّرَ لي ولدًا، فَلَا فَائِدَةَ مِنَ الزَّوَاجِ. نقول: ولكنه مقدر بالزواج، فَهَذِهِ الْأُمُورُ الغيبية مِثل الأُمُور المشاهدة، كَمَا أَنَّ الْأُمُورَ المشاهدة لَا تَصْلُحُ إِلَّا بفعل الْأَسْبَابِ الَّتِي تُوصِلُ إليها، فكذلك الأُمُور الغائبة لَا تَصْلُحُ.
إذن نقول: لَا تَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا؛ لأَنَّك إِذَا كُنْت مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فإنك سَتَكُونُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كُنْت مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فلن تَكُونَ إِلَّا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فيقال: أنت تَكُونُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ بعملك.
ولهذا لمَّا قَالَ الرَّسُولُ -ﷺ- لأصحابه: "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدِ إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ إِمَّا فِي الْجَنَّةِ أَوْ فِي النَّارِ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أفلَا نَدَعُ العَمَلَ وَنَتَّكِلُ عَلَى الْكِتَابِ؟ قَالَ: "لَا، اعْمَلُوا، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لمِا خُلِقَ لَهُ"، أو: "فكُلٌّ مُيَسَّرٌ"، ثُمَّ تَلَا قَوْلَهُ تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ١٠] (^١).
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب تفسير القرآن، باب قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾، رقم (٤٩٤٥)، ومسلم: كتاب القدر، باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته، رقم (٢٦٤٧).
[ ٧٦ ]
فَفِي هَذِهِ الآيَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الآيَاتِ الكثيرة دَلِيلٌ عَلَى تأثير الدُّعَاءِ فِي حُصُولِ المطلوب؛ لِأَنَّ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ فَهُوَ فِي الحقِيقَةِ مُكابر، أَوْ جَاهِلٌ.
* * *
[ ٧٧ ]