الْفَائِدَةُ الأُولَى: هَذِهِ الْآيَةُ -كما مر علينا- مِنَ الْعُلَمَاءِ مَن يقول: إنها دعاء. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إنها خبرٌ بمعنى: التزام.
فَإِنْ قِيلَ: إنها دعاء؛ فإنه يُستفاد منها ما يُستفاد مِنَ الآيَةِ السَّابِقَةِ، فيستفاد جَواز التوسُّل بِنِعَمِ اللَّهِ ﷿؛ لِأَنَّ قَوْلَه: ﴿بِمَا أَنْعَمْتَ﴾ أي: بسبب إنعامك عليَّ.
وَإِنْ قِيلَ: إنها التزامٌ، فإنها تَدُلُّ عَلَى شُكْرِ النِّعْمَ، وَإِنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا أنعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ يَجِبُ أَلا يَكُونَ عَوْنًا بهذه النعمة للمجرمين.
وقلنا: إِنَّ المَعْنَى الثَّانِيَ أقربُ وأرجح؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرُ الآيَةِ، وَلَا يَنْبَغِي الْعُدُولُ عَنْ ظاهرِها، وإنْ كَانَتْ تحتمل المَعْنَى الثَّانِي.
فيستفاد منها إذن كمالُ مُوسَى ﵊؛ حيث التزم للَّهِ تعالى شُكْرًا عَلَى نِعْمَتِهِ بألَّا يكون ظهيرًا للكافرين والمجرمين.
[ ٧٨ ]
الْفَائِدَةُ الثَّانِيةُ: فِيهَا دَليلٌ عَلَى أَنَّ مُظاهرة المجرم تُنافي الشكر، فَهِيَ محُرمَةٌ؛ لأنَّها إجرامٌ حقيقةَ، بَلْ تَكُونُ مساعدة المجرم بمنع إجرامه، وَلذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: "انْصُرْ أَخَاكَ ظَالمًا، أَوْ مَظْلُومًا". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا الظَّالمُ فكَيْفَ نَنْصُرُ المَظْلُومَ؟ قَالَ: "تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلُمَ" (^١).
* * *
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب المظالم والغصب، باب: أعِن أخاك ظالمًا أو مظلومًا، رقم (٢٣١٢).
[ ٧٩ ]