نفسك فيه، وإذا رأيت من صاحبك المجادلة فقل له: "تأمل الموضوع" وسدَّ الباب.
(وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا) أي ولا تستفت في أهل الكهف (مِنْهُمْ) أي من الناس سواءٌ من أهل الكتاب أم من غيرهم أحدًا عن حالهم وزمانهم ومكانهم، وفيه إشارة إلى أن الإنسان لا ينبغي أن يستفتي من ليس أهلًا للإفتاء، حتى وإن زعم أن عنده علمًا فلا تَسْتَفْتِهِ إذا لم يكن أهلًا.
***
(وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا) (الكهف: ٢٤)
قوله تعالى: (وَلا تَقُولَنَّ) الخطاب هنا للرسول ﷺ كالخطاب الذي قبله (لِشَيْءٍ) أي في شيء (إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا) ذكروا (^١) أن قريشًا أرسلت إلى اليهود في المدينة وقالوا: إن رجلًا بعث فينا يقول: إنه نبي، فقالوا: اسألوه عن ثلاثة أشياء:
١ - عن فتية خرجوا من مدينتهم ولجأوا إلى غار، ما شأنهم.
٢ - وعن رجل مَلَكَ مشارق الأرض ومغاربها.
٣ - وعن الروح، ثلاثة أشياء؛ فسألوا النبي ﷺ عن
_________________
(١) ورد هذا في السير في رواية لمحمد بن إسحاق، انظر: "السيرة النبوية" (١/ ٢٥ - ٢٦٦) لابن هشام، وانظر تفسير ابن كثير (٣/ ٩٩)، والقرطبي (١٠/ ٣٤٦ وما بعدها) في سبب نزول السورة.
[ ٤٤ ]
أصحاب الكهف، فقال: "أخبركم غدًا"، فتوقف الوحي نحو خمسة عشر يومًا، لم ينْزل عليه الوحي، والنبي ﷺ لا يدري عن قصص السابقين كما قال تعالى: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ) (العنكبوت: ٤٨). ولكن الله اختبره، فأمسك الوحي خمسة عشر يومًا، كما ابتلى سليمان ﵊ لما قال: "لأطوفن الليلة على تسعين امرأة تلد كل واحدة منهن غلامًا يقاتل في سبيل الله"، فقال له الملك: "قل إن شاء الله". فلم يقل وطاف على تسعين امرأة يجامعهن، وما الذي حصل؟ أتت واحدة منهن بشق إنسان (^١)، حتى يُري الله عباده أن الأمر أمره وأن الإنسان مهما بلغ في المرتبة عند الله تعالى والوجاهة؛ فإنه لا مفر له من أمر الله.
مكث الوحي خمسة عشر يومًا، ومن المعلوم أن النبي ﷺ سيلحقه الغم والهم لئلَّا يتخذ هؤلاء القوم مِن تأخرِ إخباره بذلك وسيلةً إلى تكذيبه، والحقيقة أن هذا ليس وسيلة للتكذيب، يعني
_________________
(١) عن أبي هريرة قال رسولا الله ﷺ: " قال سليمان: لأطوفن الليلة على تسعين امرأة كلهن تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله، فقال له صاحبه: قل إن شاء الله فلم يقل إن شاء الله فطاف عليهن جميعا، فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل، وايم الذي نفس محمد بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسانا أجمعون" متفق عليه. البخاري: كتاب الأيمان والنذور، باب: كيف كانت يمين النبي ﷺ، (٦٦٣٩). مسلم: كتاب الإيمان، باب: الاستثناء. (١٦٥٤)، (٢٥). واللفظ للبخاري.
[ ٤٥ ]
قد يقولون وعدَنا محمد بأن يخبرنا غدًا ولم يفعل فأين الوحي الذي يدّعي أنه ينْزِل عليه؟ ولكن نقول: إنَّ تأخر الوحي وتأخر إخبار النبي ﷺ بذلك يدل على صدقه، لأنه لو كان كاذبًا لصنع قصة فيما بين ليلة وضحاها، وقال: هذه قصتهم، فتأخر الوحي والنبي ﷺ لم يخبرهم يدل على كمال صدقه ﵊.
(وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا) إلَاّ قولًا مقرونًا بمشيئة الله، فقرْنُ ذلك بمشيئة الله يستفيد منه الإنسان فائدتين عظيمتين:
إحداهما: أن الله ييسر الأمر له حيث فوضه إليه جلَّ وعلا.
والثانية: إن لم يفعل لم يحنث.
فيستفاد من قوله: (إِنِّي فَاعِلٌ) أنه لو قال: سأفعل هذا على سبيل الخبر لا على سبيل الجزم بوقوع الفعل، فإن ذلك لا يلزمه أن يأتي بالمشيئة، يعني لو قال لك صاحبك: "هل تمر عليَّ غدًا؟ " فقلت: "نعم" ولم تقل: إن شاء الله فلا بأس لأن هذا خبر عما في نفسكَ، وما كان في نفسك فقد شاءه الله فلا داعي لتعليقه بالمشيئة، أما إن أردت أنه سيقع ولا بد فقل: إن شاء الله، وجه ذلك أن الأول خبر عمَّا في قلبك، والذي في قلبك حاضر الآن، وأما أنك ستفعل في المستقبل فهذا خبر عن شيء لم يكن ولا تدري هل يكون أو لا يكون، انتبهوا لهذا الفرق؛ إذا قال الإنسان: سأسافر غدًا، فإن كان يخبر عمَّا في قلبه فلا يحتاج أن يقول: إن شاء الله، لماذا؟ لأنه خبر عن شيء واقع، أما إذا كان يريد بقوله: سأسافر، أنني سأنشئ السفر وأسافر فعلًا، فهنا لا بد
[ ٤٦ ]
أن يقول: إن شاء الله، ولهذا كانت الآية الكريمة: (إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا) ولم تكن إني سأفعل، بل قال: (إِنِّي فَاعِلٌ)، فلا تقل لشيء مستقبل إني فاعله إلَاّ أن يكون مقرونًا بمشيئة الله.
(وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ) يعني اذكر أمر ربِّك بأن تقول: "إن شاء الله" إذا نسيت أن تقولها، لأن الإنسان قد ينسى وإذا نسي فقد قال الله تعالى: (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (البقرة: الآية ٢٨٦) وقال النبي ﷺ: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" (^١).
فالمشيئة إذا نسيها الإنسان فإنه يقولها إذا ذكرها، ولكن هل تنفعه، بمعنى أنه لو حنِث في يمينه فهل تسقط عنه الكفارة إذا كان قالها متأخرًا؟ من العلماء من قال: إنها تنفعه حتى لو لم يذكر الله إلَاّ بعد يوم أو يومين أو سنة أو سنتين، لأن الله أطلق: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ)، ومن العلماء من قال: لا تنفعه إلَاّ إذا ذكر في زمن قريب بحيث ينبني الاستثناء على المستثنى منه، وهذا الذي عليه جمهور العلماء، فمثلًا إذا قلت: والله لأفعلن هذا ونسيت أن تقول: إن شاء الله، ثم ذكرت بعد عشرة أيام فقلت: إن شاء الله، ثم لم تفعل بناء على أن من قال: إن شاء الله لم يحنَث، فمن العلماء من قال: ينفعه لأن الله تعالى قال: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا
_________________
(١) متفق عليه. البخاري: كتاب: مواقيت الصلاة، باب: من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها، ولا يعيد إلا تلك الصلاة، (٥٩٧) ولكنه اقتصر على النسيان دون النوم، مسلم: كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها، (٦٨٤)، (٣١٥)، إلا أنه قدم النسيان على النوم.
[ ٤٧ ]
نَسِيتَ)، ومنهم من قال: لا ينفعه لأن الكلام لم ينبنِ بعضه على بعض، إذًا ما الفائدة من أمر الله أن نذكره إذا نسينا؟ قال: الفائدة هو ارتفاع الإثم، لأن الله قال: (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) فإذا نسيت، فقلها إذا ذكرت، لكن هل تنفعك فلا تحنث أم يرتفع عنك الإثم دون حكم اليمين؟ الظاهر: الثاني؛ أن يرتفع الإثم، وأما الحنْث فإنه يحنَث لو خالف لأن الاستثناء بالنسبة للحِنْث لا ينبغي إلَاّ أن يكون متصلًا، ثم الاتصال هل يقال: إن الاتصال معناه أن يكون الكلام متواصلًا بعضه مع بعض أو أن الاتصال ما دام بالمجلس؟
الجواب: فيه خلاف، بعضهم يقول: ما دام في المجلس فهو متصل، وإذا قام عن المجلس فقد انقطع، قالوا: لأن النبي ﷺ قال: "البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا" (^١) فجعل التفرق فاصلًا، ومنهم من قال: العبرة باتصال الكلام بعضه مع بعض، والظاهر والله أعلم أنه إذا كان في مجلسه، ولم يذكر كلامًا يقطع ما بين الكلاميْن، فإنه ينفعه الاستثناء؛ فلا يحنث.
(وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا) عسى" بمعنى الرجاء إذا وقعت من المخلوق، فإن كانت من الخالق فهي للوقوع، فقول الله ﵎: (إِلَاّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا) (النساء: ٩٩)، نقول:
_________________
(١) متفق عليه. البخاري: كتاب البيوع، باب: كم يجوز الخيار، (٢١٠٨). مسلم: كتاب البيوع، باب: الصدق في البيع والبيان، (١٥٣٢)، (٤٧).
[ ٤٨ ]