وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨» (النحل: ٥٨)، أي صار وجهه مسودًا وقلبه ممتلئًا غيظًا
(يتوارى من القوم) يعني يختبئ منهم (من سوء ما بشر به)، ثم يُقَدِّرُ في نفسه) أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ) (النحل: الآية ٥٩). بقي قسم ثالث وهو أن يُمسِكَهُ على عِزٍّ وهذا عندهم غير ممكن، ليس عندهم إلَاّ أحد أمرين:
١ - إما أن يمسكه على هون.
٢ - يَدُسه في التراب، أي يدفنه فيه وهذا هو الوأد، قال الله تعالى: (أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ).
وقوله تعالى: (زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) أي أن الإنسان يتجمل به يعني يتجمل أنَّ عنده أولادًا، قدر نفسك أنك صاحب قِرى يعني أنك مضياف وعندك شباب، عشرة، يستقبلون الضيوف، تجد أن هذا في غاية ما يكون من السرور، هذه من الزينة، كذلك قدر نفسك أنك تسير على فرس وحولك هؤلاء الشباب يَحُفُّونك من اليمين ومن الشمال ومن الخلف ومن الأمام، تجد شيئًا عظيمًا من الزينة، ولكن هناك شيء خير من ذلك.
قال تعالى: (وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا)
(وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ) هي الأعمال الصالحات من أقوال وأفعال ومنها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله، ومنها الصدقات والصيام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك، هذه الباقيات الصالحات.
(خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا) أي أجرًا ومثوبة.
(وَخَيْرٌ أَمَلًا) أي خير ما يُؤمِّله الإنسان لأن هذه الباقيات
[ ٧٩ ]
الصالحات هي كما وصفها الله بباقيات، أما الدنيا فهي فانية وزائلة.
***
(وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا) (الكهف: ٤٧)
قوله تعالى: (وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ) أي اذكر لهم (وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ) وعلى هذا فإن (يَوْمَ) ظرف عامِلُهُ محذوف والتقدير اذكر (وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا) أي: اذكر للناس هذه الحال، وهذا المشهد العظيم (يَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ) وقد بين الله ﷿ في آية أخرى أنه يسيرها فتكون سرابًا (وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا) (النبأ: ٢٠) وتكون كالعهن المنفوش: (وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ) (القارعة: ٥)، وذلك بأن الله تعالى يدُك الأرض وتصبح الجبال كثيبًا مهيلًا) يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا) (المزمل: ١٤) ثم تتطاير في الجو، هذا معنى تُسَيَّرُ. ومن الآيات الدالة على هذا المعنى قول الله ﵎ في سورة النمل: (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ) (النمل: ٨٨).
بعض الناس قال إنَّ هذه الآية تعني دوران الأرض، فإنك ترى الجبال فتظنها ثابتة ولكنها تسير، وهذا غلط وقول على الله تعالى بلا علم لأن سياق الآية يأبى ذلك كما قال الله تعالى) وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَاّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (٨٧) وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ) (النمل: ٨٨» مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ الْوُحُوشُ حُشِرَتْ) (التكوير: ٥) بل جميع
[ ٨٠ ]