(أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا) أي: إلى أن أذكر لك السبب، وهذا توجيه من معلم لمن يتعلم منه، إلَاّ يتعجل في الرد على معلمه، بل ينتظر حتى يحدث له بذلك ذكرًا، وهذا من آداب المتعلم إلَاّ يتعجل في الرد حتى يتبين الأمر.
***
(فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا) (الكهف: ٧١)
قوله تعالى: (فَانْطَلَقَا) الفاعل موسى والخضر، وسكت عن الفتى، فهل الفتى تأخر عن الركوب في السفينة، أم أنه ركب ولكن لما كان تابعًا لم يكن له ذكر؟
الجواب: الذي يظهر - والله أعلم - أنه كان تابعًا، لكن لم يكن له تعلق بالمسألة، والأصل هو موسى طوي ذكره، وهو أيضًا تابع.
(حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ) مرَّت سفينة، وهما يمشيان على شاطئ البحر، فركبا فيها.
(أَخَرَقْتَهَا) أي: الخضر بقلع إحدى خشبها الذي يدخل منه الماء، فقال له موسى: (أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا) وهذا إنكار من موسى على الخضر مع أنه قال له: (سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا) لكنه لم يصبر؛ لأن هذه مشكلتها عظيمة، سفينة في البحر يخرقها فتغرق! واللام في قوله: (لِتُغْرِقَ) ليست للتعليل ولكنها للعاقبة، يعني أنك إذا خرقتها غرق أهلها، وإلَاّ لا شك أن موسى ﵇ لا يدري ما غرض الخضر، ولا شك أيضًا أنه يدري أنه لا يريد أن يغرق أهلها، لأنه لو أراد أن يغرق أهلها لكان أول من يغرق هو وموسى، لكن اللام هنا للعاقبة ولام العاقبة ترد في
[ ١١٥ ]
غير موضع في القرآن، مثل قول الله تعالى: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا) (القصص: الآية ٨) لو سألنا أي إنسان: هل آل فرعون التقطوه ليكون لهم عدوًا وحزنًا؟
الجواب: أبدًا، ولكن هذه للعاقبة.
(لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا) يعني شيئًا عظيمًا، يعني كان موسى شديدًا قويًا في ذات الله، فهو أنكر عليه، وبين أن فعله ستكون عاقبته الإغراق، وزاده توبيخًا في قوله: (لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا)، والجملة هنا مؤكدة بثلاثة مؤكدات:
١ - اللام.
٢ - قد.
٣ - القسم المقدر الذي تدل عليه اللام، والإمر بكسر الهمزة الشيء العظيم، ومنه قول أبي سفيان لهرقل لما سأله عن الرسول ﷺ وبين له حاله وصفاته وما كان من أخلاقه، فلما انصرف مع قومه، قال أبو سفيان: "لقد أمِرَ أمرُ ابن أبي كَبْشَة إنه ليخافه مَلِكُ بني الأصفر" (^١)، يعني بابن أبي كبشة الرسول ﷺ. و: "أمِرَ أمرُه" يعني عَظُم أمره.
_________________
(١) متفق عليه. البخاري: كتاب: بدء الوحي، باب: (٧). مسلم: كتاب الجهاد والسير، باب: كتاب النبي ﷺ إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام، (١٧٧٣)، (٧٤).
[ ١١٦ ]