يوشع بن نون، جاء ذلك في البخاري (^١)، لينظر من هذا الذي هو أعلم منه ثم ليتعلم منه أيضًا، كان الحوت في المكتل، فلما استيقظا مع السرعة لم يفتشا في المكتل، وخرج الحوت بأمر الله من المكتل ودخل في البحر.
(لا أَبْرَحُ) أي لا أزال، والخبر محذوف والتقدير "لا أزال أسير".
(مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ) قيل: إنه مكان الله أعلم به، لكن موسى يعلم، وقيل: إنه ملتقى البحر الأحمر مع البحر الأبيض، وكان فيما سبق بينهما أرض، حتى فتحت القناة وهذا ليس ببعيد، وسبب ذلك أن الله أوحى إليه أن عبدًا في مجمع البحرين أعلم منك.
(أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا) أو هنا للتنويع، يعني إما أن أبلغ مجمع البحرين أو أمضي في السير حقبًا أي: دهورًا طويلة، وقيل: (أَوْ) بمعنى "إلَاّ" أي حتى أبلغ مجمع البحرين إلَاّ أن (أَمْضِيَ حُقُبًا) أي: دهورًا طويلة قبل أن أبلغه، لكن الوجه الأول أسد، فتهيئَا لذلك وسارا، وسبب قوله هذا أن الله تعالى أوحى إلى موسى أن عبدًا لنا هو أعلم منك عند مجمع البحرين، فسار موسى إليه طلبًا للعلم.
_________________
(١) متفق عليه. البخاري: كتاب العلم، باب: ما يستحب للعالم إذا سئل أي الناس أعلم أن يكل العلم إلى الله، (١٢٢). مسلم: كتاب الفضائل، باب: من فضائل الخضر ﵇، (٢٣٨٠)، (١٧٠) ..
[ ١٠٨ ]
(فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا) (الكهف: ٦١)
قوله تعالى: (فَلَمَّا بَلَغَا) أي: موسى وفتاه.
(مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا) أي: بين البحرين.
(نَسِيَا حُوتَهُمَا) أضاف الفعل إليهما مع أن الناسي هو الفتى وليس موسى، ولكن القوم إذا كانوا في شأن واحد وفي عمل واحد، نسب فعل الواحد منهم أو القائل منهم إلى الجميع، ولهذا يخاطب الله ﷿ بني إسرائيل في عهد الرسول ﷺ فيقول:» وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) (البقرة: ٥٠» وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَة) (البقرة: الآية ٥٥)، مع أنهم ما قالوا هذا؛ لكن قاله أجدادهم.
(نَسِيَا حُوتَهُمَا) نسيان ذهول وليس نسيان ترك، وهذا من حكمة الله ﷿، أن الله أنساهما ذلك لحكمة، وهذا الحوت قد جعله الله ﷾ علامة لموسى، أنك متى فقدت الحوت فثَم الخضر، وهذا الحوت كان في مِكْتَل وكانا يقتاتان منه، ولما وصلا إلى مكان ما ناما فيه عند صخرة، فلما استيقظا وإذا الحوت ليس موجودًا، لكنه أي: الفتى لم يتفقد المكتل ونسي شأنه وأمره، هذا الحوت - سبحان الله - خرج من المكتل، ودخل في البحر وجعل يسير في البحر، والبحر ينحاز عنه.
(فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا) أي اتخذ الحوت طريقه في البحر.
(سَرَبًا) أي مثل السرب، والسرب هو السرداب يعني أنه يشق الماء ولا يتلاءم الماء، وهذا من آيات الله، وإلا فقد جرت العادة أن الحوت إذا انغمر في البحر يتلاءم البحر عليه، لكن هذا
[ ١٠٩ ]