وقوله: (لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ) يعني لا أحد يستطيع أن يبدل كلماته، لا الكونية ولا الشرعية، أما الكونية فواضح، لا أحد يستطيع أن يُبَدِّلها، فإذا قال الله تعالى: (كن) في أمر كوني فلا يستطيع أحد أن يبدله، أما الشرعية فلا أحد يستطيع شرعًا أن يبدلها. والنفي هنا ليس نفيًا للوجود، ولكن النفي هنا للإمكان الشرعي، فلا أحد يستطيع شرعًا أن يبدل كلمات الله الشرعية، فالواجب على الجميع أن يستسلموا لله، فلو قال قائل: وجدنا من يبدل كلام الله! فإن الله أشار إلى هذا في قوله في الأعراب، قال تعالى: (يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّه) (الفتح: الآية ١٥). قلنا: هذا تبديل شرعي، والتبديل الشرعي قد يقع من البشر فيحرفون الكلام عن مواضعه، ويفسرون كلام الله بما لا يريده الله، ومن ذلك جميع المعطِّلة لصفات الله، أو لبعضها ممن بدلوا كلام الله.
(وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا) يعني لن تجد أيها النبي من دون الله ملتحدًا، أي أحدًا تميل إليه أو تلجأ إليه لأن الالتحاد من اللحد وهو الميل، يعني لو أرادك أحد بسوء ما وجدت أحدًا يمنعك دون الله، إذًا عندما يصيب الإنسان شيء يتضرر به أو يخاف منه، يلتجئ إلى من؟ إلى الله، ونظير هذه الآية قوله تعالى: (قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا) (الجن: ٢٢)
[ ٥٧ ]
(وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) (الكهف: ٢٨)
قوله تعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ) أي احبسها مع هؤلاء الذين يدعون الله دعاء مسألة ودعاء عبادة، اجلس إليهم وقوِّ عزائمهم.
وقوله: (بِالْغَدَاةِ) أي أول النهار.
وقوله: (وَالْعَشِيِّ) آخر النهار.
قوله: (يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) مخلصين لله ﷿ يريدون وجهه ولا يريدون شيئًا من الدنيا، يعني أنهم يفعلون ذلك لله وحده لا لأحدٍ سواه.
وفي الآية إثبات الوجه لله تعالى، وقد أجمع علماء أهل السنة على ثبوت الوجه لله تعالى بدلالة الكتاب والسنة على ذلك، قال الله تعالى: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ) (الرحمن: ٢٧). وقال النبي ﷺ: "أعوذ بوجهك" (^١)، وأجمع سلف الأمة وأئمتُها على ثبوت الوجه لله ﷿.
_________________
(١) عن جابر ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية: (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ) قال رسول الله ﷺ " أعوذ بوجهك" قال (أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ) قال: " أعوذ بوجهك". قال: (أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ). قال رسول الله ﷺ " هذا أهون أو هذا أيسر". رواه البخاري: كتاب التفسير، باب: (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُم) (الأنعام: من الآية ٦٥) الآية. (٤٦٢٨).
[ ٥٨ ]
ولكن هل يكون هذا الوجه مماثلًا لأوجه المخلوقين؟
الجواب: لا يمكن أن يكون وجه الله مماثلًا لأوجه المخلوقين لقوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى: الآية ١١). وقوله تعالى: (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) (مريم: ٦٥)، أي شبيهًا ونظيرًا، وقال الله ﵎: (فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة: الآية ٢٢). وهكذا كل ما وصف الله به نَفْسَهُ فالواجب علينا أن نجريه على ظاهره، ولكن بدون تمثيل، فإن قال قائل: إذا أثبتّ لله وجهًا لزم من ذلك التمثيل، ونحمل قوله: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) (الشورى: ١١)، يعني إلَاّ في ما أثبته كالوجه واليدين؟
فالجواب: أن هذا مكابرة؛ لأننا نعلم حسًا وعقلًا أن كل مضاف إلى شيء فإنه يناسب ذلك الشيء، أليس للإنسان وجه، وللجَمَلِ وجه، وللحصان وجه وللفيل وجه؟ بلى، وهل هذه الأوجه متماثلة؟ لا؛ أبدًا! بل تناسب ما أضيفت إليه، بل إن الوقت والزمن له وجه، كما في قوله تعالى: (آمَنُوا بالذي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ) (آل عمران: الآية ٧٢)، فأثبت أن للزمن وجهًا، فهل يمكن لأحد أن يقول: إن وجه النهار مثل وجه الإنسان؟.
الجواب: لا يمكن، إذًا ما أضافه الله لنفسه من الوجه لا يمكن يكون مماثلًا لأوجه المخلوقين؛ لأن كل صفة تناسب الموصوف. فإن قال قائل: إنه قد جاء في الحديث الصحيح أن
[ ٥٩ ]
النبي ﷺ قال: "إنَّ الله تعالى خلق آدم على صورته" (^١)، فما الجواب؟
فالجواب: من أحد وجهين:
الوجه الأول: إما أن يقال: لا يلزم من كونه على صورته أن يكون مماثلًا له، والدليل أن النبي ﷺ أخبر بأن أوَّل زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر (^٢)، ونحن نعلم أنه ليس هناك مماثلة بين هؤلاء والقمر، لكن على صورة القمر من حيث العموم إضاءةً وابتهاجًا ونورًا. الوجه الثاني: أن يقال: "على صورته" أي على الصورة التي اختارها الله ﷿، فإضافة صورة الآدمي إلى الله على سبيل التشريف والتعظيم كما في قوله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُه) (البقرة: الآية ١١٤)، ومن المعلوم
_________________
(١) رواه مسلم: كتاب: البر والصلة والأداب، باب: النهي عن ضرب الوجه، (٢٦١٠)، (١١٥). والبخاري: كتاب: العتق، باب: إذا ضرب العبد فليتجنب الوجه، (٢٥٥٩) مقتصرًا على الجملة الأولى. وغيره عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " إذا قاتل أحدكم أخاه فليتجنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته". وفي الصحيحين: البخاري: كتاب: الاستئذان، باب: بدء السلام، (٦٢٢٧). مسلم: كتاب: االجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير (٢٨٤١)، (٢٨). عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا".
(٢) رواه البخاري: كتاب بدء الخلق، باب: ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة، (٤٢٤٦. ومسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها واهلها، باب: أو زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، وصفاتهم وأزواجهم، (٢٨٣٤)، (١٤) وغيرهما.
[ ٦٠ ]
أن الله ليس يصلي في المساجد، لكن أضيفت إلى الله على سبيل التشريف والتعظيم وعلى أنها إنما بنيت لطاعة الله، وكقول صالح ﵇ لقومه: (ناقة الله وسقياها) (الشمس: ١٣)، ومن المعلوم أن هذه الناقة ليست لله كما تكون للآدمي يركبها؛ لكن أضيفت إلى الله على سبيل التشريف والتعظيم، فيكون "خلق آدم على صورته" أو "على صورة الرحمن" (^١)، يعني على الصورة التي اختارها من بين سائر المخلوقات، قال الله تعالى في سورة الانفطار: (يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ) (الانفطار: ٧)
أي الذي جعلك جعلا كهذا وهذا يشمل اعتدال القامة واعتدال الخلقة، ففهمنا الآن والحمد لله أن الله تعالى له وجه حقيقي وأنه لا يشبه أوجه المخلوقين. وقوله: (يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) إشارة للإخلاص، فعليك أخي المسلم بالإخلاص حتى تنتفع بالعمل.
وقوله: (وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) يعني لا تتجاوز عيناك عن هؤلاء السادة الكرام تريد زينة الحياة الدنيا، بل اجعل نظرك إليهم دائمًا وصحبتك لهم دائمًا، وفي قوله: (تريد زينة الحياة الدنيا) إشارة إلى أنَّ الرسول ﷺ لو فارقهم لمصلحة دينية لم يدخل هذا في النهي.
_________________
(١) رواه ابن أبي عاصم في "السنة" (رقم ٥١٧). وابن خزيمة في "التوحيد" (رقم ٤١). والبيهقي في " الأسماء والصفات" (رقم ٦٤٠). والدارقطني في "الصفات" (رقم ٤٨). وغيرهم. وصححه ابن راهويه وأحمد كما في " فتح الباري" (٥/ ١٨٣) وأعله ابن خزيمة (١/ ٨٧) بهذا اللفظ. وانتصر شيخ الإسلام ابن تيمية لتصحيح ابن راهويه وأحمد.
[ ٦١ ]