ولهذا قال بعضهم: إن وجه الكهف إلى "بنات نعش" النجوم المعروفة في السماء، يعرفها أهل البر.
(وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ) تكون على شمال الغار.
وقوله: (تَقْرِضُهُم) قيل: المعنى تتركهم وقيل: تصيب منهم، وهو الأقرب أنها تصيب منهم، وفائدة هذه الإصابة أن تمنع أجسامَهم من التغيُّر لأن الشمس كما يقول الناس: إنها صحة وفائدة للأجسام.
(وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ) الضمير يعود على هؤلاء الفتية، هذه الفجوة يعني الشيء الداخل، يعني ليسوا على باب الكهف مباشرة، بل في مكان داخل، لأن ذلك أحفظ لهم.
وفي قوله تعالى: (إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ) (وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُم) دليل على أن الشمس هي التي تتحرك وهي التي بتحركها يكون الطلوع والغروب خلافًا لما يقوله الناس اليوم من أن الذي يدور هو الأرض، وأما الشمس فهي ثابتة، فنحن لدينا شيء من كلام الله، الواجب علينا أن نجريه على ظاهره وألا نتزحزح عن هذا الظاهر إلَاّ بدليل بَيِّن، فإذا ثبت لدينا بالدليل القاطع أن اختلاف الليل والنهار بسبب دوران الأرض فحينئذ يجب أن نؤول الآيات إلى المعنى المطابق للواقع، فنقول: إذا طلعت في رأي العين وإذا غربت في رأي العين، تزاور في رأي العين، تقرض في رأي العين، أما قبل أن يتبين لنا بالدليل القاطع أن الشمس ثابتة والأرض هي التي تدور وبدورانها يختلف الليل والنهار فإننا لا نقبل هذا أبدًا، علينا أن نقول: إنَّ الشمس هي التي بدورانها
[ ٣٢ ]
يكون الليل والنهار، لأن الله أضاف الأفعال إليها والنبي ﷺ حينما غربت الشمس قال لأبي ذر: "أتدري أين تذهب؟ " (^١) فأسند الذَّهاب إليها، ونحن نعلم علم اليقين أن الله تعالى أعلم بخلقه ولا نقبل حدْسًا ولا ظنًا، ولكن لو تيقنا يقينًا أن الشمس ثابتة في مكانها وأن الأرض تدور حولها، ويكون الليل والنهار، فحينئذ تأويل الآيات واجب حتى لا يخالف القرآن الشيء المقطوع به.
قال تعالى: (ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ) الضمير يعود على حال هؤلاء الفتية:
١ - خروجهم من قومهم.
٢ - إيواؤهم لهذا الغار.
٣ - تيسير الله لهم غارًا مناسبًا.
لا شك أن هذا من آيات الله الدالة على حكمته ورحمته، هل نعتبر أن هذا كرامة؟
الجواب: نعم نعتبره كرامة ولا شك.
(مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا) (مَنْ يَهْدِ) من" شرطية والدليل على أنها شرطية حذف
_________________
(١) قال النبي ﷺ لأبي ذر حين غربت الشمس: أتدري أين تذهب؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: " فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها وتستأذن فلا يؤذن لها، يقال لها ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها فذلك قول تعالى: (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ). البخاري: كتاب: بدء الخلق، باب: صفة الشمس والقمر، (٣١٩٩).
[ ٣٣ ]
الياء مِن يهدي، والجواب: "فهو المهتدِ" و"المهتد" أصلها "المهتدي" بالياء لكن حذفت الياء تخفيفًا كما حذفت في قوله تعالى: (الكبير المتعال) (الرعد: ٩)
(وَمَنْ يُضْلِلْ) أي يُقدِّر أن يكون ضالًا.
(فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا) أي من يتولاه ويرشده إلى الصواب، وفي هذا الخبر من الله تنبيه إلى أننا لا نسألُ الهداية إلَاّ من الله، وأننا لا نجزع إذا رأينا من هو ضال لأن الإضلال بيد الله، فنحن نؤمن بالقدر ولا نَسخطُ الإضلال الواقع من الله لكن يجب علينا أن نُرشد هؤلاء الضالين، فهنا شرع وقدَر، القدر يجب عليك أن ترضى به على كل حال، والمقدور فيه تفصيل. والمشروع يجب أن ترضى به على كل حال، فنحن نرضى أن الله جعل الناس على قسمين مهتد وضال، ولكن يجب علينا مع ذلك أن نسعى في هداية الخلق.
* * *
(وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا) (الكهف: ١٨)
قوله تعالى: (وَتَحْسَبُهُمْ) أيها الرائي: إذا رأيتهم (أَيْقَاظًا) لأنه ليس عليهم علامة النوم، فالنائم يكون مسترخيًا، وهؤلاء كأنهم أيقاظ، ولذلك يُفرِّق الإنسان بين رجل نائم ورجل مضطجع لمَّا يراه، حتى لو أن المضطجع أراد أن يتناوم ويخدع صاحبه لعرف أنه ليس بنائم.
(وَهُمْ رُقُودٌ) جمع راقد.
[ ٣٤ ]