قال تعالى: (وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا) يعني عن ذكره إيَّانا أو عن الذكر الذي أنزلناه، فعلى الأول يكون المراد الإنسان الذي يذكر الله بلسانه دون قلبه، وعلى الثاني يكون المراد الرجل الذي أغفل الله قلبه عن القرآن، فلم يرفع به رأسًا ولم ير في مخالفته بأسًا.
قوله تعالى: (وَاتَّبَعَ هَوَاهُ) أي ما تهواه نفسه.
(وَكَانَ أَمْرُهُ) أي شأنه (فُرُطًا) أي منفرطًا عليه، ضائعًا، تمضي الأيام واليالي ولا ينتفع بشيء، وفي هذه الآية إشارة إلى أهمية حضور القلب عند ذكر الله، وأن الإنسان الذي يذكر الله بلسانه لا بقلبه تنْزَع البركة من أعماله وأوقاته حتى يكون أمره فُرطا عليه، تجده يبقى الساعات الطويلة ولم يحصل شيئًا، ولكن لو كان أمره مع الله لحصلت له البركة في جميع أعماله.
***
(وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا) (الكهف: ٢٩)
قوله تعالى: (وَقُلِ) الخطاب للرسول ﷺ. أي قلها معلنا (الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ) لا من غيره، فلا تطلبوا الحق من طريق غير طريق الله، لأن الحق من عند الله.
(فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) والأمر في قوله: (فَلْيَكْفُرْ» للتهديد وليس للإباحة بل هو للتهديد كما يهدد الإنسان غيره فيقول: "إن كنت صادقًا فافعل كذا"، ويدل عليه قوله تعالى
[ ٦٢ ]
بعده: (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا)، يعني من كفر فله النار قد أعدت، وقوله: (لِلظَّالِمِينَ) المراد به الكافرون، والدليل على هذا قوله: (فَلْيَكْفُرْ)، فإن قال قائل: "هل الكفر يسمى ظلمًا؟ ".
فالجواب: نعم، كما قال الله تعالى: (والكافرون هم الظالمون) (البقرة: ٢٥٤)، ولا أحد أظلم ممن كفر بالله أو جعل معه شريكًا، وهو الذي خلقه وأمده وأعده.
قوله: (أَحَاطَ بِهِمْ) أي بأهل النار (سُرَادِقُهَا) أي ما حولها، يعني أن النار قد أحاطت بهم فلا يمكن أن يفروا عنها يمينًا ولا شمالًا.
وقوله: (وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا) يعني أن أهل النار إذا عَطشوا عَطشًا شديدًا وذلك بأكل الزَّقوم أو بغير ذلك أغيثوا بهذا الماء (بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ) يكون كعَكَر الزيت يعني تَفَلَهُ الخاثر في أسفله أو ما أشبه ذلك مما هو منظر كريه، ولا تقبله النفوس كما قال تعالى: (وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ) (ابراهيم: الآية ١٧)، أي كالصديد يتجرعه ولا يكاد يُسيغه.
(يَشْوِي الْوُجُوهَ) إذا قَرُبَ منها شَواها وتساقطت والعياذ بالله من شدة فيح هذا الماء، وإذا وصل إلى أمعائهم قطعها كما قال جلَّ وعلا: (وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ) (محمد: الآية ١٥)، وما أعظم الوجع والألم فيمن تقطع أمعاؤه من الداخل، لكن مع ذلك تقطع وتعاد كالجلود) كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَاب) (النساء: الآية ٥٦)، الله أكبر، سبحان القادر على كل شيء،
[ ٦٣ ]