ناموا يتساءلون إذا قاموا، من الناس من يقول: ماذا رأيت في منامك ومن الناس من يقول: لعلَّ نومك لذيذ أو ما أشبه ذلك (بعثناهم لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُم) ليس المعنى أنهم بعثوا للتساؤل ولكن بعثوا فتساءلوا. فاللام جاءت للعاقبة لا للتعليل، كما في قوله تعالى: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا) (القصص: الآية ٨)، اللام ليست للتعليل أبدًا، ولا يمكن أن تكون للتعليل لأن آل فرعون لم يلتقطوه ليكون لهم عدوًا وحزنًا، ولكنهم التقطوه فكان لهم عدوًا وحزنًا.
(قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ) كما جرت العادة، أي كم مدة لبثتم؟ (قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) (لَبِثْنَا يَوْمًا) أي كاملًا.
(أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) أي بعض اليوم، ذلك لأنهم دخلوا في أول النهار وبُعثوا من النوم في آخر النهار، فقالوا: (لَبِثْنَا يَوْمًا) إن كان هذا هو اليوم الثاني أو (بَعْضَ يَوْمٍ) إن كان هذا هو اليوم الأول، وهذا مما يدل على عمق نومهم.
(قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ) أي قال بعضهم لبعض، وكأن هؤلاء القائلين قد شعروا بأن النومة طويلة ولكن لا يستطيعون أن يُحدِّدوا، أمَّا الأولون فحددوا بناءً على الظاهر، وأما الآخرون فلم يحددوا بناء على الواقع، لأن الإنسان يفرق بين النوم اليسير والنوم الكثير، ثم قال بعضهم لبعض:
(فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ) الوَرِق: هو الفضة كما جاء في الحديث: "وفي الرِّقةِ رُبْع العُشْرِ" (^١) كان معهم دراهم من الفضة.
_________________
(١) البخاري: كتاب: الزكاة، باب: زكاة الغنم، (١٤٥٤) وغيره.
[ ٣٧ ]
(فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ) تضمن هذا:
أولًا: جواز التوكيل في الشراء، والتوكيل في الشراء جائز، وفي البيع جائز أيضًا، فإن الرسول وكَّل أحد أصحابه أن يشتري له أضحية وأعطاه دينارًا، وقال: اشتر أضحية، فاشترى شاتين بالدينار ثم باع إحداهما بدينار فرجع بشاة ودينار، فدعا له النبي ﷺ أن يبارك الله له في بيعه، فكان لواشترى ترابًا لربح فيه (^١).
وقد أخذ العلماء من هذا الحديث أنه يجوز تصرف الفضولي، أي يجوز للإنسان أن يتصرف بمال غيره إذا علم أن غيره يرضى بذلك، فهؤلاء وكلوا أحدهم أن يذهب إلى المدينة ويأتي برزق.
ثانيًا: في هذا أيضًا دليل أنه لا بأس على الإنسان أن يطلب أطيب الطعام لقولهم (فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا)
ثالثًا: فيه دليل أيضًا على ضعف قول الفقهاء: إنه لا يصح الوصف بالأفعل، أي لا يجوز أن أصف المبيع بأنه أطيب كل شيء، فلا تقول: "أبيع عليك برًَّا أفضل ما يكون" لأنه ما من طَيِّب إلَاّ وفوقه أطيب منه، ولكن يقال: هذا يرجع إلى العرف،
_________________
(١) عن عروة أن النبي ﷺ أعطاه دينارًا يشتري له به شاة فاشترى له به شاتين فباع إحداهما بدينار وجاءه بدينار وشاة فدعا له بالبركة في بيعه وكان لو اشترى التراب لربح فيه. رواه البخاري: كتاب المناقب: باب (٣٦٤٢) وغيره.
[ ٣٨ ]
فأطيب: يعني في ذلك الوقت وفي ذلك المكان، وهل من السنّة ما يشهد لطلب الأزكى من الطعام؟ نعم، وذلك أن النبي ﷺ أقرَّ الصحابة الذين باعوا التمر الرديء بتمر جيد ليطعم النبي ﷺ منه، (^١) ولم ينههم عن هذا، وما قال: هذا تَرَفُّه، اتركوا طلب الأطيب، فالإنسان قد فتح الله له في أن يختار الأطيب من الطعام أو الشراب أو المساكن أو الثياب أو المراكب، ما دام الله قد أعطاه القدرة على ذلك فلا يُلام.
(فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ) يعني يشتري ويأتي به، فجمعوا بالتوكيل بين الشراء والإحضار.
(وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا) أي يتعامل بخفية لئلَاّ يُشْعَر بهم فيؤذَون، وهذا يعني أنهم ظنوا أنهم لم يلبثوا إلَاّ قليلًا. ثم علَّلوا هذا؛ أي الأمر بالتطلف والنهي عن الإشعار بقولهم:
(إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا) (الكهف: ٢٠)
أي أنهم لا بد أنهم يقتلونكم أو يردونكم على أعقابكم بعد
_________________
(١) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: جاء بلال إلى النبي ﷺ بتمر برني فقال له النبي ﷺ: " من أين هذا؟ " قال بلال: كان عندنا تمر ردي فبعت من صاعين بصاع لنطعم النبي ﷺ، فقال النبي ﷺ عند ذلك: " أوه أوه عين الربا عين الربا لا تفعل ولكن إذا أردت أن تشتري فبع التمر ببيع آخر ثم اشتره" متفق عليه. البخاري: كتاب: الوكالة، باب: إذا باع الوكيل شيئا فاسدًا فبيعه مردود، (٢٣١٢). مسلم: كتاب المساقاة، باب: بيع الطعام مثلا بمثل، (١٥٩٤)، (٩٦). واللفظ للبخاري.
[ ٣٩ ]