جاءت به الشريعة، ولا يجادلون ولا يقولون لم؟ ولما قال الرسول ﷺ: "توضؤوا من لحوم الإبل ولا توضؤوا من لحوم الغنم" (^١) هل قال الصحابة "لِمَ"؟ بل قالوا سمعنا وأطعنا، ما جادلوا، وكذلك في بقية الأوامر، لكن الإنسان من حيث هو إنسان أكثر شيء عنده الجدل. إذًا إذا مر بك مثل هذا في القرآن الكريم (الْأِنْسَانُ) فلا تحمله على الكافر إلا إذا كان السياق يُعَيِّنُ ذلك، فإذا كان السياق يراد به ذلك، صار هذا عامًا يراد به الخاص، لكن إذا لم يكن في السياق ما يعين ذلك فاجعله للعموم، اجعله إنسانًا بوصف الإنسانية، والإنسانية إذا غلب عليها الإيمان اضمحل مقتضاها المخالف للفطرة.
قوله: (وَكَانَ الْأِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا) هذا وقع في قول الرسول ﷺ لعلي بن أبي طالب وزوجته فاطمة ﵄ حين جاء إليهما ذات ليلة ووجدهما نائمين فقال: "ألا تصليان"، قال علي: "إنَّ أنفُسَنا بيد الله ولو شاء لأيقظنا"، فانصرف الرسول ﷺ وهو يضرب على فخذه ويقول: (وَكَانَ الْأِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا) (^٢) ولا شك أن الرسول ﷺ يعلم أن أنفسهما بيد الله، والرسول ﵊ قال في الفريضة: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا
_________________
(١) رواه ابن ماجه: كتاب: الطهارة وسننها، باب: ما جاء في الوضوء من لحوم الإبل، (٤٩٧)، من حديث ابن عمر ﵁.
(٢) متفق عليه. البخاري: كتاب: التهجد، باب تحريض النبي ﷺ على قيام الليل ، (١٢٧). مسلم: كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: ما روي فيمن نام الليل أجمع حتى أصبح، (٧٧٥)، (٢٠٦).
[ ٩٧ ]
ذكرها" (^١) فعذر الناسي والنائم وهو يعلم ﵊ ذلك ولكنه يريد أن يَحُثَّهُما، وأراد علي ﵁ أن يدفع اللوم عنه وعن زوجه فاطمة ﵂.
***
(وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَاّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا) (الكهف: ٥٥)
قوله تعالى: (وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ) يعني ما منع الناس عن الإيمان والاستغفار نقص البيان، فقد ذكر الله أنه ضرب للناس في هذا القرآن من كل مثل، وكان الواجب على الإنسان إذا ضربت له الأمثال أن يؤمن. لكنه ما منعهم من الإيمان نقصٌ في البيان، فالأمر والحمد لله بين واضح أتى بها النبي ﷺ بيضاء نقية (^٢) لكنه العناد.
ولهذا قال جلَّ وعلا: (إِلَاّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا) أي ما ينتظرون إلَاّ أن تأتيهم سنة الأولين أو يأتيهم العذاب قبلًا.
وقوله: (وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ) يعني يطلبون مغفرته، فالمؤمن كثير الاستغفار لربه، والكافر إذا آمن لا بد أن يستغفر الله بما وقع
_________________
(١) رواه مسلم وغيره. سبق تخريجه ص (٣٩).
(٢) قال النبي ﷺ: " تركتم على البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك " رواه أحمد (رقم ١٧١٤١) وابن ماجه في " المقدمة"، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين، (٤٢). وابن أبي عاصم في "السنة" (١/ ٢٧) وصححه الألباني.
[ ٩٨ ]