فيه من الذنوب، فإذا آمن واستغفر زال عنه ما كان من الذنوب. قال تعالى (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) (الأنفال: ٣٨)
وقوله: (أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا) يعني مقابلة ومعاينة ومباشرة، وما هي سنة الأولين؟
الجواب: هي أخذهم بالعذاب العام، لكن لم يأخذ الله هذه الأمة بعذاب شامل لأن النبي ﷺ دعا ربه ألا يهلك أمَّته بسنة بعامة (^١) فأجاب الله دعاءه.
***
(وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَاّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا) (الكهف: ٥٦)
قوله تعالى: (وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَاّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ) هذه وظيفة الرسل ما نرسل المرسلين من أولهم نوح ﵇ إلى آخرهم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلَّم، إلَاّ لهذين الأمرين: مبشرين ومنذرين، يعني ولم نرسلهم من أجل أن يجبروا الناس على الإيمان بل هم مبشرون ومنذرون، يبشرون المؤمنين وينذرون الكافرين.
(مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ) منصوبة على الحال من المرسلين، يعني إلَاّ حال كونهم مبشرين ومنذرين.
(وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ) المجادلة
_________________
(١) رواه مسلم: كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض، (٢٨٨٩)، (١٩).
[ ٩٩ ]
هي المخاصمة وسميت المخاصمة مجادلة؛ لأن كل واحد يَجْدُلُ حجته للآخر والجَدْل هو فتل الحبل حتى يشتد ويقوى، هذا أصل المجادلة، إذًا يجادل أي يخاصم، والمخاصمة بالباطل باطلة، مثال ذلك في الرسل يقولون: (أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا) (التغابن: الآية ٦)،) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً) (المؤمنون: الآية ٢٤)، ويجادلون في البعث فيقولون: (من يحي العظام وهى رميم) (يس: ٧٨)، ويجادلون في الآلهة يقولون: إذا كان المشركون وما يعبدون من دون الله حصب جهنم، فعيسى ﵇ من حصب جهنم، وغير ذلك من المجادلة، وقد أبطل الله مجادلتهم بعيسى قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى) (الانبياء: الآية ١٠١)، ومنهم عيسى) أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ) (الانبياء: الآية ١٠١) ويستفاد من الآية أن كل إنسان يجادل من أجل أن يدحض الحق فإن له نصيبًا من هذه الآية، يعني أن فيه نصيبًا من الكفر والعياذ بالله لأن الكافرين هم الذين يجادلون بالباطل ليدحضوا به الحق، فإذا قال قائل: "الشبهات التي يوردها من يوردها من الناس، كيف يقال إنها باطل وهي شبهة؟ ".
فالجواب: إذا كان غرضهم منها أن يُدحضوا الحق، مثل الذين ينكرون حقيقة استواء الله على العرش ويقولون: إنه لو استوى على العرش لكان "جسمًا"، فهؤلاء جادلوا بالباطل من أجل أن يدحضوا الحق الذي أثبته الله لنفسه، وأما مسألة أن الله "جسم" أو غير "جسم" فهذه شيء آخر، المهم أنهم أتوا بهذه الكلمة من أجل إدحاض الحق، ونحن لا ننكر عليهم مسألة أنه "جسم أو غير جسم"، ننكر أنهم أنكروا حقيقة الاستواء، وأما
[ ١٠٠ ]