(رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ) هذه مفعول لأجله، والعامل فيه أراد، يعني أراد الله ذلك رحمة منه جلَّ وعلا.
(وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي) يعني ما فعلت هذا الشيء عن عقل مني أو ذكاء مني ولكنه بإلهام من الله ﷿ وتوفيق؛ لأن هذا الشيء فوق ما يدركه العقل البشري.
(ذَلِكَ تَأْوِيلُ) أي ذلك تفسيره الذي وعدتك به) سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ) (الكهف: الآية ٧٨). أي: تفسيره، ويحتمل أن يكون التأويل هنا في الثاني العاقبة، يعني ذلك عاقبة ما لم تستطع عليه صبرًا؛ لأن التأويل يراد به العاقبة ويراد به التفسير.
(مَا لَمْ تَسْطِعْ) وفي الأول قال: (مَا لَمْ تَستْطِعْ) لأن "استطاع واسطاع ويستطيع ويسطيع" كل منها لغة عربية صحيحة.
وقد ذكر شيخنا عبد الرحمن بن سعدي - رحمه الله تعالى - في تفسيره (تيسير الكريم الرحمن) فوائد جمة عظيمة في هذه القصة لا تجدها في كتاب آخر فينبغي لطالب العلم أن يراجعها لأنها مفيدة جدًا.
وبهذا انتهت قصة موسى مع الخضر.
ثم ذكر الله تعالى قصة أخرى سألوا عنها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال:
***
(وَيَسْأَلونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا) (الكهف: ٨٣)
قوله تعالى: (وَيَسْأَلونَكَ) سواء من يهود أو من قريش أو من غيرهم.
[ ١٢٤ ]
(عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ) أي: صاحب القرنين، وكان له ذكر في التاريخ، وقد قال اليهود لقريش: اسألوا محمدًا عن هذا الرجل؛ فإن أخبركم عنه فهو نبي، ولماذا سمي بذي القرنين؟ قيل: معناه ذي الملك الواسع من المشرق والمغرب، فإن المشرق قرن والمغرب قرن، كما قال النبي ﷺ عن المشرق: "حيث يطلع قرن الشيطان" (^١)، فيكون هذا كناية عن سعة ملكه، وقيل: ذي القرنين لقوته، ولذلك يعرف أن الفحل من الضأن الذي له قرون يكون أشد وأقوى، وقيل: لأنه كان على رأسه قرنان كتاج الملوك، والحقيقة أن القرآن العظيم لم يبين سبب تسميته بذي القرنين، لكن أقرب ما يكون للقرآن العظيم "المالك للمشرق والمغرب"، وهو مناسب تمامًا؛ حيث قال النبي ﷺ عن الشمس إنها: "تطلع بين قرني شيطان" (^٢).
(قُل) لمن سألك: (سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا) وليس كل ذكره بل ذكرًا منه، ثم قصَّ الله القصة:
***
_________________
(١) متفق عليه من حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: " سمعت رسول الله ﷺ يقول وهو على المنبر: ألا إن الفتنة هاهنا يشير إلى المشرق من حيث يطلع قرن الشيطان". البخاري: كتاب: المناقب، باب: (٣٥١١). مسلم: كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب: الفتنة من الشرق من حيث يطلع قرنا الشيطان، (٢٩٠٥)، (٤٩).
(٢) متفق عليه. البخاري: كتاب: بدء الخلق، باب: صفة إبليس وجنوده، (٣٢٧٣). مسلم: كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: الأوقات التي نهى عن الصلاة فيها، (٨٢٨)، (٢٩٠).
[ ١٢٥ ]