الفائدة الخامسة: عظم ثواب المؤمنين العاملين الصالحات حيث عظمه الله ﷿، وتعظيم العظيم للشيء يدل على أنه عظيم عظمة لا يتخيلها الإنسان ولا يتصورها، وهو كذلك.
* * *
° قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١٠)﴾ [المائدة: ١٠].
ولما كان هذا القرآن مثاني كما وصفه الله بذلك، قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣]، فلما ذكر ثواب المؤمنين العاملين للصالحات ثنى بذكر من يقابلهم فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ ﴿كَفَرُوا﴾ في مقابل الأعمال الصالحات، ﴿كَفَرُوا﴾ في مقابل الإيمان، فكذبوا بما يجب التصديق به وكفروا بما يجب العمل به.
وقوله: ﴿كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ فهم لم يستقيموا على الأمر ولم يصدقوا الخبر، بل قابلوا الخبر بالتكذيب، وقابلوا العمل بالكفر.
قوله: ﴿كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾: المراد بالآيات هنا الآيات الشرعية والكونية، فمن أنكر ربوبية الله وخلقه للمخلوقات وتصرفه في الكون، فهذا مكذب بالآيات الكونية، ومن أقر بذلك لكنه لم يقم بطاعة الله فقد كفر وكذب بالآيات الشرعية، وآيات الله تعالى كونية وشرعية.
فالكونية: هذا الكون بما فيه من الشمس والقمر والنجوم والليل والنهار والبحار والأنهار وغير ذلك من المخلوقات العظيمة، التي بعضها لا تحيط به كبرًا وبعضها لا تحيط به
[ ١ / ١٥٩ ]
صغرًا، إنك أحيانًا تفتش الكتاب فتجد في طياته حشرات صغيرة جدًّا جدًّا لا تكاد تراها بالعين، وهذه مخلوقات الله يرزقها الله ﷿ ويعلم مستقرها ومستودعها ولا يخفى عليه أمرها، كما قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ [هود: ٦].
والآيات الشرعية: هي ما جاءت به الرسل وكانت آيات دالة على الله ﷿؛ لأن البشر لا يمكن أن يأتوا بمثلها، فمن يأتي بشريعة تصلح للبشر في كل زمان ومكان؟ بالنسبة للشريعة المحمدية لا أحد، وكذلك الشرائع بالنسبة للأمم السابقة، هي ملائمة تمامًا لأحوالهم وأزمانهم وأماكنهم، فلا أحد يستطيع أن يأتي بمثل هذه الآيات الشرعية.
قوله: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾: ﴿أُولَئِكَ﴾ هذه مبتدأ ثاني، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾: هي المبتدأ الأول، "وأصحاب" خبر للمبتدأ الثاني، والمبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الأول والرابط الإشارة.
قوله: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾: أي: أهل الجحيم الملازمون لها، والجحيم هي النار أعاذنا الله منها، وسميت بذلك لبعد قعرها وسوادها.