° قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٢)﴾ [المائدة: ١٢].
قوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الجملة هنا مؤكدة بثلاثة مؤكدات: "اللام" و"قد" و"القسم المقدر"، والتقدير: والله لقد، وهذه قاعدة كلما جاء تعبير بهذا فهو مؤكد بثلاثة مؤكدات ومثاله أيضًا قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)﴾ [التين: ٤] وقوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (٤)﴾ [البلد: ٤] وقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ [الأعراف: ١١] فالآيات مؤكدة بثلاثة مؤكدات.
وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: عهدهم، والسياق هنا سياق غائي.
قوله: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ﴾ هذا التفات من الغيبة إلى التكلم ولو كان الكلام على نسق واحد لقال: وبَعَثَ.
وقوله: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾: أي: جعلنا منهم اثني عشر رقيبًا، قوله: ﴿اثْنَيْ عَشَرَ﴾ الأعداد المركبة مثل ثلاث عشر، وأربع عشر وثلاثة عشر وأربعة عشر، لا نعرب الجزء الأول وحده والثاني وحده، إلا اثني عشر واثنتي عشرة، فيعرب الجزء الأول بحسب العوامل، ففي الرفع نجعله بالألف وفي النصب والجر بالياء؛ لأنه ملحق بالمثنى، وإنما قلنا: إنه
[ ١ / ١٦٩ ]
ملحق بالمثنى ولم نجعله مثنى حقيقة؛ لأنه ليس له مفرد، إذ إن "اثنا" ليس مفرده: "اثني"، لكن مفرده واحد، فلهذا يعربونه على أنه ملحق بالمثنى، ويكون إعرابه كما تقدم بالألف رفعًا وبالياء نصبًا وجرًا، ولكنه لا يضاف إلى عشر، بل يقال: اثنا مركب مع عشر، وعشر مبنية على الفتح لا محل له من الإعراب.
قوله: ﴿اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ ﴿نَقِيبًا﴾ هذه تمييز وكلما جاءتك كلمة تفسر العدد وهي المعدود فأعربها على أنها تمييز، مثلًا: ثلاثة عشر رجلًا نقول: رجلًا: تمييز، ولهذا يقول صاحب الألفية:
اسم بمعنى: مِن مُبينٌ نكرة يُنْصَبُ تمييزًا بما قد فسره
وقوله: ﴿اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ ﴿نَقِيبًا﴾ فعيل بمعنى فاعل، "وناقب" بمعنى منقب، مُنَقِّب: يعني مفتش والنقباء هم العرفاء؛ لأن العريف يفتش عمن جُعل عريفًا عليه وأصل التنقيب التفتيش، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ﴾ [ق: ٣٦] أي: فتشوا فيها. يعني: جعل الله منهم نقباء أي: عرفاء على قومهم كل سبط عليهم عريف؛ لأنهم اثنا عشر أسباطًا، وهذا من عناية الله ﷿ بهم، أن جعل عليهم العرفاء من أجل أن يوجهوههم ويؤدبوهم.
قوله: ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ﴾: أي: بالنصر والتأييد، وهذه المعية خاصة وسنتكلم إن شاء الله عليها في الفوائد.
قوله: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ﴾ هذا بدأ الميثاق، ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ﴾: أي: أتيتم بها مستقيمة، والصلاة معروفة: هي التعبد لله تعالى بذات الأقوال والأفعال المعلومة المفتتحة بالتكبير المختتمة
[ ١ / ١٧٠ ]
بالتسليم، هذا هو الأصل، وعلى هذا فصلوات النصارى واليهود الآن صلوات محرفة، فهم كما حرفوا في التأويل حرفوا أيضًا في الأفعال.
قوله: ﴿وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ﴾، ﴿وَآتَيْتُمُ﴾: بمعنى أعطيتم، والزكاة: مالٌ واجب في أموال مخصوصة، وقوله: ﴿وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ﴾ أي: إلى مستحقها. ولهذا نقول: إن "آتى" تنصب مفعولين: الأول: الزكاة، والثاني: محذوف، أي: آتيتم الزكاة أهلها، وسميت زكاة لأنها تزكي أخلاق باذلها، تزكيها يعني تنميها، فإن بذل المال ينمي الأخلاق بلا شك، وإذا أردت أن ينشرح صدرك فأكثر من النفقة لكن بدون إسراف.
قوله: ﴿وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي﴾؛ أي: أقررتم إقرارًا مستلزمًا للقبول والإذعان، هذا معنى الإيمان، فمجرد الإقرار لا يعتبر إيمانًا، ولو كان مجرد الإقرار إيمانًا لكان أبو طالب مؤمنًا؛ لأنه مقر برسالة النبي - ﷺ -.
وقوله: ﴿بِرُسُلِي﴾ "الرسل": جمع رسول: وهم الذين أرسلهم الله تعالى إلى بني إسرائيل، وأكثر الأنبياء الذين قصوا علينا من بني إسرائيل.
قوله: ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾؛ أي: نصرتموهم؛ لأن التعزير يعني النصرة وأصله من التقوية، قال الله ﵎: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩]، أي: تعزروا الرسول - ﷺ -.
قوله: ﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾؛ أي: بذلتم المال محتسبين الأجر من عنده؛ لأن المقرض يعطي القرض على أنه سوف يرد إليه عوضه، فالإقراض لله: يعني احتساب الثواب منه؛ كأنك بذلت الشيء ابتغاء مرضاته لتنال بذلك ثوابه.
[ ١ / ١٧١ ]
فإن قال قائل: قوله: ﴿وَأَقْرَضْتُمُ﴾ مع قوله: ﴿وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ﴾، هل هو من باب عطف المتغايرين أو هو من باب عطف العام على الخاص أم ماذا؟
يرى بعض العلماء أنه من باب عطف العام على الخاص؛ لأن الزكاة حقيقة إذا أدَّاها الإنسان محتسبًا ثوابها فهي من إقراض الله، ويكون ذكر الإقراض وهو أعم من الزكاة بعد ذكر الزكاة ليشمل الزكاة وغيرها.
وقيل: المراد بالإقراض هنا الصدقة؛ أي: ما زاد على الزكاة وعلى هذا يكون العطف عليها من باب عطف المتغايرين.
وقوله: ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ القرض الحسن: ما كان خالصًا لله على وفق شريعة الله، وقد بَيَّن الرسول ﵊ الإحسان في عبادة الخالق: أنه تمام الإيمان والمراقبة، فقال: "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" (^١).
قوله: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ هذا جواب قوله: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ﴾، وهل هو جواب للشرط التي هي: "إنْ" أو جواب للقسم المقدر المدلول عليه باللام، في قوله: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ﴾؟ الثاني، فهو جواب القسم ولهذا لم يقترن بالفاء، ولو كان جوابًا للشرط لاقترن بالفاء، وفي هذا يقول ابن مالك ﵀:
واحذف لدى اجتماع شرط وقسم جواب ما أخرت فهو ملتزم
والذي أخر هنا الشرط، إذًا: الذي حذف هو جواب
الشرط.
_________________
(١) تقدم ص ١٥٢ في حديث جبريل.
[ ١ / ١٧٢ ]
وقوله: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ أَجْعَلُهَا مكفرة بالحسنات التي فعلت من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والإيمان بالرسل وتعزيرهم، وإقراض الله قرضًا حسنًا، فالسيئات تكفر بهذه الحسنات.
قوله: ﴿وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ هذه معطوفة على قوله: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ﴾ وإذا جمعت بينها وبين أكفر، صار بها النجاة من المرهوب وحصول المطلوب، النجاة من المرهوب في قوله: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾؛ لأنها إذا كفرت لم يعاقب عليها، وحصول المطلوب، في قوله: ﴿وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، وبالتتبع والاستقراء، نجد أن أغلب ما يكون تقديم النجاة من المرهوب، ليرد المطلوب على محل خالٍ مما يرهب، فتكون التصفية قبل التحلية؛ يعني: صَفِّ الشيء قبل أن تحليه، اكنس المكان قبل أن تفرشه، وتأمل الآن في القرآن والسنة وفي غيرهما أيضًا، تجد أن النفي غالبًا يكون مقدمًا على الإثبات: فكلمة الإخلاص "لا إله إلا الله" قدم فيها النفي على الإثبات؛ ليرد الإثبات على مكان خالٍ من الشوائب.
وقوله: ﴿وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ ﴿جَنَّاتٍ﴾: المراد بها جنة المأوى، وهي كما نرى تذكر أحيانًا مفردة، وأحيانًا مجموعة، قال تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا﴾ [الحديد: ٢١]، "جنة": هنا مفردة، وتأتي جنات كثيرة مجموعة، فإفرادها باعتبار الجنس وجمعها باعتبار النوع؛ لأن الجنة أنواع، وقد ذكر الله تعالى في آخر سورة الرحمن أربعة أنواع، قال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن: ٤٦]،
[ ١ / ١٧٣ ]
ثم قال: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢)﴾ [الرحمن: ٦٢] يعنى سواهما لكن أيهما أشرف الأوليان أو الأخريان؟ الجواب: الأوليان، وابن القيم في النونية ذكر أن الفروق عشرة، لكن قال النظم يعييني أن أسوقها، إذًا تجمع الجنة على جنات باعتبار الأنواع وتفرد باعتبار الجنس.
وقوله: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ لو أننا فسرنا، جنات بما نفسر به الجنات في الدنيا، وقلنا: الجنات: بساتين كثيرة الأشجار كثيرة الثمار، لم يذهب الذهن بعيدًا ولاستقلَّ نعيم الآخرة، لكن إذا قلنا: الجنة هي الدار التي أعدها الله تعالى لأوليائه -اللهم اجعلنا منهم- فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، أيهما أشد هزًا للمشاعر؟ الثاني بلا شك.
ولهذا قد نعتب على بعض الناس أن يفسر جنة المأوى بأنها البستان الكثير الأشجار، وأنها سميت بذلك لأن أشجارها ملتف بعضها إلى بعض فهي تستر من فيها، نقول: هذا لا شك أنه يقلل من تخيل الجنة وأنها شيء عظيم، فنقول: الجنة: هي الدار التي أعدها الله تعالى لأوليائه، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر؛ هذا يهز المشاعر ويوجب أن يسارع الإنسان ويسابق إليه.
وقوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ معلوم أنه ليس المراد من تحت أرضها؛ لأن النهر إذا جرى من تحت الأرض فأي فائدة فيه؟ ولهذا لا ننتفع بالأنهار الجوفية، ولكن المراد بقوله: ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ قال العلماء: أي: من تحت قصورها وأشجارها، وما
[ ١ / ١٧٤ ]
أحسن اضطراد الأنهر تحت الأشجار الظليلة والقصور الفخمة العظيمة، لها منظر لا يتصوره الإنسان في الواقع، هذه الأنهار ليست كأنهار الدنيا، أنواعها أربعة: ﴿أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ [محمد: ١٥] يعني: لا يمكن أن يتغير وأنهار الدنيا تتغير، والثاني: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ [محمد: ١٥]، بل هو من أحسن ما يكون مذاقًا: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ [محمد: ١٥]، وقد نفى الله عنها الغول، قال تعالى: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (٤٧)﴾ [الصافات: ٤٧]، وقال ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد: ١٥]، نقي ليس فيه شيء مما يكون في عسل الدنيا، هذه أنهار أربعة تجري جريان.
الماء: ربما يتصور الإنسان كيف يجري، وكذلك اللبن الذي لم يتغير طعمه؛ لأن اللبن جارٍ، والخمر قد يتصور جريانه وقد لا يتصور؛ لأن الخمر ليس كله سواء، الرابع: العسل في تصورنا الآن أنه لا يمكن جريانه لكنه في الجنة نهر يجري، ثم إن ابن القيم ﵀ ذكر في النونية أن هذه الأنهار تجري بغير أخدود، فقال:
أنهارها من غير أخدود جرت سبحان ممسكها عن الفيضانِ
الله أكبر! النهر يجري ليس له أخدود يمنعه أن ينحرف يمينًا ويسارًا ولا حفر له على سطح مكان، ومع هذا أيضًا لا يجري إلا حيث شاء صاحبه، يصرفه كيف شاء ليس هناك عمال ولا عوامل وإنما هي: إرادات، قال تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف: ٧١]، إذًا هنا ميثاق بين متعاقدين: عمل يسير في مقابل ثواب كثير.
[ ١ / ١٧٥ ]
قوله: ﴿فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ﴾ "مَن" هنا: شرطية جوابها ﴿فَقَدْ ضَلَّ﴾، أي: فمن كفر بعد هذا الميثاق ولم يقم بما واثق الله عليه ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾، "الضلال": بمعنى الضياع والتيه، يعني تاه عن الصراط المستقيم، و﴿سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ أي: مستقيمه الموصل إلى المراد، وهذا من باب إضافة الموصوف إلى صفته.