والإحسان في معاملة المخلوق: هو أن تبذل لهم المعروف وأن لا تعتدي عليهم بما ليس بمألوف، ومنهم من قال: الإحسان: بذل الندى وكف الأذى وهذا بمعنى ما ذكرنا، ومما يدل على أن كف الأذى يعتبر من الإحسان هذه الآية.
° قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١٤)﴾ [المائدة: ١٤].
قوله: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ﴾ يعني وأخذنا من الذين قالوا: إنا نصارى ميثاقًا، ولم يقل: ومن النصارى، بل قال: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾، مع أنه في الآية الأخرى يثبت الله تعالى لهم هذا الوصف، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى﴾ [المائدة: ٦٩]، لكن هنا قال: ﴿قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾، وفائدة ذلك: إقامة الحجة عليهم حيث يدَّعون أنهم نصارى وأنهم أهل نصرٍ للحق، ومع ذلك نسوا حظًّا مما ذكروا به.
وقوله: ﴿أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ﴾ إذًا أَخَذَ الله الميثاق من اليهود وأخذ الله الميثاق من النصارى وكذلك من هذه الأمة، فإن الله تعالى أخذ منا الميثاق، كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [المائدة: ٧]، وقد أخذ الله الميثاق على بني آدم كلهم أن يؤمنوا به وبرسله ويوحدوه ولا يشركوا به شيئًا، فأخذ الله الميثاق على الذين قالوا:
[ ١ / ٢٠١ ]
إنا نصارى ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾، نسوا: أي: تركوا وهذا نسيان عمل، وهل يمكن أن يكون نسيان علم؟ لا يمكن، إن قلنا: إن بني إسرائيل قد سقطت عنهم المؤاخذة بالنسيان، لأنه إذا سقطت عنهم المؤاخذة فإنهم لا يعاقبون.
لكن إذا قلنا: إن عدم المؤاخذة بالنسيان خاص بهذه الأمة، قلنا: إن قوله: ﴿وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة: ١٣] يتناول: نسيان العلم ونسيان العمل، ولا شك أن نسيان العمل أشد من نسيان العلم حتى على القول: بأنهم يؤاخذون بنسيان العلم.
وقوله: ﴿حَظًّا﴾ أي: نصيبًا.
قوله: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ولم يذكر الله تعالى لهؤلاء النصارى مثل ما ذكر لليهود من أنه لعنهم وجعل قلوبهم قاسية، وابتلوا بتحريف الكلم عن مواضعه، ونسوا حظًّا مما ذُكِّروا به. أما هؤلاء فقال: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾، هذا العقاب يقول ﷿: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ﴾ أي: ألقيناها بينهم، لكنه عبر بالإغراء كأن كل واحد قد أغري بالآخر من شدة العداوة بينهم.
وقوله: ﴿الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾، "العداوة": بالقول والفعل، و"البغضاء": بالقلب. يعني: فلا موالاة بينهم ولا موادة، بل العداوة التي هي ضد الولاية والبغضاء التي هي ضد المودة.
وقوله: ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ يعني: حتى إلى وقتنا هذا، فالنصارى مختلفون متعادون، يضلل بعضهم بعضًا ويكفر بعضهم بعضًا.
فان قال قائل: نحن الآن نجد أن النصارى متفقون؟
[ ١ / ٢٠٢ ]
نقول: هذا الاتفاق اتفاقٌ ظاهري وإلا ففي قلوبهم من العداوة والبغضاء بعضهم لبعض ما لا يعلمه إلا الله، ثم هم متفقون على عدو ثالث، كما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة: ٥١]، فهم متفقون على عدوٍ ثالث وإلا فهم فيما بينهم مختلفون، قلوبهم متنافرة واعتداءاتهم ظاهرة.
وقوله: ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ نقول: العداوة الآن والبغضاء بين النصارى وبين طوائفهم لا شك أنها موجودة؛ لأن خبر الله صِدْق، وقد قال: ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، لكن ما نشاهده من الاتفاق الظاهري: فإنه مخالف لما في الباطن، ثم كما تقدم لأن اتفاقهم ضد عدو للجميع وليس هذا بغريب في مسائل الدنيا وسياستها.
قوله: ﴿يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ أما يوم القيامة فقد سبق أنه اليوم الذي يبعث فيه الناس وأنه سمي بذلك لأمور ثلاثة: الأول: أن الناس يقومون فيه من قبورهم لرب العالمين، والثاني: أنه يقام فيه الأشهاد، والثالث: أنه يقام فيه العدل.
قوله: ﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ "سوف": للتحقيق، لكنها تدل على التراخي وأختها "السين" للتحقيق، لكنها تدل على الفورية، فإذا قلت: سيقوم زيدٌ. فالمعنى أنه يقوم الآن، وإذا قلت: سوف يقوم؛ أي: فيما بعد، لكن كلاهما يدل على التحقيق وأن الأمر محقق ولا بد من وقوعه.
وقوله: ﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ أي: يخبرهم بما كانوا يصنعون، وإخباره ﷾ بأنه سوف
[ ١ / ٢٠٣ ]
ينبؤهم تهديد؛ لأنه إذا نبأهم بما صنعوا، فما بعد ذلك إلا الجزاء بما يستحقون.
وقوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ أي: بما كانوا يعملونه من نسيان الحظ مما ذكروا به.