فأضاف الفعل إليهم، والأصل أن الفعل إذا أضيف إلى أحد فإنه قائم به مختار له، والجبرية يقولون: إن الإنسان مجبر على عمله، حتى في الحركات الإرادية يقولون: هو مجبر، حتى لو أراد الإنسان أن يأكل أو يشرب يقولون: هو مجبر على ذلك، ولا شك أن قولهم هذا يخالف المحسوس والمعقول والمنقول.
° قال الله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥، ١٦].
قوله: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾: هم اليهود والنصارى، وإذا كان كذلك فالمراد بالكتاب هنا: الجنس وهو التوراة والإنجيل، وأضافهم الله تعالى إلى الكتاب وسماهم أهلًا له لإقامة الحجة عليهم ونفي العذر، كأنه قال: يا أهل الكتاب أنتم أهل الكتاب عندكم علم وعندكم معرفة، ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا﴾ وأنتم تعرفون هذا الرسول كما تعرفون أبناءكم.
قوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا﴾ يريد به محمدًا - ﷺ -.
قوله: ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾ "يُبَيِّنُ" الجملة حال من رسول؛ أي: حال كونه يبين لكم؛ أي: يظهر لكم.
قوله: ﴿كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ أي: يبين لكم حكمه؛ لأن الحاجة تدعو إليه. والبعض الآخر يعفو
[ ١ / ٢٠٦ ]
عنه، فيبين لكم كثيرًا مما كنتم تخفون من الكتاب مما تقوم به الحجة عليكم.
قوله: ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِير﴾، أي: يتركه ولا يذكره؛ لأنه لا حاجة لذكره، وسماه عفوًا لأن فيه سترًا لفضائحهم التي كانوا يقومون بها من كتمان ما أنزل الله، فيعفو عن كثير مما لا تدعو الحاجة إلى ذكره، ومن تدبر القرآن وجد فيه أخبارًا كثيرة عن بني إسرائيل، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ [الأنعام: ٩١]، فهذا دأب أهل الكتاب.
قوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾، "النور": هل المراد به محمدٌ - ﷺ - المراد ما يحصل من الكتاب والسنة من الهدى؟ المراد الثاني، وعلى هذا فيكون قوله: ﴿وَكِتَابٌ﴾ معطوفًا على نور، من باب عطف المقتضي على المقتضى، مثل قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤)﴾ [الأعلى: ٢ - ٤].
وأيضًا قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤)﴾ [النساء: ١٧٤]، فمحمدٌ - ﷺ - أتى بالنور الذي هو الهدي الساطع اللامع الذي لا ظلمة معه.
وقوله: ﴿وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ هو القرآن وقد تقدم أنه سمي كتابًا لأمور ثلاثة: أولًا: أنه مكتوب في اللوح المحفوظ. ثانيًا: أنه مكتوب في الصحف التي بأيدي الملائكة. ثالثًا: أنه مكتوب في الصحف التي بأيدينا، وفعال: بمعنى مفعول، كما جاء ذلك كثيرًا في اللغة العربية، مثل: غراس وبناء.
[ ١ / ٢٠٧ ]
وقوله: ﴿مُبِينٌ﴾ هل المراد مبين لغيره أو بيِّن لنفسه؟
المراد كلاهما، وذلك؛ لأن "أبان" الرباعي يستعمل لازمًا ويستعمل متعديًا، فتقول: أبان الصبحُ، بمعنى: بان، وتقول: فلان أبان الحقَ، بمعنى: أظهر، وإذا كانت الكلمة تستعمل في معنيين، فإنها تحمل عليهما بالشرطين اللذين ذكرناهما سابقًا، الأول: أن لا يتنافيا، وأن تحتملهما على السواء، وهنا الكلمة تحتمل هذا وهذا مع أن بعضهما لازم لبعض، فإنه إذا كان مبيِّنًا لغيره فهو بَيِّن بنفسه.
قوله: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ "يهدي به": "الباء" هنا للسببية، "والهداية" هنا: إن كان المراد بقوله: "به" يعني: بدلالته، فالهداية هنا هداية دلالة، وإن كان المراد بقوله: "يهدي به" أي: باتباعه، فالهداية هداية توفيق ودلالة.
وننظر إلى بقية السياق، ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾ ﴿مَنِ﴾: مفعول أول، "سبل": مفعول ثاني، و"رضوانه": مفعول لـ"اتبع"، إذًا: المهدي هو متبع الرضوان، والذي هدي إليه هو سبل السلام.
قوله: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾ أي: تطلَّبه وابتغاه ورأى ما يرضي الله فقام به.
قوله: ﴿سُبُلَ السَّلَامِ﴾ ولم يقل: سبيل السلام، مع أن التعبير الغالب أنه يعبر عن طريق الإسلام بالإفراد، وعن طرق الضلال بالجمع، لكن هنا لما قال: ﴿اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾ تعين أن يكون المراد بالسبل هنا شرائع الإسلام؛ لأنه إذا كان متبعًا
[ ١ / ٢٠٨ ]
لرضوان الله فقد اهتدى وأسلم وآمن، لكن الإسلام له شرائع وله سبل، فلهذا قال: ﴿سُبُلَ السَّلَامِ﴾، وإضافة السبل إلى السلام من باب إضافة الشيء إلى مسبَّبِه؛ أي: السبل التي يحصل بها السلام، فالسلام من كل شيء، والسلام من النار، والسلام من الزيغ، والسلام من الشبهات، يعني تشمل كل معنى تحتمله كلمة السلام.
قوله: ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ﴾ ﴿يُخْرِجُهُمْ﴾: أي: الله ﷿، والمراد بقوله: يخرجهم أي: من اتبع رضوانه، وعاد الضمير في قوله: ﴿يُخْرِجُهُمْ﴾ إلى ﴿مَنِ﴾ بلفظ الجمع مراعاة لمعناها؛ لأن ﴿مَنِ﴾ لفظها مفرد ومعناها قد يراد به الجمع، فصح أن يعود الضمير إليها مجموعًا، وهذه قاعدة في "من"، سواء كانت اسمًا موصولًا أو اسم شرط، فيجوز أن يعود الضمير إليها بلفظ الجمع باعتبار المعنى وبلفظ الإفراد باعتبار اللفظ، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق: ١١]، فتجد أن الله تعالى أعاد الضمير إليها مرة بلفظ الجمع ومرة بلفظ الإفراد، ثم أعاد مرة ثانية بلفظ الإفراد.
فقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا﴾ الضمير جاء بلفظ الإفراد، وقوله: ﴿يُدْخِلْهُ﴾ إفراد أيضًا، ﴿خَالِدِينَ﴾ أعاد الضمير بصيغة الجمع، وقوله: ﴿قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ﴾ جاء بصيغة الإفراد.
قوله: ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ﴾ الظلمات، ظلمات الجهل والشرك والمعاصي والفسوق وغير ذلك.
[ ١ / ٢٠٩ ]
قوله: ﴿بِإِذْنِهِ﴾ الإذن: هنا قدري، والإذن القدري بمعنى: المشيئة والإرادة، ويقابله الإذن الشرعي، مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩]، معلوم أن الله أذن لهم قدرًا لكنه لم يأذن لهم شرعًا، ومن الإذن الشرعي قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]، ومن الإذن القدري قوله في هذه الآية: ﴿بِإِذْنِهِ﴾ ومنها أيضًا قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، فالإذن نوعان: إذن قدري وإذن شرعي.
والفرق بينهما: أن الإذن الشرعي لا يكون إلا فيما يرضاه الله ﷿، والإذن القدري يكون فيما يرضاه وفيما لا يرضاه، هذا الفرق الأول.
والفرق الثاني: أن ما أذن به شرعًا فقد يقع وقد لا يقع، إذ إن الناس قد يمتثلون، وقد لا يمتثلون وأما ما أذن به قدرًا فلا بد من وقوعه.
قوله: ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ الهداية إذا تعدَّت بـ "إلى" فهي هداية الدلالة، وعلى هذا فمعنى قوله: ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: يدلهم إليه، وهذا يعني فتح أبواب العلم لهم حتى يعلموا ما لم يكونوا يعلمونه من قبل.