الجواب: القدري؛ لأن إخراجهم من الظلمات إلى النور يتعلق بالربوبية أي: بالقدر.
الفائدة الثانية والعشرون: أنه كلما تمسك الانسان بشريعة الله هداه الله تعالى، لقوله: ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، فالمعاصي سبب للزيغ، والطاعة والامتثال سبب للهداية والرشد، وهذا له أمثلة كثيرة في القرآن ولا حاجة إلى استيعابها؛ لأنها تمر كثيرًا.
الفائدة الثالثة والعشرون: أن الطرق منها المستقيم ومنها المعوج، فطريق الله تعالى مستقيم، وما سواه من الطرق فإنه معوج، ليس فيه قيام ولا يوصل إلى نتيجة.
° قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾ [المائدة: ١٧].
قوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ لا يخفى أن الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات وهي: "اللام"، و"قد"، والقسم المقدر؛ لأن قوله: و﴿لَقَدْ﴾ يقدر بقولك: واللهِ لقد كفر الذين قالوا.
إذا قال قائل: ما الذي أعلمكم أن هناك شيئًا محذوفًا هو القسم؟ نقول: أعلمنا ذلك ربنا ﷿؛ لأن الله تعالى قال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ
[ ١ / ٢٢١ ]
مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥]، واللسان العربي: كلما جاءت مثل هذه الصيغة فهي مقدرة بقسم، وعلى هذا فيكون الذي دلنا على ذلك هو كلام الله ﷿.
وقوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾، وهؤلاء هم النصارى بنص القرآن: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠].
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ﴾ "هو": ضمير فصل، وضمير الفصل يفيد ثلاثة أشياء: الأول: الحصر، والثاني: التوكيد، والثالث: التمييز بين الصفة والخبر، وهذا الأخير أحيانًا يستغنى عنه ويعرف الخبر بدونه لكن يؤتى به، كقوله تعالى: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (٤٠)﴾ [الشعراء: ٤٠] فـ: ﴿هُمُ﴾: ضمير فصل، ودليل ذلك نصب ما بعده، وإلا لكان مرفوعًا، ففي قوله: ﴿إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ لا نحتاج لضمير الفصل للتمييز بين الصفة والخبر؛ لأن الضمائر تنعت ولا ينعت بها، وهنا لا يمكن أن تكون ﴿الْغَالِبِينَ﴾ نعتًا للواو من وجهين: أولًا: للقاعدة التي ذكرنا وهي أن الضمائر لا تنعت ولا ينعت بها، والثاني: أن ﴿الْغَالِبِينَ﴾ منصوبة، والواو مرفوعة، فلا يمكن أن تكون نعتًا لها.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ أكدوا تأكيدًا بهذا الضمير أن الله هو المسيح ابن مريم قاتلهم الله أنى يؤفكون، كيف يكون الله هو المسيح ابن مريم، ابن مريم مخلوق وليس بخالق، الخالق هو الله ﷿، فكيف يكون الخالق عين المخلوق؟ هذا مستحيل عقلًا كما هو مستحيل شرعًا، هم أيضًا قالوا: إن المسيح ابن الله، كما قالت اليهود: عزير ابن الله.
[ ١ / ٢٢٢ ]
وقوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾، "المسيح ": بمعنى الماسح، والمسيح الدجال بمعنى الممسوح، وليُنتَبه إلى الفرق: المسيح هنا بمعنى: الماسح، قال العلماء: لأنه لا يمسح ذا عاهة إلا برأ بإذن الله، يبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله فسمي مسيحًا، المسيح الدجال: مسيح: بمعنى ممسوح؛ لأن عينه ممسوحة حيث إنه أعور، وأما من استحب من العلماء ﵏ وعفا عنهم، أن يقال للمسيح الدجال: المسيخ، يعنى ممسوخًا، وفي عيسى ابن مريم المسيح فهذا غلط؛ لأن الذي علَّم أمته أن يقولوا: "أعوذ بالله من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال" (^١) أعلم منهم بذلك ومع ذلك سماه المسيح.
وقوله: ﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾ أضافه إلى أمه؛ لأنه ليس له أب، وسيأتينا في الفوائد إن شاء الله أن من ليس له أبٌ يضاف إلى أمه، ومريم هي بنت عمران وأخت هارون.
وهل هي أخت لموسى وهارون ﵉؟
الجواب: لا، بل سميت بذلك؛ لأنهم كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم، وإلا فبينها وبينهما زمن بعيد.
قوله: "قل" يعني يا محمد، لهؤلاء: ﴿فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾، الله أكبر! حجة دامغة، من يملك من الله شيئًا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعًا.
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الجنائز، باب التعوذ من عذاب القبر، حديث رقم (١٣١١)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب ما يستعاذ منه في الصلاة، حديث رقم (٥٨٨) عن أبي هريرة.
[ ١ / ٢٢٣ ]
إذًا: فالمسيح ابن مريم، مربوب مقدور عليه، يقدر الله على أن يهلكه وأمه ومن في الأرض جميعًا، فكيف يكون هو الله ﷿؟ هذا لا يمكن، لو أراد الله تعالى أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعًا، لا أحد يملك من الله شيئًا، وهذه حجة دامغة، والدليل على هذا: أن عيسى ابن مريم ﵊، حاول اليهود أن يقتلوه، وفعلًا دخلوا وقتلوا من ألقى الله شبهه عليه، وقالوا: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [النساء: ١٥٧].
قوله: ﴿فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ "يملك" بمعنى: يمنع، من يمنع شيئًا أراده الله إن أراد بالإرادة الكونية القدرية أن يهلك المسيح ابن مريم، أي: يتلفه بعد أن كان موجودًا، المسيح ابن مريم الذي قلتم إنه هو الله، وأمه أيضًا التي أتت به فيهلك الفرع والأصل، الفرع عيسى والأصل أمه، فالله تعالى لو أراد أن يهلك المسيح الذي زعمتم أنه الله وأصله التي هي أمه، ومن في الأرض جميعًا، هل أحذ يملك أن يمنع الله جلَّ وعلا؟ لا واللهِ، لا أحد يملك أن يمنع الله، قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [فاطر: ٤٥]، والقادر على أن يبعثهم بكلمة واحدة كلهم يوم القيامة قادر على أن يهلكهم بكلمة واحدة ولا أحد يرده ولا أحد يملك منه شيئًا.
قوله: ﴿وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ جميعًا: هذه حال من المسيح وأمه ﴿وَمَنْ﴾ في قوله: ﴿وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ يعني يهلكهم كلهم.
ثم قال: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، كل ما في السموات والأرض، كل ما نشاهده فهو مملوك لله، وإذا كان
[ ١ / ٢٢٤ ]
مملوكًا لله، تعذر أن يكون هو الله، فاستدل الله ﷿ على أنه ليس الله بأمرين:
الأول: أن المسيح لا يملك أن يدفع شيئًا عن نفسه لو أراد الله أن يهلكه.
الثاني: أن كل شيء في السماء والأرض فهو ملك لله فكيف يكون عيسى هو الله؟ كيف يكون المملوك مالكًا؟ هذا مناقض للعقل والفطرة.
قوله: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾، السموات وهي سبع، والأرض وهي سبع، السموات بنص القرآن أنها سبع، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦)﴾ [المؤمنون: ٨٦]، لكن الأرض ليس في القرآن تصريح بأنها سبع، لكن في القرآن ما يدل على أنها سبع، كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]، لو أردنا أن نقول: المماثلة في الوصف أو المماثلة في الكبر، أو المماثلة في العظم لكذبنا الواقع، إذ لا مقارنة بين السماء والأرض.
فإذا امتنعت الكيفية تعينت الكمية، فيكون المراد بقوله: ﴿مِثْلَهُنَّ﴾ أي: في العدد، وجاءت السنة صريحة بأنها سبع أراضين، كما في قوله - ﷺ -: "من اقتطع من الأرض شبرًا بفير حق - أو قال ظلمًا - طوقه يوم القيامة من سبع أرضين" (^١).
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب المظالم والغصب، باب إثم من ظلم شيئًا من الأرض، حديث رقم (٢٣٢١)، ومسلم، كتاب المساقاة، باب تحريم الظلم وغصب الأرض وغيرها، حديث رقم (١٦١٠) عن سعيد بن زيد، واللفظ لمسلم.
[ ١ / ٢٢٥ ]
لو قال قائل: ذكرتم فيما سبق أن الأراضين سبع فأين الست الباقية؟
الجواب: الست الباقية في جوف هذه الأرض؛ لأن النبي - ﷺ - قال: "من اقتطع شبرًا من الأرض ظلمًا طوقه الله به يوم القيامة من سبع أرضين" (^١). وهذا يدل على أن الأراضين في جوف هذه الأرض، لكن كيف؟ لا ندري.
وقوله: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ ما بين السماء والأرض، لكن قد يقول قائل: لماذا جعل الله تعالى ما بين السماء والأرض عديلًا للسماء والأرض؟ قلنا: لأن بين السماء والأرض من الآيات العظيمة ما جاز أن يكون قسيمًا للسموات والأرض وعديلًا لهما.
إذًا نقول: "ما بينهما": فيه آيات عظيمة، وتجول الناس الآن في الكون وفي الآفاق يدل على أن هناك أشياء من أعجب ما يكون من مخلوقات الله ﷿، ولهذا في القرآن الكريم كثيرًا ما يقرن ما بينهما، أي: بين السماء والأرض.
قوله: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ هذا الدليل الثالث؛ لأن النصارى البلهاء الضلال قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم؛ لأنه خلق بدون أب، وافتدى بنفسه جميع الخلق، على زعمهم أن الخلق كانوا مستحقين للعذاب والعقوبة، وأن عيسى ابن مريم ﵊ افتدى الخلق بنفسه وصبر على القتل وعلى الصلب، فاستحق أن يكون إلهًا لهم.
قوله: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ وإذا كان يخلق ما يشاء، فمن الذي يحجر عليه أن يخلق شخصًا من أم بلا أب، فقد خلق الله آدم لا
_________________
(١) تقدم ص ٢٢٥.
[ ١ / ٢٢٦ ]
من أم ولا من أب، وخلق حواء من أب بلا أم، وخلق عيسى من أم بلا أب، وخلق بقية البشر من أم وأب، فالله على كل شيء قدير.
قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وهذا الدليل الرابع، فبقدرته خلق عيسى من أم بلا أب.