يستثنى من قدرة الله تعالى شيء، بل كل شيء فالله قدير عليه، وأما قول بعضهم - كصاحب الجلالين - خص العقل ذاته فليس عليها بقادر، فهذا خطأ إلا أنه على قاعدة منكري الأفعال الاختيارية الذين يرون أن ذلك صواب؛ لأنه يوجد طائفة من هذه الأمة يقولون: إن الله ﷿ لا تقوم به الأفعال الاختيارية، فالنزول إلى السماء الدنيا ممنوع عندهم، والاستواء على العرش ممنوع، والضحك ممنوع كذلك، والإتيان يوم القيامة ممنوع، كل الأفعال التي يفعلها بمشيئته واختياره يرون أنها ممنوعة. لماذا المنع؟ قالوا: لأنه مستحيل، والمستحيل على اسمه لا تتعلق به القدرة كالجمع بين النقيضين، فيقال لهم: هذا غلط، بل إن الأشياء التي تنافي الكمال لا يمكن أن يتصف الله بها كالنوم مثلًا فمستحيل أن الله جلَّ وعلا ينام، وهذا الكلام لا يرد إطلاقًا؛ لأنه مستحيل، لكن الله جلَّ وعلا ينزل إلى السماء الدنيا وينزل للفصل بين العباد ويساوي على العرش ويضحك ويعجب؛ لأنه لا ينافي الكمال بخلاف النوم فهذا ينافي الكمال.
الفائدة الخامسة والعشرون: أنه ينبغي أن يختم الكلام بما يناسب المقام، وجهه: أن مخالفة أهل الكتاب للرسول ﵊ تعني أنهم معرضون للعقوبة، والله غير عاجزٍ عن عقوبتهم لكمال قدرته.
* * *
° قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٠)﴾ [المائدة: ٢٠].
[ ١ / ٢٥٣ ]
قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى﴾ "إذ": هذه ظرف، ومن القواعد المقررة عند النحويين: أنه لا بد لكل جار ومجرور أو ظرف، من متعلق، هذا المتعلق هو العامل في الواقع؛ لأن الظرف مفعول فيه فلابد من فعل يقع فيه، والجار والمجرور في محل المفعول به فلابد له من متعلق كذلك، ولهذا قال ناظم الجمل:
لابد للجار من التعلقِ بفعلٍ أو معناه نحو مرتقي
وقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى﴾ "إذ" هذه ظرف تحتاج إلى عامل، أرى أن جميع المعربين إلا من لم نطلع على إعرابهم في القرآن الكريم كما جاءت "إذ" غالبًا يقدرون لها "اذكر إذ قالوا"، وهنا هل نقول: إن متعلق "إذ"، "اذكر"، فيكون هنا الخطاب موجهًا إلى الرسول - ﷺ -، أو أن المراد: اذكروا أي: يا أهل الكتاب، نقول: يحتمل هذا أو هذا، فإن كان الثاني: فمعناه أن الله تعالى بنفسه يذكرهم، وإن كان الأول، فمعناه أنه أمر رسوله أن يذكرهم، ومؤدى المعنيين واحد.
قوله: "إذ قال موسى لقومه" وهم بنو إسرائيل ﴿يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾، قوله: "يا قوم": ناداهم مناداة البعيد، قال أهل البلاغة: وهذا يدل على إعراضهم وصدودهم وعلى بلاهتهم، ولا شك أن بني إسرائيل من أشد الناس عتوًا حتى على نبيهم ﵊، فلذلك قال: ﴿يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ و"النعمة" هي الإفضال والإحسان، والمراد: اذكروا هذه النعمة لتقوموا بشكرها، ثم بَيَّن هذه النعمة فقال: ﴿إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ (إذ) متعلقة بـ (نعمة)؛ لأنها بمعنى إنعام، أي: اذكروا إنعام الله عليكم.
[ ١ / ٢٥٤ ]
وقوله: ﴿جَعَلَ فِيكُمْ﴾ "في" هذه للظرفية وينبغي أن نجعلها على معناها، وأن لا نجعلها بمعنى "من"، أي: منكم أنبياء، بل نقول: فيكم؛ لأن النبي يكون من سطة قومه، ومن أشراف قومه، وهي كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: ٢].
قوله: ﴿أَنْبِيَاءَ﴾ فيها قراءتان: ﴿أَنْبِئَاء﴾، ﴿وَأَنْبيَاء﴾،
وكلاهما قراءة صحيحة؛ لأنهما سبعيتان، وهل المراد هنا بالأنبياء الرسل أو الأنبياء الذين دون الرسل؟ يحتمل هذا وهذا؛ لأن فيهم رسلًا وفيهم أنبياء بلا رسالة.
قوله: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ أي: صيركم ملوكًا، وتأمل الفرق بين الأنبياء والملوك، الأنبياء قال: ﴿فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾ الملوك، قال: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ فهل معنى العبارة الثانية كالأولى؟ ولكنه جعل الملك عامًا؛ لأن أي واحد منهم يمكن أن يكون ملكًا بخلاف النبوة، فإنها من عند الله، ولهذا قال: ﴿فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾ ولم يقل: جعلكم أنبياء، أو يقال: جعلكم ملوكًا، والملوكية هنا ملكية نسبية اعتبارية، أي: باعتبار كونكم خدمًا أذلاء لآل فرعون أصبحتم الآن أحرارًا تملكون أنفسكم، ولا أحد يقيدكم فيما تريدون؟ الجواب: يحتمل المعنى هذا وهذا، ولا شك أن هذا وهذا حصل.
قوله: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ "وآتاكم" بمعنى: أعطاكم، والفرق بين "أتاكم" "وآتاكم"، أن "أتاكم" بمعنى: جاءكم، "وآتاكم" بمعنى: أعطاكم، ولهذا آتاكم تنصب مفعولين، لكن ليس أصلهما المبتدأ والخبر، المفعول الأول في
[ ١ / ٢٥٥ ]
هذه الآية: "الكاف"، والثاني: "ما"، يعني الذي لم يؤت أحدًا من العالمين.
وقوله: ﴿لَمْ يُؤْتِ﴾ أصلها: لم يؤته، لكن حذف العائد الذي يعود على اسم الموصول، والأصل: ما لم يؤته أحدًا من العالمين، وعلى هذا فتكون "أحدًا" مفعولًا ثانيًا.
وقوله: ﴿أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ أي: من العالمين الذين سبقوكم بل والذين في وقتكم، وهنا تأمل أنه لم يقل ﵊: ما لن يؤتِيَ، بل قال: ما لم يؤتِ، وبينهما فرق، فلو قال: ما لن يؤتيَ؟ صار قوم موسى أفضل الناس إلى يوم القيامة ولن يُعطي أحدٌ مثلهم، لكن إذا قال: ما لم يؤتِ: يعني في الماضي، وهو كذلك؛ لأن الله تعالى آتى هذه الأمة والحمد لله ما لم يؤتِ بني إسرائيل ولا غيرهم.