قلنا: إذا خيف هذا الشيء منع، ولكل مقام مقال، أما إذا كان ذِكْرُ هذا الشيء يستلزم أن يقوم بأمر الله فليذكر ولا يضر، ولذلك كان الناس يوم القيامة يتوسلون إلى آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى، بما خصهم الله به من المناقب والكرامات (^١).
* * *
° قال الله تعالى: ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١) قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢) قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣) قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤) قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٥) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾ [المائدة: ٢١ - ٢٦].
قوله: ﴿يَاقَوْمِ﴾ النداء من موسى ﵊، والنداء هنا يتضمن شيئين:
الشيء الأول: أن فيه شيئًا من استبلاههم، وأنهم لن يتفطنوا ولن يستمعوا إلى الخطاب إلا إذا ورد بالنداء ولفظ القومية.
_________________
(١) انظر: صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدًا شكورًا، حديث رقم (٤٧١٢)، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها، حديث رقم (١٩٤).
[ ١ / ٢٥٨ ]
الشيء الثاني: أيضًا أنه قال: ﴿يَاقَوْمِ﴾ استعطافًا لهم؛ لأنه فرق بين أن يكون المخاطب من قومك أو من غير قومك.
قوله: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قال: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ﴾ لم يقل: قاتلوا حتى تدخلوا، والأرض المقدسة قال العلماء: معناها الطاهرة من الشرك؛ لأن هذه الأرض كانت أرض الأنبياء. ثم ما هي هذه الأرض وما المراد بها؟ قال العلماء: هي أرض الشام التي تشمل ما يسمى في العصر الحاضر سوريا وفلسطين والأردن وغيرها وجميع المنطقة، وهذا في زمن موسى، وأما بعد بعثة محمَّد - ﷺ - لا شك أن المسجد الحرام أشد قداسة من المسجد الأقصى، وكذا المسجد النبوي.
وقوله: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أيضًا فيها بشارة بأنهم سوف يغلبون، ففي هاتين الجملتين بشارتان: الأولى: ادخلوا الأرض، والثانية: التي كتب الله لكم، والكتابة هنا هي الكتابة القدرية؛ لأن الكتابة تتنوع إلى نوعين:
كتابة شرعية: مثل قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣].
وكتابة قدرية: مثل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥)﴾ [الأنبياء: ١٠٥].
وقوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قلنا: إن الكتابة هنا كتابة قدرية لا شرعية، لو كانت شرعية لتعدت بـ "على"، والمعنى كتب عليكم ولا يستقيم المعنى.
قوله: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾ أي: لا ترجعوا بعد أن كنتم مقبلين على القتال على أدباركم؛ لأن النكوص على الدبر
[ ١ / ٢٥٩ ]
والرجوع هزيمة وذل، ولهذا ورد النهي الشديد عن التولي يوم الزحف.
قوله: ﴿فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ لا ترتدوا فتنقلبوا، والانقلاب يشعر بخيبة الأمل، ولهذا قال: ﴿فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ و﴿خَاسِرِينَ﴾ حال من الواو في قوله: ﴿فَتَنْقَلِبُوا﴾ فماذا كان الجواب؟
كان الجواب كما قال تعالى: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ انظر للخطاب في قوله: ﴿يَامُوسَى﴾ لم يقولوا: يا نبي الله ولا يا رسول الله، ﴿قَالُوا يَامُوسَى﴾ وهذا لا شك أنه جفاء في مخاطبته، أن يخاطبوا نبيهم باسمه، ولهذا نهى الله هذه الأمة أن يخاطبوا الرسول - ﷺ - باسمه في قوله: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]، على أحد التفسيرين؛ لأن بعض العلماء يقولون: المعنى لا تدعوه باسمه كما يدعو بعضكم بعضًا، وإن كانت هذه الآية تشمل هذا المعنى وتشمل المعنى الثاني وهو أنه إذا دعاكم لا تجعلوا دعاءه كدعاء بعضكم بعضًا إن شئتم أجبتم وإن شبهتم لم تجيبوا، بل يجب عليكم أن تجيبوا، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤].
قوله: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾، ذكروا علة تدل على جبنهم وخورهم وضعف عزيمتهم بل عدم عزيمتهم.
وقوله: ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ الجبار: هو العاتي الكبير الجسم الطويل مأخوذٌ من قولهم في اللغة العربمِة: نخلة جبارة، والنخلة الجبارة: هي النخلة القوية العالية، وإلى الآن هذا المعنى موجود يقال: فلان عنده بستان جبارٌ نخلُه، يعني قويًّا عاليًا لا يتناول الإنسان ثمره بيده.
[ ١ / ٢٦٠ ]
إذًا: ﴿جَبَّارِينَ﴾ تدور على المعنيين السابقين: الأول: عتاة الأخلاق، والثاني: أقوياء الأجسام لا نستطيع أن نقاتلهم.
قوله: ﴿وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ - سبحان الله - هذا قول صبيان، ﴿لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ من يقاتلون إذا لم يكن فيها أحد؟ لا شيء، وهذا مما يدل على سفاهة بني إسرائيل، وأيضًا أكدوا هذا المعنى بقولهم: ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾، وتأمل قولهم: ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا﴾ لم يقولوا: فإذا خرجوا، كأنهم يستبعدون خروجهم؛ لأن "إن" الشرطية: تتميز عن "إذا" بأن "إن" يكون فعل الشرط فيها حاصلًا وغير حاصل، بل قد يكون من الأشياء المستحيلة، لكن "إذا" تدل على وقوع الشرط، لكن المؤقت حصول الشرط، إذا قلت: إن قام زيد قمت، تجد الفرق بينها وبين قولك: إذا قام زيد قمت، إذا قام معناه أنه سيقوم، لكن لا أقوم إلا إذا قام فهو شرط للتوقيت أي: توقيت القيام، لكن إن قام زيد قمت شرط لحصول القيام، وقد يحصل وقد لا يحصل وقد يكون من المستحيل أن يحصل، كما في قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)﴾ [الزخرف: ٨١]، هذا في حق الله، وفي حق الرسول: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، وكلا الأمرين ممتنعان غاية الامتناع، الأول: وهو أن يكون للرحمن ولد، والثاني: وهو أن يشرك رسول الله - ﷺ -، الداعي إلى الإخلاص والتوحيد.
إذًا: هم يقولون: ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ يعني: كأنهم مستبعدين غاية الاستبعاد أن يخرجوا منها، ولذلك ابتلوا بالتيه، كما سيأتي إن شاء الله، وهو: الضياع وعدم الاهتداء إلى
[ ١ / ٢٦١ ]
هذا المكان. وتأمل أيضًا قوله: ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ يعني: يؤكدون دخولهم إذا خرج هؤلاء، وإذا خرج هؤلاء، هل يحتاج إلى أن يؤكد الدخول؟ لا يحتاج، لكن سبحان الله إذا تأمل الإنسان حال هذه الأمة الغضبية وجد أنهم في غاية السفاهة في العقول، كما أنهم في غاية الضلال في الدين، ومن رأى مزيد بيان في هذا الأمر فليرجع إلى كتاب ابن القيم ﵀ "إغاثة اللهفان" فإنه تكلم عن خصائص الملل بما لا مزيد عليه.
قوله: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾، أولًا، ننظر في تركيب هذه الآية الكريمة، قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ صفة لـ ﴿رَجُلَانِ﴾؛ لأن النكرة ما يأتي بعدها من الجملة وشبهها يكون صفة لها، ﴿يَخَافُونَ﴾ صلة الموصول. ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ "أنعم" هنا فعل وليس مفعول؛ لأن مفعول يخافون محذوف نقدره إذا شاء الله بعدُ، ﴿أَنْعَمَ﴾ جملة فعلية محلها من الإعراب صفة لرجلان، ويجوز أن تكون حالًا منها لأنها نكرة خصصت، والنكرة إذا خصصت جاز وقوع الحال منها.
لكن قد يقول قائل: أليس الأنسب في التركيب أن يقال: قال رجلان أنعم الله عليهما من الذين يخافون؟
الجواب: لا؛ لأن قوله: ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ إن قدر أنها حال، فلا إشكال لأن الوصف التابع لموصوفه إعرابًا أولى بالموالاة؛ لأن الحال متابعة لموصوفها معنىً مفارقة له إعرابًا، بخلاف النعت، فنقول: هذه إن جعلناها حالًا فإنها تكون متأخرة عن الوصف المباشر هذا الأول.
[ ١ / ٢٦٢ ]
ثانيًا: أن قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ شبه جملة، فهي في حكم المفرد. "وأنعم" جملة، والنعت بالمفرد أولى بالموالاة من النعت بالجملة؛ فلدينا ثلاثة أشياء: إما أن ينعت الموصوف بما يطابقه في الإفراد، وإما أن ينعت بشبه الجملة، وإما أن ينعت بالجملة والمفرد، وشبه الجملة ألصق بالمنعوت من الجملة، فلهذا كانت الفصاحة تقتضي تقديم ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾.
قوله: ﴿قَالَ رَجُلَانِ﴾ الله ﷿ لم يبين مَنْ هذان الرجلان، وليس لنا في معرفة عينهما ضرورة. ولأن تعيين الرجلين باسمهما لا يتوقف عليه فهم القضية وفهم الواقع، ولذلك تأتي آيات كثيرة وأحاديث كثيرة ليس فيها تعيين الإنسان بعينه؛ لأن المقصود هو فهم القضية.
لكن لو قال قائل: ألا يمكن أن يكون الرجلان موسى وهارون؟ الجواب: لا يمكن، ولو قلنا بذلك لفسد المعنى، المهم ماذا قالا؟ أما أن نعرف من هما، فلو كان هذا الأمر من الأمور التي تنبني عليه العقيدة لكان الله ﷿ بَيَّنَهُ إما في القرآن أو على لسان الرسول - ﷺ -.
وقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ أي: يخافون الله، ولهذا نقول: إن مفعول يخافون محذوف، تقديره: الله.
وقوله: ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ أنعم الله عليهما بأمور:
أولًا: خوف الله ﷿، فإن خوف الله من أكبر النعم؛ لأن خوف الله يستلزم اجتناب محارم الله، والقيام بطاعته.
ثانيًا: أنعم الله عليهما بالقوة: بقوة النفس؛ لأنهما الآن يقابلان أمة؛ لأن قوم موسى كلهم قالوا له: ﴿إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا﴾.
[ ١ / ٢٦٣ ]
هذان الرجلان قابلا الأمة كلها، مما يدل على الشجاعة والعزيمة الصادقة، وهذه لا شك أنها نعمة إذا وفق الله العبد قوة وشجاعة وعدم مبالاة بالكثرة؛ لأن الكثرة ليست بشيء أمام الحق.
وقوله: ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ أيضًا بحصافة الرأي؛ لأن كل من قرأ البشائر التي ذكرها موسى ﵊، لا شك أنه سوف يُقْدِم، الأولى ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ والثانية: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، إذًا: أنعم الله عليهم من هذه الوجوه الثلاثة، وقد يكون أكثر من هذا.
لو قال قائل: قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس: ٩٢] بعضهم يحمل هذه الآية على وجود بعض أجسام الموتى لآل فرعون، بل بعضهم يقول: إن بعضها فرعون نفسه، فهل هذا صحيح؟
الجواب: نحن نعلم أن المدة طويلة، وأن الناس يخلقون من لا شيء شيئًا، ألم تعلم أنه قيل: إن رأس الحسين ﵁ في النجف وفي سوريا وفي مصر! ! يعني صارت ثلاثة رؤوس، فلا نصدق بهذه الأشياء، والظاهر لنا أن فرعون لما طفا على ظهر الماء ورآه بنو إسرائيل انتهى أمره وأكلته الحيتان أوْ لا ندري عنه، أما أن نقول: أن الذي يوجد الآن في الأهرام هو فرعون فإذا لا نصدقه ولا نكذبه، وأما قوله تعالى: ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾، أي: لبني إسرائيل، فنحن نصدق كلام الله سواء رأينا جسمه أم لم نره، آيتنا نحن كلام الله ﷿، لكن هلاكه كان آية لبني إسرائيل الذي كان يرعبهم.
لو قال قائل: وقع البعض في تحجيم قضية الصراع مع اليهود على أنه صراع على الأرض وليس صراعًا عقديًّا؟
[ ١ / ٢٦٤ ]
الجواب: لما تخلف الصلاح، وأقولها بمرارة: لما تخلف الصلاح في هذه الأمة صار هذا التسليط تسليط اليهود على هذا الجزء من الأرض، فالواجب علينا أن نقاتل اليهود وغير اليهود ممن كفروا بالله، لا على أساس الأرض، ولكن على أساس العقيدة، ولهذا صاروا هم أقوى، فيجب تعديل النية وإصلاح العمل قبل كل شيء، إذا عُدِّلت النية وأُصِلحَ العمل حصل خير كثير.
وقوله: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ أي: سيروا إليهم ولا تشعروهم بأنكم سائرون، وائتوهم بغتة، ادخلوا عليهم الباب بدون أن يكون هناك سابق علم؛ لأنه ما من قوم قوتلوا في ديارهم إلا ذلوا. ولهذا سأل النبي - ﷺ - ربه حين أراد أن يجاهد أهل مكة في الفتح، سأل الله تعالى أن يعمي الأخبار عنهم حتى يبغتهم في دارهم (^١). ولهذا قالا: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ أي: لا تنذروهم ولا تخبروهم أنكم قادمون عليهم، و"أل" في قوله: "الباب" للعهد الذهني أي: باب المدينة.
قوله: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾ يعني: إذا دخلتم الباب فإنكم غالبون ولن يغلبوكم، أي: ستكون الغلبة لكم، وهذا إرشاد وتوجيه.
قوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾ لما أمر هذان الرجلان هؤلاء القوم أن يعملوا الأسباب النافعة أرشدوهم إلى أن لا يعتمدوا على أنفسهم، بل يتوكلون على الله، فقالوا: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾
_________________
(١) رواه البيهقي في السنن الكبرى (٩/ ٢٣٣) (١٨٦٣٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٣/ ٥٢١). وانظر: البداية والنهاية (٤/ ٢٧٨ - ٢٧٩).
[ ١ / ٢٦٥ ]
والجار والمجرور في قوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ﴾ متعلق بقوله: ﴿فَتَوَكَّلُوا﴾ والفاء مزيدة لتحسين اللفظ، ولهذا لو قيل: "وعلى الله توكلوا"، لصح، ولا يصح أن نجعلها عاطفة، يعني: لو جعلناها عاطفة والواو عاطفة ما استقام الكلام، ولكنها زيدت لتحسين اللفظ.
وقوله: ﴿فَتَوَكَّلُوا﴾ التوكل قال العلماء: إنه صدق الاعتماد على الله، أي: أن يعتمد الإنسان على ربه اعتمادًا صادقًا مع الثقة به وحسن الظن، وفعل الأسباب، هذه أربعة أوصاف: الأول: صدق الاعتماد على الله، الثاني: مع الثقة به، الثالث: وحسن الظن، والرابع: فعل الأسباب.
فإذا اجتمعت هذه الأوصاف الأربعة فإذا هو حقيقة التوكل، فمن اعتمد على الله لكنه في شك فإنه ليس بمتوكل حقيقة، كذلك أيضًا لو أنه اعتمد على الله ولكنه لم يثق تلك الثقة، إما لما يعلم من ذنوبه أو لما يعلم من قصور الأسباب، أو لغير ذلك، فإنه لم يصدق التوكل، والثالث: حسن الظن، وحسن الظن في التوكل أن يظن الإنسان بربه ﵎ أنه حسبه لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] وقوله: مع فعل الأسباب؛ لأن هذا لا بد منه، إذ إن الله تعالى يقدر الشيء بسببه، وهذا من تمام حكمته.
انظر إلى قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا﴾، ثم قال: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك: ١٥] فلابد من سعي ولذا قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] فلابد من فعل الأسباب، ولكن بشرط أن تكون الأسباب شرعية، إما منصوصًا عليها في الكتاب والسنة، وإما معلومة بالتجارب التي يشهد لها القدر.
[ ١ / ٢٦٦ ]
قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ هذا شرط في إخلاص التوكل على الله ﷿، إذ لا يتوكل على الله تمام التوكل إلا من كان عنده إيمان بما وعبد الله به في قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣].
وبعد هذه المشورة وهذا التوجيه الحسن النافع، انظر الجواب: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا﴾ وهذا النفي نفي لفعلهم الشرعي أو نفي لفعل الله القدري؟
الجواب: الأول، يعني: لا يمكن أن ندخلها ما داموا فيها، وإذا ذهبوا عنها، دخلوها، هل هذا كلام؟ ! معلوم أنك إذا وجدت قرية خالية ليس فيها أحد، وأنت تريد أهلها معلوم أنك ستدخلها. لكن هذه عقلية بني إسرائيل.
ولذا قالوا: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾ يقولون لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ﴾، فمن ربه؟ قال بعض المفسرين: ربه هو هارون؛ لأن الرب يطلق على السيد وهارون أكبر من موسى، والأكبر من الأخوين يكون سيدًا للأصغر منهما، لكن هذا بعيد، والظاهر أنهم أرادوا الرب رب العالمين ﷿؛ لأن موسى يدعوهم إلى الله، وإلى ربهم ﵎.
فكأنهم من عجرفتهم وكبريائهم وغطرستهم، يقولون: ما دام أن عندك رب، اذهب أنت وربك فقاتلا، فأرادوا من الله أن ينزل الميدان يقاتل مع موسى - قاتلهم الله -، ومع ذلك قالوا: ﴿إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ها هنا: في المكان القريب؛ لأن "هنا": للقريب، و"هنالك": للبعيد. هنا في مكاننا لن نتعداه، سنبقى متفرجين عليك أنت وربك، ولا يخفى ما في هذا الكلام من الغطرسة والعجرفة والجفاء - والعياذ بالله - فماذا قال موسى؟
[ ١ / ٢٦٧ ]
قال: ﴿رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾ قوله: "ربِّ"، يخاطب ربه رب العالمين.
قوله: ﴿إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾، يعني: لا أملك أمرًا إلا أمر نفسي وأمر أخي، ويقصد بأخيه هارون ﵇.
قوله: ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ سأل الله تعالى أن يفرق بينه وبين القوم الفاسقين. فيكون هو وأخوه في جانب والفاسقون في جانب آخر. ماذا كانت إجابة الله؟
قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ أي: علي بني إسرائيل الذين أمروا بالقتال ﴿مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ تحريمًا قدريًّا، كما في قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢]، فالتحريم قد يكون شرعيًّا كما في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] وقد يكون قدريًّا كما تقدم.
قوله: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ شمسية أو هلالية؟ هلالية؛ لأن التوقيت بالهلال كما قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩]، وإلى وقت ليس ببعيد التوقيت بالهلال، حتى إن اليهود لما صاموا يوم عاشوراء صامه الرسول ﵊ وقال: "نحن أحق بموسى منكم" (^١).
قوله: ﴿يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: يضيعون، وسبحان الله المسافة بين مصر وأرض الشام تقدر بحوالي شهر، لكن هم بقوا أربعين سنة لم يهتدوا للطريق، ليست سنة ولا سنتين بل أربعين
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الصوم، باب صيام يوم عاشوراء، حديث رقم (١٩٠٠)، ومسلم، كتاب الصيام، باب صوم يوم عاشوراء، حديث رقم (١١٣٠) عن ابن عباس.
[ ١ / ٢٦٨ ]
سنة في هذه المساحة القليلة من الأرض؛ ولأن الله ﷿ أعماهم فحرموا هذا الخير وهو دخول الأرض المقدسة، حرموا إياه من أجل هذا العناد والعتو.
وقوله: ﴿يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ فلا يهتدون سبيلًا، ولكن لماذا خص التيه بأربعين سنة؟ هناك جوابان:
الجواب الأول: أن مثل هذه الأمور القدرية أو الشرعية المحددة بعدد لا يمكن أن يكون الإنسان عالمًا بحكمتها؛ لأن هذه ليس للعقل فيها مجال، وقد تقدم كثيرًا أن المحدد شرعًا أو قدرًا ليس للعقل فيه مجال؛ إلا أشياء يسيرة من الأمور القدرية.
الجواب الثاني: قال بعض العلماء: إنهم تاهوا أربعين سنة، وأربعون سنة مدة طويلة، يمكن أن ينشأ فيها جيل جديد، على غير ما كان عليه هؤلاء المعاندين، وهذا من الناحية النظرية ليس ببعيد، لكن قد يعترض عليه بأنه: هل هذه المدة مدة كافية؟ الجواب: نعم كافية؛ لأن الشعوب قد تتحول مع قوة الداعي وضعف المانع إلى عادات وأخلاق في أقل من أربعين سنة، حسب قوة الدافع وقلة المانع.
قوله: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ أي: لا تحزن، كما قال تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣] أي: لا تحزنوا، أي: فلا تحزن على القوم الفاسقين، مما عاقبهم الله به؛ لأنهم أهل لهذه العقوبة.