مخالفة ما ذكر مناقض التقوى الله، لقوله بعد أن أمر بما أمر به ونهى عما نهى عنه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾.
الفائدة الثالثة والعشرون: شدة عقاب الله ﷿ والتحذير من مخالفته لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
* * *
° قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾ [المائدة: ٣].
قوله: ﴿حُرِّمَتْ﴾ هذا فعل مبني لما لم يسمَّ فاعله، والفاعل هو الله ﷿، فحذف الفاعل للعلم به، فإن قال قائل: قال الله تعالى في هذه الآية: ﴿حُرِّمَتْ﴾ وفي سورة البقرة والنحل قال: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ [البقرة: ١٧٣ - النحل: ١١٥] فنسب التحريم إلى الله صراحة، فلماذا اختلف التعبير؟
فالجواب من وجهين:
الوجه الأول: أن بلاغة القرآن لا يمكن أن يدركها كل الناس؛ لأنها كلام الله ﷿، والله تعالى لا نحيط به علمًا، لا في ذاته ولا في صفاته، فبلاغة القرآن أعظم من أن تدركها عقولنا، وعلى هذا الجواب يجب الإمساك عن مثل هذه الأمور، ونقول: هذا أمر فوق عقولنا، وبذلك يمسك كل مؤمن عن محاولة التكلف في معرفة الفرق.
[ ١ / ٣٤ ]
أما الوجه الثاني: فيمكن أن يقال: في البقرة والنحل قال: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ﴾ لأنه بصيغة الحصر في أمور أربعة، فكأنه قال: ما حَرم إلا هذا خلافًا لما حرمتم أنتم في الجاهلية، قال تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ [المائدة: ١٠٣] فقال: ما حرم إلا هذا إظهارًا لفضله ﷿ وأنه لم يحرم إلا أربعة أصناف فقط من الطيبات، وهذا الذي حرمه الله ليس بطيب.
قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ هذا بيان لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١] قوله: ﴿الْمَيْتَةُ﴾ "أل" هنا لبيان الحقيقة، يعني: كل ميتة فهي حرام، والميتة هي ما مات حتف أنفه أو ذكي على وجه غير شرعي، وقولنا: (ما مات حتف أنفه) يعني بدون فعل فاعل أو بفعل فاعل لكن لا على الوجه الشرعي، مثاله: إذا مرضت البهيمة وماتت نقول: هذه ماتت حتف أنفها، وإذا دق عنقها شخص فماتت نقول: هذه ذكاة غير شرعية.
لكن يستثنى من الميتة ميتة البحر فإنها ليست بحرام، لقول الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦] قال عبد الله بن عباس ﵄: "صيده ما أخذ حيًّا، وطعامه ما أخذ ميتًا"، كما في قصة السرية الذين وجدوا العنبر وأقرهم النبي ﵊ على أكلها (^١)، وكذلك يستثنى الجراد كما في حديث عبد الله بن عمر: "أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة سيف البحر وهم يتلقون عير قريش، حديث رقم (٤١٠٣)، ومسلم، كتاب الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان، باب إباحة ميتات البحر، حديث رقم (١٩٣٥) عن جابر بن عبد الله ﵁.
[ ١ / ٣٥ ]
الميتتان فالجراد والحوت" (^١) وهذا الحديث أعله بعض العلماء بضعفه مرفوعًا، وهذه العلة معلولة؛ لأننا إذا قلنا: إنه غير مرفوع فهو موقوف في حكم المرفوع؛ لأن ابن عمر لا يمكن أن يقول: أحل لنا إلا وقد سمعه من الرسول ﵊.
والجراد ليس بحريًّا بل لا يعيش إلا في البر، لكنَّ ميتته حلال:
أولًا: لأن الإلزام بتذكيته إلزام بما لا يمكن، مَنْ يستطيع أن يمسك كل جرادة ويذبحها؟
وثانيًا: أنه ليس فيها دم يحتاج إلى استخراجه؛ فلذلك أحلت، لكن هل يلزم من تحريم الميتة أن تكون نجسة؟
نقول: لا يلزم، لكن هناك دليل على نجاستها وهو قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] أي: ما ذكر.
إذًا يستثنى من الميتات الجراد وميتة البحر.
لو قال قائل: هل يشرع للمضطر أن يستغفر بعد أن يأكل من الميتة؟
الجواب: لا يشرع له، بل يشرع له أن يحمد الله "إن الله ليرضى على العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة ويحمده عليها" (^٢).
_________________
(١) رواه ابن ماجه في كتاب الأطعمة، باب الكبد والطحال، حديث رقم (٣٣١٤)، وأحمد في المسند (٢/ ٩٧) (٥٧٢٣) عن ابن عمر.
(٢) رواه مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب استحباب حمد الله تعالى بعد الأكل والشرب، حديث رقم (٢٧٣٤).
[ ١ / ٣٦ ]
قوله: ﴿وَالدَّمُ﴾ الدم هنا مطلق و"أل" فيه لبيان الحقيقة، ولكنه قُيد في سورة الأنعام بالدم المسفوح، احترازًا من الدم الذي يبقى في العروق بعد التذكية فإنه ليس بحرام؛ لأنه لا يمكن أن تأخذ العرق وتمصه بعد أن يذكى، فالحرام هو الدم المسفوح الذي يخرج عند الذكاة أو يخرج عند فصد العرق أو ما أشبه ذلك، وكانوا في الجاهلية يأكلون الميتات ولا يبالون بها، ويقولون: كيف تحرمون ما قتله الله ولا تحرمون ما قتلتموه، يعني: بالذكاة، وكانوا أيضًا يأكلون الدم المسفوح، يَفصد الإنسان عرق ناقته ويمصه، فحرمه الله ﷿.
وعلى هذا فالكبد لا تحرم، والطحال لا يحرم، والكلى لا تحرم، والدم الذي يكون في القلب لا يحرم، والدم الذي يبقى في العروق لا يحرم؛ لأن الدم قيده الله بالمسفوح.
قوله: ﴿وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ لحم الخنزير حرام، والخنزير معروف، حيوان خبيث من شأنه أن يأكل القاذورات والحشرات وما أشبهها، وهو أيضًا معروف بعدم الغيرة، والذي يتغذى به يكتسب من طبيعته، ولهذا "نهى النبي - ﷺ - عن كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير" (^١) لأن ذوات الأنياب والمخالب من طبيعتها الاعتداء، وأن تفترس غيرها، فلذلك نهى عنها لئلا يتأثر الإنسان بغذائه منها.
قوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ الإهلال في الأصل رفع
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان، باب تحريم أكل كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، حديث رقم (١٩٣٤) عن ابن عباس.
[ ١ / ٣٧ ]
الصوت، والمراد به هنا ما ذكر اسم غير الله عليه، مثل أن يقول: باسم المسيح، باسم عزير، باسم الرئيس الفلاني، باسم الولي الفلاني، باسم النبي، باسم جبريل، أو بأي اسم، فإذا ذبح على اسمٍ غيرَ اسمِ الله فإنه حرام.
قوله: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ المنخنقة بنفسها والمخنوقة بفعل فاعل، المنخنقة بنفسها مثل: أن تجر الحبل، أي: القلادة التي في رقبتها ثم تضيق عليها حتى تنخنق، أو كما قال بعض السلف: تدخل رأسها بين غصنين من أغصان الشجرة ثم تعجز عن إخراجه فتنخنق، والصحيح أنه يشمل المختنقة والمنخنقة، المختنقة بفعل فاعل يعني: كما لو أن إنسانًا أمسكها وضم رقبتها حتى ماتت فالصحيح أنها تدخل في المنخنقة وإن كانت تسمى مختنقة.
إذًا: المنخنقة هي الميتة بالخنق سواء بفعل نفسها أو بفعل فاعل.
قوله: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ من الوقذ وهو الضرب الشديد حتى تموت، مثاله: يأتي إنسان فيضرب البهيمة ضربًا شديدًا فتموت إما بعصا وإما بحجر وإما بحبل أو بغير ذلك، هذه أيضًا لا تحل لأنها موقوذة، وكذلك البهيمة إذا صدمتها سيارة تعد من الموقوذة وليست من النطيحة؛ لأن صاحب السيارة لا يريد أن يناطح.
قوله: ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾ الساقطة من عالٍ، سواء كان عاليًا من فوق أو عاليًا من أسفل، فالمتردية من الجبل متردية من فوق، والمتردية من فم البئر إلى أسفله متردية من أسفل، فالمتردية حرام؛ لأنها ماتت بغير ذكاة شرعية.
قوله: ﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾ فعيلة بمعنى مفعولة، أي: المنطوحة،
[ ١ / ٣٨ ]
وهي التي تناطحت مع أختها حتى قتلتها؛ لأن هذا الموت ليس بفعل فاعل ممن تصح ذكاتهم.
قوله: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ ما أكل السبع كالذئب والكلب والأسد وما أشبه ذلك، فالمراد بالسبع هنا كل ما يعتدي على البهائم ويأكلها.
إذا قال قائل: ما أكله السبع كيف يُستخرج من بطنه؟
يقال: المعنى ما قتله ليأكله، أو ما شرع في أكله، ولهذا قال بعض العلماء: إذا قطع السبع الأوداج، أو الأوداج والحلقوم والمريء على رأي، أو قطع حشوته، أي: أمعاءه ومعدته فهذا في حكم الميت لا تنفع فيه التذكية، وهذا فيه نظر؛ لأن الآية عامة ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾.
قوله: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ عد الله ﷿ من المحرمات: الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، والمنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع، هذه تسعة، والعاشرة: وما ذبح على النصب. وهل الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ يعود على التسعة كلها أو على بعضها؟
الجواب: على بعضها قطعًا؛ لأن الميتة لا يمكن أن تذكى؛ لأنها قد ماتت وانتهت، ولحم الخنزير كذلك لا يمكن أن تحله الذكاة؛ لأنه محرم لنوعه لا للقصور في سبب موته، ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ أيضًا لا يمكن أن تحله الذكاة، اللهم إلا أن يدركه قبل موته إنسانٌ غَيْرَ الذي ذَكَرَ اسمَ غَيْرِ اللهِ عليه فيذكيه الذكاة الشرعية، مثل أن نسمع إنسانًا يذبح شاة يقول: باسم المسيح، ثم ذكاها وانصرف وأدركنا ذكاته قبل أن تموت فهذا
[ ١ / ٣٩ ]
يدخل في الآية، لكن إذا كان قد قطع الأوداج فإنه يعتبر في حكم الميت، فلا يمكن أن تأتي عليه الذكاة.
إذًا: يبتدئ الاستثناء من قوله: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ وهذه الأوصاف أوصاف لسبب الموت وعددها خمس. فالنطيحة ربما تدركها قبل أن تموت، والمتردية كذلك، وما أكل السبع كذلك، والموقوذة كذلك، يمكن أن تدركها قبل أن تموت.
فاذا قال قائل: بماذا تكون تذكية هذه الأشياء التي أصابها سبب الموت؟
الجواب: تكون التذكية بقطع الحلقوم والمريء، أو بقطع الودجين، أو بقطع ثلاثة من أربعة، أو بقطع الأربعة، على خلاف بين العلماء، وأرجح الأقوال أن التذكية تحصل بقطع الودجين، وأن من كمالها قطع الحلقوم والمريء أيضًا: فما هما الودجان؟
هما العروق الغليظة المحيطة بالحلقوم، تسمى في مصر بالودجين، وتسمى عندنا جلاميد، وفي بعض المناطق تسمى الوردان، وأقرب ما يكون للقرآن أنها الوردان وإلا فاللغة واسعة، قال تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦].
الحاصل: أنه إذا أدركها وقطع أوداجها قبل أن تموت فهذه التذكية، لكن ما علامة الموت؟ هل لا بد أن تتحرك بيدها أو رجلها أو عينها أو أذنها أو ذنبها، أو لا تشترط لها الحركة؟
أكثر العلماء يقولون: لا بد أن تتحرك؛ لأنك إذا ذبحتها ولم تتحرك فمعنى ذلك أنها ماتت، وقال شيخ الإسلام ﵀: علامة الحياة أن يخرج منها الدم السائل المسفوح الحار الأحمر؛
[ ١ / ٤٠ ]
لأن الحيوان إذا مات انقلب دمه إلى أسود، وانتقل من الحرارة إلى البرودة، وأيضًا تجلط الدم، أي: لا يسيل كما يسيل عند ذبحه، فيقول ﵀: إنه إذا خرج منها الدم الأحمر الحار الذي يسيل فإنها تحل سواء تحركت أم لم تتحرك؛ لأنها قد لا تتحرك لشدة ما نزل بها، قد يكون أغمي عليها مثلًا فلا تتحرك، لا بعينها ولا برجلها ولا بذنبها، وما ذهب إليه الشيخ ﵀ هو الصحيح، أنه متى خرج منها الدم الأحمر الحار الجاري فهي مذكاة.
قوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ يعني: ما ذبح على الأصنام، وكانوا يذبحون على الأصنام تقربًا لها، وهذا شرك، حتى لو ذبحوها لله ﷿ لكن اعتقدوا أن هذا المكان أفضل، وأما قوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ أي: ما ذكر عليه اسم غير الله تعالى، مثل أن يقول: باسم المسيح أو باسم المَلِك أو باسم الوزير فهذا حرام حتى ولو كان لغير العبادة، وسواء كان هذا أمام الصنم أو غائبًا عن الصنم، أما قوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ أي: ما ذبح على الصنم، وذلك بأن يكون الصنم بين يديه ويذبح لهذا الصنم فهو قول لا فعل.
قوله: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾ أي: حرم عليكم أن تستقسموا بالأزلام، وجه الصلة بين هذه المسألة وما قبلها ظاهر؛ لأن الاستقسام بالأزلام يريد به المستقسم أن يصل إلى ما هو خير له، وكذلك في هذه المطعومات يريد أن يتناول ما هو خير له.
ومعنى الاستقسام بالأزلام: طلب القَسْم، يعني: طلب ما يقسم الله لك، فهو يشبه في الدين الإسلامي الاستخارة، وكانوا
[ ١ / ٤١ ]
في الجاهلية إذا أراد أحدهم الأمر ولم يتبين له وجه الصواب استقسم بالأزلام، والأزلام جمع زلم وهي الأقداح، التي يستقسم بها فيكتب على أحدها افْعَل وعلى الثاني لا تفعل، والثالث لا يكتب عليه شيء، ثم يضعها في كيس أو نحوه ويخلط بينها ثم يُخرِجُ واحدًا منها، فإن خرج افعل فعل، وإن خرج لا تفعل لم يفعل، وإن خرج الثالث أعاد، وهم إنما يجعلون الثالث الذي ليس فيه افعل ولا تفعل من أجل أن يطول الاستقسام؛ لأنهما لو كانا قدحين لخرج من أول مرة، لكن يجعلون الثالث من أجل أن يتأخر الاستقسام لعلهم يرجحون شيئًا على آخر.
قوله: ﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ ﴿ذَلِكُمْ﴾ المشار إليه كل ما سبق، أو الاستقسام بالأزلام؟ القاعدة: أنه إذا أمكن أن يعود اسم الإشارة أو الضمير إلى كل ما سبق فمحمول عليه.
وقوله: ﴿فِسْقٌ﴾ الفسق معناه الخروج عن الطاعة، ومنه قولهم: فسقت الثمرة إذا خرجت من قشرها، كذلك الخارج عن الطاعة فاسق لأنه خارج عما يجب أن يكون عليه.
قوله: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ "أل" هنا للعهد الحضوري، ﴿الْيَوْمَ﴾ يعني الذي نزلت فيه هذه الآية، واعلم أن "أل" العهدية تأتي للعهد الحضوري وتقدم، وتأتي للعهد الذهني أي: المعلوم في الذهن، مثاله تقول: ذهبت مع خصمي إلى القاضي، فالمراد بالقاضي هنا هو الذي يحكم بين الناس، وأما العهد الذكري فإن "أل" تشير فيه إلى مذكور مثاله قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ [المزمل: ١٥] ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٦].
[ ١ / ٤٢ ]
وقوله: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾، يعني: يئسوا من أن يغيروه أو يبدلوه؛ لأن الدين الإسلامي والحمد لله قد انتشر وبان وظهر.
قوله: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾ فلا داعي للخشية الآن، ما دام دينكم قد ظهر ويئس هؤلاء الكفار من أن يقضوا عليه فلا تخشوهم واخشون، "والخشية" هي: الخوف الناتج عن علم، دليل ذلك قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨].
قال أهل العلم: الفرق بين الخشية والخوف: أن الخشية تكون عن علم، والخوف لا يلزم أن يكون عن علم.
ثانيًا: أن الخشية تكون من عِظَمِ المخشي وإن كان الخاشي قويًّا، لكن المخشي يكون أقوى منه، والخوف لا يدل على عظم المخوف، وإنما يدل على ضعف الخائف أمام من يخاف منه وإن لم يكن قويًّا، وهذا فرق واضح، فالطفل الذي له أربع سنوات يخاف من الطفل الذي له ثمان سنوات مع أن الثاني ضعيف، لكن الذي يخشى من ملك أو صاحب سلطان قوي هذا يقال: إنه خاشي.
قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ أي: جعلته كاملًا، وليس المعنى أنني أتممت شرائعه؛ لأنه نزل بعد هذه الآية شيء من الشرائع، فالمعنى أن الدين كامل ولا يعني ذلك أنه تام، ولهذا فرق فقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾.
لو قال قائل: هذا يصدق من أول يوم نزل فيه الشرع؟
الجواب: لا؛ لأن الشرائع لم تتكامل من أول يوم نزل فيه
[ ١ / ٤٣ ]
الشرع، ولا يمكن أن يقول الله جل وعلا: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ولم ينزل إلا الجزء اليسير.
وقوله: ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ أي: ما تدينون الله به من العبادة.
قوله: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ التي هي إكمال الدين وهي أكبر النعم، ومعنى إتمامها أي: ليس فيها نقص.
قوله: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ أي: رضيت لكم الإسلام الذي جاء به محمد - ﷺ - دينًا تدينون الله به فلا تتخذوا دينًا سواه.
ثم قال بعد أن ذكر هذه النعم العظيمة علينا -قال عَوْدًا على ما ابتدأ في الآية- قال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ ﴿اضْطُرَّ﴾ فيها قراءتان "فمنِ اضطر" بكسرالنون لالتقاء الساكنين، والقراءة الثانية "فمنُ اضطر" بضم النون لمناسبة الضمة للفعل؛ لأن الضمة تناسب الطاء المضمومة فقد تكون أيسر في النطق، فاضطر، بمعنى: أصابته الضرورة، وأصلها اضتر، فقلبت التاء طاءً لعلة تصريفية معروفة في علم الصرف.
وقوله: ﴿فِي مَخْمَصَةٍ﴾ المخمصة المجاعة، ويدل لذلك قول الرسول ﵊: "لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكمٍ كما يرزق الطير تغدو خماصًا -أي: تذهب في الصباح خماصًا؛ أي: جائعة- وتروح بطانًا (^١).
_________________
(١) رواه الترمذي، كتاب الزهد، باب في التوكل على الله، حديث رقم (٢٣٤٤)، وابن ماجه، كتاب الزهد، باب التوكل واليقين، حديث رقم (٤١٦٤)، وأحمد (١/ ٥٢) (٣٧٠)، والحاكم (٤/ ٣٥٤)، وابن حبان (٢/ ٥١٠) (٧٣٠) عن عمر بن الخطاب.
[ ١ / ٤٤ ]
وقوله: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ أي: غير مائل لإثم ولا مريد له، لكن للضرورة أكل من هذه المحرمات.
وقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ يفسر قوله في الآيتين السابقتين: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ [البقرة: ١٧٣] فقوله: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ أي: غير مريد لهذه المحرمات بل ألجأته الضرورة لها، ﴿وَلَا عَادٍ﴾ أي: معتدٍ يريد الإثم، فمنهم من قال: غير باغ ولا عاد تفسره آية المائدة، وآية المائدة من آخر ما نزل، فيكون غير باغٍ لأكل الميتة ولا عادٍ بأن يأكل أكثر من ضرورته، وهذا تفسير مطابق للآيات الأخرى، وبعضهم قال: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ أي: الذين يخرجون على الإمام ﴿وَلَا عَادٍ﴾ أي: ولا عاصٍ في سفره، ولكن هذا المعنى بعيد جدًّا، ولهذا قالوا: من كان عاصيًا في سفره واضطر إلى أكل الميتة لا يأكلها وإن مات؛ لأنهم يشترطون أن يكون السفر مباحًا، والصحيح خلاف ذلك، والقرآن يفسر بعضه بعضًا، وأن قوله: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ تطابق تمامًا قوله تعالى: ﴿فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾.
واعلم أن المحرم للضرورة لا يحل إلا بشرطين:
الأول: ألا يوجد ما يدفع به الضرورة غير هذا المحرم.
الثاني: أن تزول ضرورته وإنما اشترطنا هذا لئلا يقول قائل: يجوز التداوي بالمحرم؛ لأنه غير ملجأ للتداوي بالمحرم لأنه قد يزول مرضه بدواء آخر، وقد يزول مرضه بدون دواء، وكم من إنسان وصل إلى أدنى حالة من المرض ثم يشفيه الله ﷿ دون أي سبب، والشرط الثاني: ألا تزول ضرورته إلا بهذا الدواء، فإنه قد يتداوى الإنسان ولا يشفى بخلاف من أكل محرمًا
[ ١ / ٤٥ ]
للجوع، فالإنسان إذا لم يجد إلا الميتة ولا يمكن أن تزول ضرورته إلا بأكلها، وإذا أكل زالت ضرورته لأن المعدة قد امتلأت.
قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: يغفر له ويرحمه، فغفر له الذنب بتناول هذا المحرم ورحمه بإباحته له.
لو قال قائل: إذا كان إنسان في سفر واضطر إلى الأكل ومعه صاحب له يستطيع أن يذكيه ويأكله، هل يجوز له ذلك؛ لأنه مضطر؟
الجواب: إذا كان حيًّا لا يجوز، هذا بالإجماع؛ أي: لا يجوز أن تقتل إنسانًا لتحيي نفسك، لكن إذا كان ميتًا، فالمشهور عندنا في مذهب الحنابلة أنه لا يجوز أكله، لقول النبي - ﷺ -: "كسر عظم الميت ككسره حيًّا" (^١) ولو أدى ذلك إلى موته نقول: لِيَمُت وهذا أجله، وذهب بعض العلماء وهو مذهب الشافعي: أنه يجوز للحي أن يأكل الميت عند الضرورة، وعللوا ذلك بأن حرمة الحي أعظم من حرمة الميت.