قبل؛ لأنه إذا فعل هذا وهو مشرك ثم تاب، تاب الله عليه، قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨].
إذًا نقول في هؤلاء: إذا تابوا بعد القدرة فإنه لا يسقط، نقول: لأن هذا حد وليس قتلًا للردة، والحد قد فعل ما يوجبه، والردة الذي يوجبها هو الشرك وقد زال بالإسلام، فلا يرد على هذا لا في المحاربين ولا في غيرهم من ذوي الحدود. لو قال قائل: بعض البلاد التي يحدث فيها الشغب يقوم الحاكم بإنشاء بعض القوانين حتى يرجع أولئك المحاربين، كقانون العفو العام، فيعفو عن الجميع حتى لو سرقوا وقتلوا ونهبوا كل ما فعلوا فإنه يعفى عنهم إذا وضعوا السلاح، فهل له ذلك لكي يكف شرهم؟
الجواب: هذا إنما نجوزه إذا دعت الحاجة إليه، بأن كنا لا نقدر عليهم، فيكون جائزًا.
° قال الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٣٥].
هذه الآية فيها نداء وفيها ثلاثة أوامر وفيها علة وغاية، أما النداء ففي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وقد تقدم ما روي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: إذا سمعت الله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك (^١).
_________________
(١) تقدم ص ٦.
[ ١ / ٣٢٩ ]
ذكرنا من قبل أن تصدير الخطاب بالنداء يدل على أهميته، ثم توجيه النداء إلى المؤمنين يدل على أن امتثال هذا من مقتضيات الإيمان، وأن مخالفته نقص في الإيمان، وأنه ينبغي إغراء الشخص المخاطب بما يحمله على الامتثال، يعني في الخطاب ينبغي أن تغري الشخص بما يحمله على الامتثال؛ لأن وصف الإنسان بالشيء الذي يحمله على الفعل والامتثال لا شك أنه يغريه ويزيده نشاطًا، فنقول مثلًا: يا أيها الكريم أكرم الضيف؛ لأنك إذا ناديته بـ (يا أيها الكريم)، فسوف يكون ذلك دافعًا له على إكرام الضيف.
وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ هكذا تأتي مطلقة في كثير من الآيات، فآمنوا بمن؟ نقول: الإيمان فسره النبي ﵊ أبين تفسير حيث مسألة جبريل عن الإيمان، فقال: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر" (^١)، وعلى هذا فيكون قوله: ﴿آمَنُوا﴾ أي: بما يجب الإيمان به وهي أركان الإيمان الستة.
قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ اتخذوا وقاية من عذابه وذلك بفعل الأوامر واجتناب النواهي على علم؛ لأن الإنسان قد يفعل شيئًا مأمورًا به لكن على غير علم أو يترك شيئًا منهيًّا عنه على غير علم، لكن لابد من العلم ليكون ذلك من خشية الله، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨].
ولهذا فسر بعض العلماء التقوى بأنها أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك ما نهى الله على نور
_________________
(١) تقدم ص ١٥٢.
[ ١ / ٣٣٠ ]
من الله تخشى عقاب الله، والنور: هو العلم، ولهذا نقول: أجمع ما قيل في تعريفها: أنها امتثال أمر الله واجتناب نواهيه علي علم حتى يحصل له الخشية؛ لأنه ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾.
هل نقول: اتقوا الله نفسه، أو اتقوا عذاب الله؟ كلاهما صحيح؛ لأن الله قال: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨]. فحذرنا الله تعالى من نفسه ﷿، وإنما حذرنا منها لأنه قال لنا: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٨]. وهذا خبر أخبرنا به الله ﷿ وقال لنبيه: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ [الحجر: ٤٩، ٥٠]، فإذًا يحذرنا الله نفسه أن يعاقبنا على مخالفته.
قوله: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾، أي: اطلبوا إليه، "الوسيلة": مفعول ﴿وَابْتَغُوا﴾، يعني: اطلبوا الوسيلة إليه، والوسيلة: هي التقرب إلى الله، كما فسرها كثير من المفسرين بأن معناها: ابتغوا القربة إليه، يعني: اطلبوا ما يقربكم إليه، فإذا كان الله أمرنا أن نطلب ما يقربنا إليه، فالذي يقربنا إليه هو امتثال أمره واجتناب نهيه طلبًا للقرب منه.
وقوله: ﴿الْوَسِيلَةَ﴾ ليس المراد بالوسيلة ما هو معروف عند المتأخرين، بأن يتخذ الإنسان وسائل في دعائه أو نحو ذلك؛ بل المراد: ابتغوا التقرب إليه، لكن بعض المحرفين قال: المراد بالوسيلة: الولي أو النبي أو جاه النبي أو جاه الولي، وهذا تحريف باطل، وإنما الوسيلة: الشيء الموصل إلى الله وإلى التقرب إليه ﷿.
[ ١ / ٣٣١ ]
مثال ذلك: الصلاة تقرب إلى الله، وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، ولا يوجد هذا الوصف وهو القرب من الله على هذا الوجه إلا في صلاة الإنسان، يتصدق ويتقرب إلى الله بالصدقة، يصوم ويتقرب إلى الله بالصيام، يحج ويتقرب إلى الله بالحج، لكن لا يوجد مثل الصلاة، أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فهو أقرب إلى الله ممن وقف بعرفة أو بالصفا أو بالمروة أو ممن يطوف بالبيت.
قوله: ﴿وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ﴾ أي: ابذلوا الجهد في إعلاء كلمته؛ لأن الجهاد في سبيل الله أن يقاتل الإنسان لتكون كلمة الله هي العليا، والمراد بقوله: ﴿فِي سَبِيلِهِ﴾ أي: دينه؛ لأنه هو الطريق الموصل إليه ﵎.
وقوله: ﴿وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ﴾ هذا أمر، ويأتينا إن شاء الله في استنباط الفوائد، أنه أمر مشروط بالقدرة كغيره من الأوامر.
قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ "لعل" هنا: للتعليل، أي: لأجل أن تفلحوا. "والفلاح": كلمة جامعة لحصول المطلوب وانتفاء المكروه، فهي من أجمع الكلمات.