حرارة النار -أعاذنا الله منها- أعظم من نار الدنيا بتسعة وستين جزءًا (^١)، فيقال: إن الله تعالى يؤلمهم ولكنه يبدل جلودهم كلما نضجت جلودهم بُدِّلوا بجلود غيرها ليذوقوا العذاب.
فإن قال قائل: أليس في ذلك ظلم لهؤلاء؛ لأن هذه عقوبة عظيمة؟
فيقال: لا ظلم؛ لأنهم أُنْذِروا وبُيِّنَ لهم وتوعدوا بهذا العذاب، وأتوه من قبل أنفسهم، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: ٥٧]، وإنما أوردت هذا الإيراد؛ لأن بعض القائلين: بأن النار تفنى، وهو قول شاذ منكر بلا شك، يقولون: إن حكمة الله ورحمته تأبى أن يعذب هؤلاء أبد الآبدين، مع أن وجودهم في الدنيا كان قليلًا لا ينسب إلى العذاب المؤبد، فيقال: إنه قد قامت عليهم الحجة، وإنهم أمضوا دنياهم كلها بدون إيمان ولا طاعة فتكون آخرتهم كلها ليس فيها ثواب ولا رحمة.
* * *
° قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٧].
قوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ الإرادة هنا: يحتمل أن يكون معناها المحبة لأن الإرادة تأتي
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة النار وأنها مخلوقة، حديث رقم (٣٠٩٢)، ومسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب في شدة حر نار جهنم وبعد قعرها وما تأخذ من المعذبين، حديث رقم (٢٨٤٣) عن أبي هريرة.
[ ١ / ٣٤٠ ]
بمعنى المحبة، كما قال الله ﵎: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٧]، ومعلوم أن هذه الإرادة بمعنى المحبة؛ إذ لو كانت الإرادة إرادة كونية لتاب الله على جميع الناس، فمعنى ﴿يُرِيدُونَ﴾ يحتمل أن المعنى: يحبون أن يخرجوا من النار، ولكن أنَّى لهم ذلك، ويحتمل أن المعنى أنهم يخدعون بمعنى: أن النار ترفعهم حتى يكونوا قريبين من أبوابها، ويريدون الخروج ولكن يردون إلى أسفلها -والعياذ بالله- كقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة: ٢٠]، والمعنيان صحيحان هم يحبون ذلك ويفعل بهم ما يكون طمعًا في خروجهم ثم يعادون.
وقوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ بل هم فيها باقون كما قال تعالى ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨]، وإذا كانوا لا يخرجون منها وهم خالدون فيها أبدًا، دل هذا ولا بد على أن النار باقية أبدًا وهو كذلك، وهذا هو الذي عليه أهل السنة والجماعة، وحكي إجماعًا لكن ذكر عن طائفة يسيرة جدًّا، أن النار تفنى بمن فيها، ولكنَّه قول ضعيف بل هو في الحقيقة باطل؛ لمخالفته لصريح القرآن، فإن الله ذكر التأبيد نصًّا صريحًا في ثلاثة مواضع:
الموضع الأول: في سورة النساء، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء: ١٦٨، ١٦٩]، الموضع الثاني: في سورة الأحزاب، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الأحزاب: ٦٤، ٦٥]، الموضع الثالث: في سورة الجن لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ﴾
[ ١ / ٣٤١ ]
نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣]، أَبَعْدَ هذا التصريح الواضح الصريح نقول إنها غير مؤبدة.
وقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ "ما" هنا حجازية وليست تميمية، والدليل أنها عملت عمل ليس لأننا نعلم أن لغة القرآن هي لغة قريش، وهذه طريقة القرآن، قال الله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [يوسف: ٣١]. ولم يقل: "ما هذا بشرٌ"، وفي الواقع لا نستطيع أن نستدل بالخبر على أن "ما" حجازية؛ لأن "الباء" عملت في الخبر عملًا لفظيًّا، فعلى هذا نقول: إن "ما" حجازية، والخلاف بين التميميين والحجازيين ليس في المعنى ولكن في العمل.
وإعراب قوله: ﴿بِخَارِجِينَ﴾ الباء حرف جر زائد.
وخارجين: خبر "ما" منصوب بالياء المقدرة منع من ظهورها اشتغال المحل بالياء، التي جلبها حرف الجر، وأنا عندي توسعة في مسألة النحو، فإن شئت قل: علامة جره أو علامة نصبه الياء؛ لأنه تسلط على الكلمة عاملان فعملا فيها، فالياء علامة الجر بالنسبة لحرف الجر، والياء علامة النصب بالنسبة للمحل.
وقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ بل هم باقون فيها، وعلى هذا فالباء حرف جر زائد، ومعنى قولنا: زائد، أي: أنه زائد إعرابًا، وليس المراد بكونه زائدًا أنه ليس له معنى بل له معنى، وهو: التوكيد؛ لأن جميع حروف الزيادة كما قال أهل البلاغة تفيد التوكيد.
قوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ نسأل الله العافية ﴿عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ دائم، كإقامة الرجل بالبلد.
[ ١ / ٣٤٢ ]