° قال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨].
قوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ "السارق": اسم مشتق من السرقة، والاسم المشتق المحلى بـ "أل" يقولون إنه للعموم، ولهذا نقول: "أل" من الأسماء الموصولة وصلتها الصفة الصريحة، والسرقة: في الاصطلاح هي أخذ المال على وجه الاختفاء من مالك أو نائبه، أما في اللغة: فهي أخذ المال خفية من المالك أو من غيره. فالسارق: هو الذي يأخذ المال على وجه الاختفاء من مالكه أو نائب مالكه.
فقولنا: "الذي يأخذ المال": خرج به من أخذ ما ليس بمال، كما لو أخذ خمرًا فإن هذا ليس بسارق اصطلاحًا؛ لأن الخمر ليس بمال، وخرج به من أخذ حرًا، يعني سرق صبيًا من بيت أهله فهذا ليس بسارق اصطلاحًا؛ لأنه ليس بمال، ويدخل فيه ما لو سرق عبدًا ولو كبيرًا فإنه يعتبر سارقًا؛ لأن العبد مال مملوك لسيده.
وقولنا: "من مالكه"، احترازًا مما لو أخذه من غير مالكه كما لو كان من غاصب، يعني أن رجلًا غصب مالًا، فسرقه سارق، أي: سرق هذا المال المغصوب فإنه لا يعد سارقًا اصطلاحًا، وإن كان يعد سارقًا لغة. لكنه اصطلاحًا ليس بسارق؛ لأن المال أخذ من شخص لا حرمة له، إذ إنه وضع يده عليه بغير حق.
قولنا: "أو نائبه" يعني: نائب المالك، مثل: الوكيل والوصي والناظر، وما أشبه ذلك، المهم أنه إذا أخذ المال من
[ ١ / ٣٤٤ ]
نائب المالك فهو سارق، وعلى هذا فالذي يسرق من الدكاكين التي فيها أموال للغير، يُحَرِّج عليها صاحب الدكان، هل يعتبر سارقًا؟؛ المال الذي في الدكان ليس لصاحب الدكان بل هو يبيع للناس نقول: نعم، إنه نائب عن المالك، فإذا قال السارق: أنا لم أسرق هذا المال من مالكه، قلنا: لكنك سرقته من نائب المالك.
قولنا: "على وجه الاختفاء" احترازًا مما لو أخذه قهرًا فإنه لا يعد سارقًا بل يعد غاصبًا، وكذلك لو أنه أخذه وهو مار كأن يكون في يد شخص ساعة يُحَرِّج عليها، أي: ينادي عليها، وفي مروره خطفها وهرب، هل يعد سارقًا؟
الجواب: لا؛ لأنه غير مختف، فلا يعد سارقًا، لكنه منتهب أو مختلس، مثاله: إنسان وقف عند الدكان، وكلم صاحب الدكان، فقال له: عندك السلعة الفلانية؟ قال: نعم، قال: أريد أن أراها، فالتفت صاحب الدكان وأتى بها إليه، فقال له: لا أريد هذه، أريد تلك التي في طرف الدكان، فذهب صاحب الدكان ليأتي بالسلعة، فسَرَق من المال الذي في الدكان، هل يعتبر سارقًا؟
الجواب: لا، هذا مختلس؛ لأن التفريط من صاحب المال، كيف تذهب لتأتي بالسلعة من أقصى الدكان، وعندك رجل لا تدري عن أمانته، فأنت الذي فرطت.
لو قال قائل: ألا يشكل على هذا قصة المرأة المخزومية التي كانت تجحد المتاع، فأمر النبي - ﷺ - بقطع يدها (^١)؟
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الحدود، باب قطع السارق الشريف وغيره والنهي عن الشفاعة، حديث رقم (١٦٨٨) عن عائشة.
[ ١ / ٣٤٥ ]
الجواب: اختلف العلماء في تخريج حديث المرأة المخزومية، فمنهم من قال: إن النبي - ﷺ - قطع يدها لأنها كانت تسرق لا أنها تجحد المتاع، لكنها ذكرت بهذا الوصف لأنها اشتهرت به؛ لا لأن الحكم مبني عليه، فالحديث فيه أنها كانت تستعير المتاع فتجحده، فأمر النبي - ﷺ - بقطع يدها، قالوا: إن الحديث معناه أنها كانت تستعير المتاع فتجحده لأنها عُرِفت بهذا، لكنَّ هناك إضمارًا تقديره: فسرقت فقطع يدها، لكن هذا غير صحيح، هذا تحريف للكلم عن مواضعه، والصحيح أن جحد العارية سرقة؛ لأن أي إنسان يريد أن يسرق فبدلًا من أن يذهب ويكسر الأقفال والأبواب ويأخذ على وجه الاختفاء، بدلًا من ذلك يأتي إلى الشخص ويقول: جزاك الله خيرًا أنا محتاج إلى هذا الإناء أطبخ فيه للضيوف، وآتي به إليك إن شاء الله، وربما يبقى في الطعام فضلة فآتيك به، ويلين القول فيعطيه ثم بعد ذلك يجحد، فالتحقيق أن جحد العارية نوع من السرقة؛ لأنه أخذ المال على وجه الاختفاء.
قوله: ﴿وَالسَّارِقُ﴾ الأنثى يقام عليها الحد كما يقام على السارق، وهنا نجد أن الله -بدأ بالسارق قبل السارقة، وفي باب الزنا ذكر الله الزانية قبل الزاني، والحكمة في ذلك، أن السرقة مبناها على القوة والجلد والنشاط، والرجال أخص من النساء في هذا، فبدأ بهم، ولذلك نجد السُّراق من الرجال أكثر منهم من النساء، أما الزنا فبالعكس؛ لأن الزنا سلع البغايا -والعياذ بالله- فبدأ بالزانية؛ لأنه في النساء أكثر كما هو مشاهد.
قوله: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ﴿اقْطَعُوا﴾: الخطاب للأمة جميعًا، لكن المقصود بالذات والعين هو الإمام أو نائبه، لكن
[ ١ / ٣٤٦ ]
المسؤولية على الجميع، بمعنى لو تهاون الإمام وجب على الأمة أن تطالب بقطع يد السارق كما سنذكره إن شاء الله في الفوائد.
وقوله: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ "الفاء" هنا ما موقعها؟ يعني كيف جاءت الفاء والجملة ليست شرطية؟ والجواب عن هذا أن نقول: لما كان الاسم الموصول موغلًا في الإبهام صار كاسم الشرط، واسم الشرط إذا كان جوابه طلبًا، يعني أمرًا أو نهيًا؛ وَجَب اقترانه بالفاء، وهذا واضح، ومثلها قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ﴾ [النور: ٢].
وقوله: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ "أيد" هنا جُمِعت مع أن المقصود أن يُقطع من كل منهما يد واحدة، فكيف جمعت هل المعنى أن نقطع الأربع الأيدي أم ماذا؟ نقول: لا، لا نقطع الأربع الأيدي، إنما يقطع من السارق والسارقة يدان اثنتان، لكن الأفصح في اللغة العربية أنه إذا أضيف المثنى إلى ما يفيد التعدد فإنه يُجمع، كراهة أن تجتمع تثنيتان فيما هو كالكلمة الواحدة؛ لأن المضاف والمضاف إليه كأنهما كلمة واحدة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، مع أن الواحدة لها قلب واحد، وقال تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: ٤]، ويجوز التثنية في غير القرآن مثاله: (اقطعوا يديهما)، ويجوز الإفراد: (اقطعوا يدهما)، إلا إذا كان يترتب على ذلك التباس واختلاف، فإنه يجب أن يكون الجزء الأول من المضاف والمضاف إليه على حسب الواقع، فمثلًا إذا قلت: اشتريت من الرجلين عبدهما، هنا إذا كان عبدًا واحدًا يجب أن تقول: عبدهما، ويدل ذلك على أن العبد مشترك بينهما، لكن إذا اشتريت من كل واحد عبده؛ تقول: عبديهما، إذا كنت
[ ١ / ٣٤٧ ]
اشتريت جمعًا، يعني كل واحد عنده عبدان واشتريت الأربعة، ماذا تقول؟ تقول: عبيدهما، وهذا يتعين لئلا يلتبس المعنى، أما إذا كان المعنى واضحًا فإنه إذا أضيف ما يفيد التثنية إلى ما يفيد التعدد فإنه يكون مجموعًا.
قوله: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ "أيد" هنا مطلقة من حيث الحد، يعني: حد اليد، ومن حيث الجهة:
أولًا: من حيث الحد: فهل نقطع من المنكب؟ أو من المرفق؟ أو من الكف؟ لأن كل هذا يسمى يدًا، فاليد من المنكب إلى الأصابع.
ثانيًا: الجهة، "أيديهما" أي: الجهتين؟ اليمين أو الشمال، أيضًا الآية مبهمة، فنقول: المراد قطع اليد اليمنى، والذي جعلنا نُعيِّن اليد باليمنى قراءة عبد الله بن مسعود ﵁، فقد كان يقرأها "فاقطعوا أيمانهما" (^١) وهذه القراءة إن كانت ثابتة عن النبي - ﷺ - بلفظها، فهي قرآن، وإن كانت تفسيرًا من ابن مسعود ﵁؛ فهو صحابي جليل عالم بالتفسير، والأقرب أنها قراءة؛ لأن النبي - ﷺ - حث على أن نقرأ بقراءة ابن أم عبد وهو ابن مسعود (^٢)، إذًا تعينت الآن الجهة وهي اليمين.
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (٦/ ٢٢٨)، والبيهقي في السنن الصغرى (٧/ ٣٠١) (٣٣٥٤).
(٢) انظر: صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب القراء من أصحاب النبي - ﷺ -، حديث رقم (٤٩٩٩)، صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة ﵃، باب من فضائل عبد الله بن مسعود وأمه رضي الله تعالى عنهما، حديث رقم (٢٤٦٤) عن عبد الله بن عمرو، ولفظ مسلم: "خذوا القرآن من أربعة: من ابن أم عبد -فبدأ به- ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وسالم مولى أبي حذيفة".
[ ١ / ٣٤٨ ]
الحد: هل هو الكف أو المرفق أو الكتف؟ نقول: اليد إذا أُطلِقت فالمراد بها الكف، والدليل قول الله ﵎ في التيمم: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]. واليد هنا حدها الكف، لدليل السنة الصريحة في هذا، كما في حديث عمار بن ياسر (^١) وغيره، ولهذا لما أراد الله ﷾ الزيادة على الكف قال في آية الوضوء: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، إذًا فتعين أن المراد باليد هنا اليد اليمنى، وأن حد القطع من مفصل الكف.
قوله: ﴿جَزَاءً﴾ هذه منصوبة على أنها مفعول من أجله، أي: لأجل مجازاتهما على فعلهما.
قوله: ﴿بِمَا كَسَبَا﴾ أي: بما كسبا من الجريمة والمعصية والعدوان، وهذا المعنى يؤيد أن المراد باليد اليمين؛ لأن الغالب أن الإنسان يأخذ بيمينه ويعطي بيمينه، والغالب أيضًا أن اليمين أقوى من اليسار.
وقوله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ أي: مجازاة لهما على ما كسبا من المال المبني على العدوان والظلم.
قوله: ﴿نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ ﴿نَكَالًا﴾ مفعول من أجله أيضًا، أي: تنكيلًا لغيرهما، ونكالًا لهما أيضًا أن يعودا إلى مثله، فإن أي إنسان مهما بلغ من الطمع في المال إذا علم أن يده سوف تُقطع، فإنه سوف يُنكِل عن السرقة خوفًا من أن تقطع يده، وأصل النِّكَال بالكسر أصله القيد التي تقيد به يد الدابة فيمنعها من
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الحيض، باب التيمم، حديث رقم (٣٦٨).
[ ١ / ٣٤٩ ]
الهرب، كذلك النكال يمنع السُّراق من أن يسرقوا، فذكر الله تعالى حكمتين:
الحكمة الأولى: مجازاة هؤلاء على فعلهم، أي: السُّرَّاق، لقوله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ ".
والثانية: منع اعتياد السرقة منهم ومن غيرهم، وذلك في قوله: ﴿نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ ".
قوله: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ختم الآية باسمين عظيمين من أسمائه، أولهما: العزيز الدال على العزة والغلبة والقهر، والثاني: الحكيم الدال على نفوذ حكمه، وعلى أن حكمه مقرون بالحكمة؛ لأن حكيم مشتقة من الحُكْم والحكمة، فهو ﷿ له الحكم التام، وله الحكمة البالغة. ويُذكر أن أعرابيًا بدويًا جلس إلى قارئٍ يقرأ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ والله غفور رحيم قال له: اقرأ الآية، قراءتك هذه غير صواب، فأعاد، وقال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ والله غفور رحيم قال: اقرأ، قرأها الثالثة، فقال ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ قال: الآن أصبت؛ لأنه ﷾، عز وحكم فقطع، ولو غفر ورحم ما قطع.
فانظر إلى ذكاء هذا الأعرابي؛ لأن ختام الآيات في الغالب يكون مطابقًا، ولا يرد على هذا قول الله ﵎ عن عيسى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ [المائدة: ١١٨]، ولم يقل: فإنك أنت الغفور الرحيم؛ لأنه
[ ١ / ٣٥٠ ]
ذكر العذاب والمغفرة، فكأنه قال: أنت عزيز فيمن تُعذِّب، وحكيم فيمن تُثِيب، ولا يقع الثواب والعقاب إلا مطابق للعزة والحكمة.