الفائدة السابعة: إثبات هذين الاسمين الكريمين لله ﷿ وهما الغفور والرحيم.
* * *
° قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٠)﴾ [المائدة: ٤٠].
قوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ الخطاب لكل من يصح توجه الخطاب إليه، فكل من يصح توجه الخطاب إليه فإنه داخل في قوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ لأن خطاب المفرد في القرآن الكريم يشمل كل من يتأتى خطابه، أو كل من يصح توجيه الخطاب إليه إلا إذا دل الدليل على أنه خاص بالرسول ﵊، فيكون خاصًّا به، فقوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١)﴾ [الشرح: ١]، هذا خاص بالرسول - ﷺ -، لكن إذا لم يدل الدليل على أنه خاص بالرسول - ﷺ - فإن القرآن يخاطب كل الناس، فإنه يُحمل على أنه موجَّه إلى كل من يصح توجه الخطاب إليه، وقد ذكرنا فيما سبق الخلاف في هذا، هل هو موجه للرسول - ﷺ - أولًا، ثم لغيره ثانيًا، أو لغيره أولًا، ثم لغيره تأسيًا، أو لكل من يصح منه الخطاب؟ هذا هو الأولى.
وقوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ أيها المخاطب أن الله له ملك السموات والأرض، وأتى بهذه الآية في مكانها اللائق؛ لأن ما سبق من الآيات كان في إقامة الحدود، فلعل النفس تقول: لماذا كل هذه الشدة، لماذا هذه الغلظة، فقال الله ﷿: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، والاستفهام هنا للتقرير، فإذا كان له
[ ١ / ٣٧٧ ]
ملك السموات والأرض، فإنه يحكم بما شاء، ويفعل ما شاء، ولهذا قال: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ في هذه الآية قَدَّم التعذيب على المغفرة، وفي آية أخرى قدم المغفرة على التعذيب، والمناسبة واضحة، لأن الكلام هنا عن الحدود والعقوبات، فناسب أن يُقدم التعذيب على المغفرة.
قوله: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ لا تظن أن الله إذا قال: يفعل ما يشاء، ويحكم ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا تظن أن الأمر على غير حكمة، بل يعذب من يشاء إذا اقتضت الحكمة تعذيبه، ويغفر لمن يشاء إذا اقتضت الحكمة أن يغفر الله له، ولهذا قال الله ﷿: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠)﴾ [الإنسان: ٣٠].
ثم ختم هذه الآية بقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، ومن قدرته ﷿ أنْ أمر بعقوبة الجناة على الوجه المذكور، وقد تقدم أن القدرة هي فعل الشيء بدون عجز، فالله ﵎ يفعل ما يشاء بدون عجز، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر: ٤٤]، فهو ﷾ لا يعجزه شيء، القوة ضدها الضعف، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ [الروم: ٥٤]، لكن القدرة ضدها العجز، والفرق بينهما أن القدرة لا تكون إلا من ذي إرادة، والقوة تكون من ذي الإرادة وغيره، فالإنسان يقال له قادر، ويقال له قوي، والجدار يقال له قوي، ولا يقال له قادر، لأن القدرة لا تكون إلا من ذي إرادة.
[ ١ / ٣٧٨ ]