الرسول - ﷺ - لا يراه، فكيف نكذب ونقول فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون، كذلك أيضًا ربما تطبق الآية على غير المراد، ولأن تحويل الآية إلى المعنى الذي اختاره هذا الرجل حرام إذا لم تدل عليه.
لو قال قائل: بعض المفسرين يتكلف في إيجاد المناسبة بين الآيات وبين السور فما رأيكم في هذا؟
الجواب: المناسبة بين الآيات حقيقة أنها من علم التفسير، وينبغي للإنسان إذا أمكن أن يعرف المناسبة بين الآية والآيات التي قبلها، لكن المبالغة في هذا والتكلف لا داعي له؛ لأن حسبنا أن نقول: الله أعلم بمراده، وإذا قال الإنسان الله أعلم فيما لا يعلم فهذا خير، ولهذا بعض الآيات لا يمكن أن تعرف المناسبة بينها، مثل قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] في سياق المعتدات، هذه لا تستطيع معرفة المناسبة، وهذا من الحكمة أن يقطع الله ﵎ أطماع الخلق في أن يحيطوا بكلامه علمًا.
* * *
° قال الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤١)﴾ [المائدة: ٤١].
[ ١ / ٣٩٥ ]
قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ المراد بالرسول هنا محمد - ﷺ -، وفي قوله: ﴿لَا يَحْزُنْكَ﴾ قراءتان "يُحزِن"، و"يَحزُن"، وكلاهما سبعيتان صحيحتان أي: لا يجعلك تحزن قول هؤلاء الذين يسارعون في الكفر.
وقوله: ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ أي: يتسابقون فيه، والكفر في اللغة: الستر، ومنه سمي الكافور أو الكُفُرَّى الذي هو وعاء طلع النخل؛ لأنه يستر الطلع الذي في جوفه، والمراد بالكفر هنا: الكفر بالله ﷿.
والكفر بالله يدور على شيئين: إما الجحود وإما الاستكبار؛ إما الجحود والإنكار -يعني: التكذيب- وإما الاستكبار مع الإقرار.
لو قال قائل: كفر إبليس من أي النوعين؟
الجواب: من الاستكبار؛ لأنه مؤمن لكنه مستكبر والعياذ بالله، وكفر قريش الذين يقولون: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص: ٥]، كفر إنكار وتكذيب.
لو قال قائل: قسمتم الكفر إلى قسمين ولم تذكروا القسم الثالث وهو كفر الجهل الذي يُلحق به عُبَّاد الصليب وعباد القبور؛ لأنهم ليسوا معاندين ولا مستكبرين بل هم جهال. نريد التفصيل في هذا؟
الجواب: هؤلاء لو كانوا جاهلين عفا الله عنهم، وبعد بعثة الرسول ﵊ يعدون معاندين، ولا نستطيع أن نقول إنهم جهال بل نقول معاندون، هذا لا شك فيه، فالنصارى معاندون. قال النبي ﵊: "والذي نفسي بيده، لا
[ ١ / ٣٩٦ ]
يسمع بي أحد من هذه الأمة يهوديًّا ولا نصرانيًّا ثم لا يؤمن بما جئت به إلا كان من أهل النار" (^١).
قوله: مِنَ ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ﴾. مِن: هنا بيان للاسم الموصول الأول وهو قوله: قوله: ﴿الَّذِينَ يُسَارِعُونَ﴾.
قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ قوله بأفواههم: متعلق بـ"قالوا"، أي: قالوا بأفواههم: ﴿آمَنَّا﴾ ﴿وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾، وهذا الوصف ينطبق تمامًا على المنافقين، كما قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨)﴾ [البقرة: ٨]، وهؤلاء في الكفر كاليهود والنصارى كما قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ﴾ [الحشر: ١١] يعني اليهود.
قوله: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ بين الله تعالى أحوال اليهود، والذين هادوا هم الذين قالوا: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]: أي: رجعنا إليك من المعصية إلى الطاعة، فيُسمون الذين هادوا، ويُسمون اليهود، أما التسمية الأولى فلقولهم: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾، وأما الثانية: فنسبة إلى أبيهم يهوذا.
قوله: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ﴾ هل هي جملة مستأنفة أو معطوفة على قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ﴾؟
إذا جعلناها معطوفة يكون إعرابها خبر لمبتدأ محذوف والتقدير: ومن الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن
_________________
(١) تقدم ص ١٦٣.
[ ١ / ٣٩٧ ]
الذين هادوا هم سماعون فتقرأ: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ ثم تقف؛ لأنها معطوفة على قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ ثم تقول: ﴿سَمَّاعُونَ﴾ والتقدير: "هم سماعون" وإذا قلنا: إن الجملة مستأنفة جعلنا: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ خبرًا مقدمًا، وسماعون صفة لموصوف محذوف وهو المبتدأ، والتقدير: "ومن الذين هادوا قوم سماعون للكذب".
وقوله: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾: أي: قابلون له، يقبلون الكذب من أحبارهم الذين يقولون: إن محمدًا ليس بنبي، وهذا من أكذب ما يكون، بل هو أكذب شيء بعد الكذب على الله ﷿.
قوله: ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ أي: سماعون لكذبهم، فيكون الله ﷿ ذكر أن هؤلاء الذين هادوا ويسمعون للكذب مطلقًا، ويسمعون لقوم آخرين لم يأتوا إلى الرسول - ﷺ -، وتكون "اللام" للتعدية أو للتقوية.
وقوله: ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ تحتمل معنيين، والقاعدة أن الكلمة تحمل على المعنيين إذا كانا صحيحين، ولا مرجح لأحدهما على الآخر، ولا منافاة بينهما.
فالمعنى الأول: أنهم سماعون للكذب ممن أَتوك وممن لم يأتوك، فهم يستجيبون للكذب من أي إنسان، سواء كان يأتي إليك أو لا يأتي.
والمعنى الثاني: في قوله: ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ أي: يسمعون منك ليوصلوه إلى قوم آخرين، فكأنهم واسطة بين الرسول - ﷺ - وبين من ينقلون إليه الخبر، وتكون "اللام" تعليلية،
[ ١ / ٣٩٨ ]
يعني: سماعون لك من أجل قوم آخرين، يُوصِلون ما تقوله إليهم، فإذا أوصلوه إلى هؤلاء القوم الآخرين حرّفوه وبدلوه وغيروه، ولهذا قال: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ يعني أن القوم الآخرين وهم أحبار اليهود الذين ينقل إليهم العامة ما يسمعونه من النبي - ﷺ -، فهؤلاء يُحرفون الكلم من بعد مواضعه، والتحريف بمعنى التغيير، أي: يغيرونه عن وجهه، فيقولون: المراد كذا، والمراد كذا على خلاف ما أراد الله ورسوله.
وهل المراد أنهم يحرفون الكلم من التوراة أو أنهم يحرفون الكلم من التوراة وغيرها؟
الأَولى العموم، فهم يحرفون الكلم من التوراة، ويحرفون الكلم من القرآن.
قوله: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا﴾ يعني ما نريد من الحكم فخذوه ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾، والإشارة بما يدل على البُعد ليس لرفع شانهم، ولكن لإبعادهم عن الثناء وأن يكونوا على حق.
قوله: ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ الإيتاء والإعطاء إنما يكون في المحسوسات وفي المنقولات، لكنه قد يستعمل في المعاني كما في هذه الآية، وأصل هذه القصة نزلت في يهوديين زانيين. فالأحبار يُعَيِّنُونَ لهؤلاء القوم الذين ينقلون إليهم الأخبار شيئًا معينًا أي: حكمًا معين، فيقولون: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا﴾ من محمد فخذوه، واقبلوه، ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ يعني احذروا أن تقبلوه، فصار الآن هؤلاء الأحبار الذين يُنقل إليهم الكلام من الرسول - ﷺ -، يقولون لأتباعهم: اعرضوا هذا على محمد فإن أعطاكم إياه فخذوه وإلا فاحذروا.
[ ١ / ٣٩٩ ]
وضرب المفسرون لهذا مثلًا بقصة الرجم، كان الرجم -أعني رجم الزاني- محكومًا به في التوراة وكانت بنو إسرائيل ترجم من زنا، فلما كثر الزنا في أشرافهم صعُب عليهم أن يرجموا أشرافهم فقالوا: لا نرجم ولكننا نحمِّم الوجه، أي: نسوده، ونُرْكِبُ الزانيين على حمار، كل واحد منهما مستدبر الآخر، ونطوف بهما في الأسواق فقط، ولا نرجم، فقدر الله ﷿ أن يزني من اليهود رجل وامرأة، فرفعوا الأمر إلى النبي - ﷺ - (^١)، وقال أحبارهم: إن آتاكم محمد هذا، يعني تحميم الوجه والطواف بهم في البلد فخذوه، وان لم يعطكم وأمر بالرجم فاحذروا.
وهذا مثال وليس حصرًا لمعنى الآية، بل المراد أنهم يعينون -أي: الأحبار- أحكامًا لعامتهم ويقولون: إن حَكَمَ بها محمد فاقبلوها وإن لم يحكم فاحذروا.
قوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ وتحريفهم الكلم هنا تحريف معنوي، بمعنى أنهم جعلوا الرجم منسوخًا وأنه لا يجب العمل به، وسنذكر إن شاء الله في الفوائد أن التحريف ينقسم إلى قسمين.
قوله: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ﴾ يعني: ضلاله ﴿فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ وهذا تسلية للرسول ﵊،
_________________
(١) انظر: صحيح مسلم، كتاب الحدود، باب رجم اليهود أهل الذمة في الزنا، حديث رقم (١٧٠٠)، سنن أبي داود، كتاب الحدود، باب في رجم اليهوديين، حديث رقم (٤٤٤٨)، مسند أحمد (٤/ ٢٦٨) (١٨٥٤٨).
[ ١ / ٤٠٠ ]
يعني أن الله إذا أراد فتنة أحد فإنه لا يستطيع أحد من الخلق أن يرد هذه الإرادة، بل لا بد أن تقع، ولكن هل إرادة الله في فتنة أحد من الناس مبنية على غير حكمة؟
الجواب: لا، بل هي مبنية على حكمة، والحكمة ذكرت في قول الله ﵎: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، إذًا هم السبب، فلما علم الله أن ليس في قلوبهم خير أزاغها، كما قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠)﴾ [الأنفال: ٧٠].
إذًا نقول: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ﴾ أي: إضلاله: ﴿فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾، هذا فيمن هو أهل للإضلال.
قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ﴾ أولئك: المشار إليهم هؤلاء اليهود الذين لا يقبلون من الحق إلا ما وافق أهواءهم.
قوله: ﴿لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ أي: من الشك والشرك والإلحاد وغير ذلك، وإنما ذكر القلوب؛ لأن القلوب هي محل الصلاح والفساد، قال النبي - ﷺ -: "ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت، فسد الجسد كله، ألا وهي القلب" (^١).
قوله: ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ أي: ذل وعار، وذلهم وعارهم أما من جهة اليهود فبقتالهم والغلبة عليهم، وقد حصل والحمد لله ذلك، فإن قبائل اليهود التي كانت في المدينة منهم من قُتِل ومنهم من جُلِّي، فهذا خزيٌ في الدنيا، وأما في الآخرة فلهم عذاب
_________________
(١) تقدم ص ١٤٣.
[ ١ / ٤٠١ ]
عظيم لا يعلم كنهه؛ لأنه من الأمور الغيبية، ومن شاركهم في عملهم استحق مثل عقوبتهم، والمنافقون خزيهم أن الله ﷿ بَيَّنَ حالهم وكشف عوارهم، كما قال الله ﵎: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠]، وكان النبي ﵊ قد علم أَسماء أُناس من المنافقين وأَخبر بهم حذيفة بن اليمان (^١)، ولهذا يُقال: إنه صاحب السر.
قوله: ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ وهو عذاب النار، نسأل الله أن يجيرنا منها، والمنافقون في الدرك الأسفل من النار.