° قال الله ﷿: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢)﴾ [المائدة: ٤٢].
قوله: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ ﴿سَمَّاعُونَ﴾ خبر لمبتدأ محذوف، أي: هم سماعون للكذب أكالون للسحت، هل هذه الجملة تأكيد لما سبق، أو هي مغايرة؟
يحتمل المعنيين: يحتمل أن تكون تأكيدًا لما سبق؛ لأن المقام مقام عظيم ومهم يحتاج إلى تكرار وتأكيد بيان أوصافهم القبيحة للحذر منها، ويحتمل أن تكوق مغايرة لما سبق، وذلك بأن نحمل "اللام" في الأولى محلى أنها للتقوية، وفي الثانية على أنها للتعليل.
وقوله: ﴿أَكَّالُونَ﴾ صيغة مبالغة تدل على كثرة أكلهم للسحت، و"السحت" فيها قراءتان "للسحُت" بضم الحاء، و"للسحْت" بسكون الحاء، قراءتان سبعيتان مثل: نَهْر ونَهَر، فما هو السحت، هل هو أكل المال بالباطل، هل هو أكل الربا، هل هو الرشوة؟
الجواب: شامل لكل ذلك، والمعنى العام أن نقول: السحت كل ما اكتسب بكسب محرم فهو سحت، فيشمل الربا وهو شائع في اليهود، والرشوة وهي أيضًا شائعة في اليهود، والغصب والسرقة والغش والخيانة وغير ذلك، ووجهه: أن الحرام يسحت الحلال وينزع بركته، أو أنه نفسه، أي: الحرام سحت ينسحت ويزول ولا يكون فيه بركة، فالسحت إذًا وصف في نفسه
[ ١ / ٤١١ ]
وفي غيره، أما كونه وصفًا في نفسه؛ لأنه لا بركة فيه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩)﴾ [الروم: ٣٩]، وكما جاء في الحديث عن ابن مسعود ﵁، فيمن كسب مالًا محرمًا أنه إن أنفقه لم يبارك له فيه، وإن تصدق به لم يقبل منه، وإن خَلَّفَهُ كان زاده إلى النار (^١).
وأما كونه وصفًا في غيره؛ لأنه يسحت المال الآخر، والحاصل أن هؤلاء جمعوا بين فساد القول وفساد الغذاء، فهم سماعون للكذب يقبلونه ويتحدثون به، ويأخذونه مسلمًا وأكالون للسحت.
قوله: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ﴾ يعني: لتحكم بينهم ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ الخطاب هنا للرسول ﵊ وأمته مثله، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] لكن الفاعل في قوله: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ﴾ هل المراد به أهل الذمة، أم المعاهدون، أم كل كافر، أم كل مؤمن، أم ماذا؟ نقول: أما المؤمن، فلا يجوز الإعراض عن الحكم بين المسلمين خصوصًا من وكل إليه الأمر مثل القضاة، فلا يجوز لأي قاضٍ إذا ترافع إليه الخصمان أن يتعذر بل يجب أن يحكم بينهما، أما المُحكَّم الذي ليس بقاضبى فله أن يحكم وله أن لا يحكم، لكن لو استفتي يجب أن يفتي بشرع الله، أما التحكيم فهو بالخيار إن شاء قبل وإن شاء لم يقبل، مثل أن يكون نزاع بين
_________________
(١) رواه أحمد (١/ ٣٨٧) (٣٦٧٢)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٥) (٢١٣٧)، والبيهقي في الشعب (٤/ ٣٩٥) (٥٥٢٤).
[ ١ / ٤١٢ ]
قريبين فيقولان: لا نريد أن نصل إلى القاضي ولكن نحكم فلانًا فلا يلزمه أن يحكم، لكن لا شك أنه يتأكد عليه أن يحكم، لما في ذلك من فض النزاع وبيان حكم الله ﷿، ولكن لا يحكم حتى يستوثق من الجميع.
أما غير المسلمين، فالصواب أن الإنسان مخير إن شاء حكم وإن شاء لم يحكم، سواء كانوا ذميين تحت حكمنا أو معاهدين منفصلين عنا، أو حربيين، والحربي غالبًا لا يمكن أن يأتي إلينا؛ لأنه إذا أتى قتل؛ لأنه مباح الدم.
قوله: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾. "أو" هنا هل هي للتنويع أو للتخيير؟
الجواب: هذه للتخيير، وإذا كانت للتخيير فهل هو تخيير تشهي أو مصلحة؟ نقول: هو تخيير مصلحة، وسيأتي في الفوائد إن شاء الله تعالى.
قوله: ﴿وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾ لا في الدنيا ولا في الآخرة، إن تعرض عنهم ولا تحكم بينهم، فإنهم لن يضروك لكن قد يؤذونك، والأذية لا يلزم منها الضرر، بدليل أن الله ﷾ أثبت أن بني آدم يؤذونه، ونفى أن يضره أحد، فقال جلَّ وعلا: "يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني" (^١) وكذلك في القرآن: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٧٦] الأذية ثبتت في القرآن والأحاديث القدسية، قال الله تعالى في القرآن: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧]
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، حديث رقم (٢٥٧٧) عن أبي ذر.
[ ١ / ٤١٣ ]
وقال في الحديث القدسي: "يؤذيني ابن آدم يسب الدهر" (^١) فالضرر منفي عن الله ﷿ بالقرآن والأحاديث القدسية، والأذية ثابتة، ومن المعلوم أنه لا يلزم من الأذية الضرر، بدليل أن الإنسان إذا جلس إلى جنبه رجل آكل بصلًا فإنه يتأذى به ولا يضره.
وقوله: ﴿شَيْئًا﴾ نكرة في سياق النفي بـ "لن" فيعم أي شيء، لن يضروك به في الدنيا ولا في الآخرة.
وقوله: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ﴾ يعني رأيت أن تحكم واخترت أن تحكم فاحكم بينهم بالقسط، والقسط هو العدل، حتى لو كان الحكم لكافر على مسلم يحكم عليه بالعدل، حتى إن العلماء ﵏ قالوا: يجب أن يعدل بين الخصمين ولو بين مسلم وكافر، في اللفظ واللحظ والجلوس والتقديم وكل شيء؛ لأن هذا حكم يجب أن يعدل فيه، فعبد الله بن رواحة لما بعثه النبي - ﷺ - ليخرص على اليهود الثمار، جمعهم وقال: إني جئتكم من أحب الناس إليَّ، يعني: الرسول - ﷺ -، وإنكم لأبغض إليَّ من عدتكم من القردة والخنازير -﵁ كلمة شجاع- وما حبي له وبغضي لكم بموجب أن لا أعدل فيكم، وإلا من المعلوم أن النفس بالطبيعة البشرية تميل مع من تحب، وعلى من تبغض، لكن هو يقول: لا يمكن أن لا أعدل فيكم، فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض، وعدل فيهم ﵁ (^٢).
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب التفسير، باب سورة حم الجاثية، حديث رقم (٤٢٤٩)، ومسلم، كتاب الألفاظ من الأدب وغيرها، باب النهي عن سب الدهر، حديث رقم (٢٢٤٦) عن أبي هريرة.
(٢) رواه أحمد (٣/ ٣٦٧) (١٤٦٩٦) عن جابر بن عبد الله ﵁، وابن حبان (١١/ ٦٠٧) (٥١٩٩) عن ابن عمر ﵄، =
[ ١ / ٤١٤ ]
قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ هذا حث على العدل في كل شيء، و﴿الْمُقْسِطِينَ﴾ يعني: العادلين، ولهذا جاء في الحديث الصحيح: "أن المقسطين على منابر من نور عن يمين الله ﷿، الذين يعدلون في أهليهم وما ولوا عليه" (^١).
إذًا المقسط: هو العادل، والقاسط هو الجائر، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥)﴾ [الجن: ١٥].